محمد هاشم عبد السلام
لفتت السلوفاكية تيريزا نوفوتوفا الأنظار بفيلمها السابق “أجراس الليل” (2022)، ما جعلها في مقدمة المخرجات – أقله في أوروبا الشرقية – اللواتي لهنّ أصوات خاصة وفريدة، وموهبة قادرة على رصد ونقد قضايا متنوعة وشائكة، اجتماعية وإنسانية، بأسلوب يمزج بين مدارس سينمائية عدة، ولا يخلو من جماليات بصرية ملحوظة.
في “الأب” (2025)، المعروض أولاً في مسابقة قسم “آفاق”، في الدورة الـ82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لـ”مهرجان فينيسيا“، رحلة نفسية مُكثّفة، تتناول الفَقد والشعور بالذنب وخيانة الذاكرة والمرض النفسي، وقضايا معقّدة ومتداخلة، كالأبوة والمسؤولية، ومحاولة الخلاص من مجتمع وقوانين وأخلاقيات لا ترحم. وقبل هذا، شعور لا يهدأ بتأنيب الضمير، والندم، ومحاولة التكفير عن الذنب، وعما إن أمكن للحب الصادق تجاوز وغفران خطأ لا يُغتفر، ولا سبيل إلى إصلاحه.
فكرياً وفنياً، لم تبتعد كثيراً عن فيلمها السابق، وإن أنجزت فيه الجديد ضمن إطار الواقعية الاجتماعية الصارمة، والبيئة المدنية المعاصرة، حيث الفرد في صراع ضد نفسه أساساً. بينما الصراع في فيلم “أجراس الليل”، كان خارجيًا وضد المجتمع والعادات والماضي، واعتمد على الواقعية السحرية، والفانتازيا الشعبية، والأساطير والخرافات، وجنح إلى بيئة قروية جبلية معزولة، غارقة في التقاليد والظلمات.
الفرق الرئيسي، الذي أكّد نضجَ تجربةٍ وفكر وفن المخرجة، اشتغالها وقدرتها على تطويع الأنواع السينمائية، لإثارة قضايا اجتماعية ونفسية ومَرَضيّة، ذات أبعاد إنسانية كونية. صراع فيلمها السابق كان نسويًا، برصده لقمع المرأة، بينما الصراع في “الأب” يتمحور حول قمع الأب وإدانته، اجتماعياً وقانونياً وأخلاقياً، من خلال رصد أمين ومحايد للموقف العصيب الذي اجتازه.
في الفيلمين، الصدمة محرّك أساسي. في “الأب”، يحاول ميشال (ميلان أوندريك) امتصاص الفاجعة وكتمانها، ثم تقبّلها والتعايش معها بصمت، بعد البحث في أسبابها. كما يحاول الحفاظ على علاقته بزوجته وحبيبته زوزكا (دومينيكا مورافكوفا)، وتفهّم حزنها ورغبتها في الابتعاد عنه، بعد فقدانها ابنتهما وحبّهما وحياتهما الزوجية دفعة واحدة. وفي هذا انعكاس لأثر الصدمة على العلاقات الإنسانية القريبة، الواقعة في محيط ضيق للغاية. بينما في “أجراس الليل”، تتحوّل الصدمة إلى مواجهة عنيفة ضد المجتمع الواسع.
لا يكتفي “الأب” برصد شخصية تعيش على حافة الانهيار، بل يتجاوزها لتناول أو تفكيك مفهوم الرجولة التقليدية، الذي يمنع الرجل من التعبير عن ضعفه، وذلك رغم مهاجمة نوفوتوفا للسلطة الأبوية في المجتمعات الريفية في فيلمها السابق. لذا، يمكن القول إنها تسبر وتفكّك القيود الاجتماعية والإنسانية، أياً كان نوعها، بجرأة ملحوظة.
أحداث “الأب” مُستوحاة من وقائع حقيقية، تُعرف علمياً باسم “مُتلازمة نسيان الطفل” (Forgotten Baby Syndrome)، مع التركيز على مدى هشاشة الوعي البشري، والعطب اللحظي المفاجئ للدماغ أو الذاكرة، وخيانتها صاحبها، إن لم ينتبه إلى علامات النسيان المتكرر، ولإشارات واضحة. كما يرصد تبعات الأمر، نفسياً واجتماعياً وسلوكياً، على الفرد، ضحية خيانة دماغه له، وتصويرها ما لم يحدث فعلاً.
بفعل البحث المحموم والصادق لميشال عن أسباب ما جرى، وكيفية وقوع الحادثة، لا لإراحة ضميره، وإيجاد مُبرّر، والتماس أعذار وتبرئة قانونية له، يتّضح أن الأمر ليس نتاج تقصير وإهمال واختلال عقلي، بل متلازمة، لا يعيها المرء، تصيبه من دون دراية مسبقة بها.
لا يكتفي “الأب” بالغوص في تفاصيل القصة الواقعية، ووفاة الابنة اختناقاً بالسيارة، ولا المرض. فنوفوتوفا ابتعدت عن هذا كثيراً، بذكاء. وبذكاء أكثر، جعلت الأب بطل الأحداث، رغم أن النسوة، عادة، مرتكبات هذا الحادث المتكرر. وهذا للتعمّق في مفهوم الأبوة، بوصفها مسؤولية أخلاقية ووجودية ونفسية واجتماعية ضاغطة. كما طرحت بشكل أعمق مفاهيم الذنب وتأنيب الضمير والمغفرة، وما إذا كانت هناك إمكانية للتخفّف من الذنب، لا للتخلّص منه.
منذ البداية، ابتعد “الأب” عن السرد التقليدي لأحداث مأسوية، وعن الأحكام القاطعة، لطرح تساؤلات عن اللوم والرحمة والذنب، وعن مسؤولية الذات وروح القانون، وردة فعل المجتمع، فتحوّل إلى رحلة نفسية في عقل بطل، لا يُبرّر أو يَتَنَصَّلَ أو يتبغي النسيان، بل يحاول التعايش مع صراعه، ومع الندمَ والعذاب والعجز.
برصدها الصراع الداخلي، برزت إدارة نوفوتوفا البارعة لأداء البطل، وقدراته الرهيبة على ضبط مشاعره، وكبت انفعالاته. وسَخَّرت أدواتها الإخراجية، خاصة اللغة البصرية، لخدمة العزلة النفسية للشخصية، وذلك عبر: لقطات مقربة جداً على وجهه، وهذا تجلّى في مشهد المحاكمة. كما عكست غلبة الألوان الباهتة برودة المشاعر، والجمود الناجم عن الصدمة.
أدوات عدّة نقلت ببراعة مدى الضغط النفسي، إحداها: توظيف اللقطات الطويلة. وبالمونتاج، استعادت أحداثاً ومشاهد مع الأب، فأصبح المتلقّي شاهداً على براءته، أكثر من كونه متفرّجاً. هذا دفع إلى تساؤل حتمي، لا يتعلق بالمصير النهائي للأب، ولا إن كان يستطيع إكمال حياته، بل متى سينفجر أو يُجن أو ينهار؟
لم تكن الحبكة لتصل بقوة وفنية وصدق لولا أداء ميلان أوندريك، الذي لم ينفجر بكاء وصراخاً، بل جَسَّدَ بحرفية بالغة الانهيار الهادئ، بصوت مُزلزل غير مسموع، قوامه ليس النبرة العالية والكلمات المحشورة والمرتجفة، بل الصمت الطويل المسموع، والارتعاشة الحارة المتوترة لليدين، والنظرات الشاردة الغارقة في الفراغ، ما عَمَّقَ فداحة الأثر الدرامي، وصخبه العنيف.