محمد هاشم عبد السلام
رغم أهميته وفرادته، عولج الموضوع المطروح في “برشامة” (2026)، للمصري خالد دياب، باستخفاف شديد، وتسطيح ربما يكون مقصوداً، بذريعة أنه عمل كوميدي بحت، أبقاه في دائرة الخفّة والتسلية، والإخفاق الواضح في تقديم كوميديا متماسكة ومُقنعة ورصينة، يمكنها أن تكون نقطة انطلاق لطرح موضوع حيوي ومعالجته بوعي أكبر، ونضج كوميدي أعمق.
الأفلام المصرية السابقة على “برشامة”، التي لامست بعض مضامينه، لم تتطرّق بمختلف أنواعها إلى ظاهرة الغشّ الجماعي، إذْ دارت، على الأغلب وببعض السطحية، حول الفشل الدراسي، والدروس الخصوصية، وتسريب الامتحانات، والضغوط الأسرية الناجمة عن نظام تعليم أساسي معطوب، بات يتلخّص بما يُعرف بالثانوية العامة، أو البكالوريا. إنه أحد أهم الموضوعات المؤرقة مجتمعياً منذ عقود لنظام تعليم وبلد، مع عجز متكرّر عن إيجاد حلّ ناجع لها، يجعل السنة الدراسية عادية، لا مُحدِّدة لمصائر أفراد وأسر وحيواتهم، ومسبّبة مآسيَ للبعض، بلغت حدّ الانتحار، أو محاولة الإقدام عليه. الأمر نفسه ينسحب على ظاهرة الغشّ الجماعي، النادرة والسطحية في السينما المصرية، رغم عراقتها في النظام التعليمي، واقترانها بالثانوية العامة.
لذا، كانت هناك فرصة ذهبية لخالد دياب، ولشريكيه في كتابة السيناريو أحمد الزغبي وشيرين دياب، لتقديم عمل يتناول هذه الظاهرة المركبة، عبر حبكة يستند بعض خيوطها إلى وقائع حقيقية، شغلت المجتمع قبل سنوات، لطرافتها ومأساويتها في آن واحد، وإن اتّخذت قالباً كوميدياً، وجعلت السخرية والضحك والواقع العبثي ذريعة لها. لكن نتيجة الامتحان الذي خاضه دياب وفريقه لم تتجاوز كون العمل نكتة طويلة، اتّسمت أحياناً ببعض الضحك الخالص، والنكات والقفشات الذكية، غالباً بشكل عادي وسطحي وغير مُضحك، وكليشيهات، فإذا بخاتمته ميلودراما مفتعلة، مُرضية جماهيرياً بسذاجة بالغة. لذا، رسب “برشامة” بنجاح، حتى في تجاوز طموح تقديم “الضحك من أجل الضحك”.
يدفع الفيلم دفعاً إلى إطلاق وصف عليه، متكرّر حدّ الابتذال، رغم دقته وصدقه: إنه مجرد فيلم عيد. غرضه تمضية وقت، وتسلية جمهور، وانتزاع ضحكات، حقيقية وصادقة أو عابرة ومنترعة غصبًا، على بؤس واقع وسلوكات ومصائر، قبل أن يطوي النسيان الفيلمَ والضحك، بمجرد الانتهاء منهما. لذا، لا داعي لأخذ أي شيء بجدية كبيرة خلا الضحك والتسلية وتمضية الوقت، بدءاً من الفكرة، مروراً بشبه أداء معقول لشخصيات تبدو واقعية، وتوظيف بدائي ساذج لكوميديا المواقف، وانتهاء بابتعاد مقصود عن اشتغال سينمائي فني عميق.
يؤكّد “برشامة”، كغيره من الكوميديات المصرية المعاصرة، البُعد الشديد عن استيعاب مفهوم الكوميديا ومعناها وتاريخها ومدارسها وأنواعها، كما عن أن هناك خلطاً وتداخلاً وجهلاً كثيراً، إلى درجة يصعب معها وصف ما يُشاهَد بأنه كوميديا. الأدق أنه خلطة فيها سيل من الإيفيهات، الممزوجة بكمّ كبير من النكات الهزلية الصارخة، اللطيفة والمتدنية والذكية والمبتذلة، ومن القفشات والاستظراف واللعب على المعاني المزدوجة للكلمات وإحالاتها، وتوظيف مفردات عامية صميمة، عصية على فهم الغير أحياناً، تتطلّب معرفة بواقع ومفردات ولهجة، وتجعل إثارة ضحك غير العليم بها صعبة، كما أنّها مُثيرة لسوء فهم. الأمثلة كثيرة، أبرزها العنوان (برشامة)، وهذه مفردة عامية مصرية، تحيل على نوع من وسائل الغش في الامتحانات، بينما الفيلم لم يتمحور حولها أصلاً.
إخراجياً، يتسم “برشامة” بإيقاع سريع وحيوي وغير مملّ، متناولاً رغبة عامة وعارمة في الغش. هناك توظيف جيد لفكرة المكان الواحد تقريباً، ولوقت لا يتجاوز مدّة الامتحان، وشخصيات قليلة، أغلبها رئيسي. والأخيرة مجرّد أفراد يجتهدون في الأداء، لكنهم يتبارون في إطلاق النكات والقفشات، في مواقف موسومة باستسهال واستخفاف وزجّ بأحداث ركيكة، لانتزاع الضحك فقط، من دون اعتبار للمنطق والواقعية. لذا، لم يتبعد الفيلم كثيراً عن كونه عملاً تلفزيونياً خفيفاً، غير سينمائي بجوانب كثيرة. يُشبه مسلسلات الـ”سيت كوم”، أو أقرب إلى الكوميديا ذات الحلقة الواحدة، المنفّذة جيداً على مستوى الحوار، كي تسهل متابعتها صوتياً من دون حاجة إلى التفات كثير إلى الصورة، أو انشغال بجماليات وفنيات.
يُحسب لصنّاعه جرأة الكتابة، وللرقابة المصرية التصريح بعرض جماهيري لمن هم فوق الـ12 عاماً، رغم ما فيه من جرأة، غير مسبوقة ربما، سخرية مباشرة أو مواربة بسطحية فجّة، وإيحاءات مزدوجة المعنى، فاضحة وملتبسة أحياناً، وهذا من أمور كثيرة شائكة. الأهم أن سهامها أصابت أساساً، بوعي أو من دونه، الزيف والنفاق والازدواجية الضاربة بعمق في صميم الشخصية المصرية، بمختلف الأطياف والطبقات. كما أن الأطر الدينية والاجتماعية والتربوية والتعليمية لم تكن هدفاً للهجوم بحدّ ذاته، بل فضح أشخاصٍ ومجتمع ومنظومة جاهلة ومنافقة واستغلالية، تبرّر أفعالها استناداً إلى بؤس واقع، وانطلاقاً من مصالح شخصية، كالحصول على منصب العمودية، أو زيادة في الراتب، أو الهرب من زوج وأخ أميّين وجاهلين، من دون التفات إلى غاية أو قيمة مبتغاة من علمٍ وتعليم ومستقبل. هذا يعيدُ إلى الشخصية المصرية مُجدّداً، التي باتت ترى مؤخراً أن نجاحها يتمثل في ممارسة الفهلوة، واستغفال الغير، والتذاكي، والاستسهال.