محمد هاشم عبد السلام
اختتمت مساء أول أمس السبت 23 مايو/ أيار فعاليات الدورة الـ79 لـ”مهرجان كانّ السينمائي الدولي“. وأُسدِلَ الستار على دورة يصعب القول إنها كانت من أهم وأبرز الدورات التي عقدت خلال السنوات القليلة الماضية. صحيح أن الدورة شهدت عرض أفلام على قدر كبير من التميز، ومحاولة التجديد وابتغاء الأصالة، خاصة “المُسابقة الرئيسية”، لكن المسابقة بأكملها لم تتسم بكثير من الحيوية، والمستوى الإبداعي المتنوع، والابتكار الشديد في طرح الأفكار والرؤى. وإن برز إلى حد كبير الاهتمام بالاشتغال البصري، والجماليات الفنية.
مقارنة بالعام الماضي، مثلًا، لم تكن الدورة ذات طابع سياسي بحت، لكن يمكن القول إنها اشتركت بالمصادفة في تناول ثيمات، أو موضوعات معينة، مع اختلاف المعالجات بالطبع، كان على رأسها مفارقة الواقع، وعدم المواجهة، واللجوء إلى الخيال والروايات، وصناعة الأفلام كوسيلة لخلق عوالم خيالية، أو موازية، في خلط شديد وتداخل معقد للواقع بالخيال. إلى جانب هذا، كانت هنالك عودة إلى قضايا الحرب والتاريخ الأوروبي القديم تحديدًا، وحتى ضمن تلك الأفلام برزت الثيمة التي لفتت انتباه الجميع هذا العام، وهي تكرار تناول موضوع المثلية الجنسية، بمعالجات مختلفة، وكأنما أغلب أفلام المسابقة، التي لم تكن تخلو سابقًا من هذه النوعية، باتت مع مرور السنوات مكرسة لهذه الثيمات الرائجة، أو المحبذة لدى المخرجين، أو ربما مفروضة تحت ضغوط ما، تمويلية في الأساس.
اللافت أيضًا أنه من بين 22 فيلمًا تنافست في “المُسابقة الرئيسية“، تنوعت مُوضوعاتها بين السياسي والاجتماعي والإنساني، نالت نصف أفلام المُسابقة، أو أكثر، استحسان النقاد والصحافيين، وشبه إجماع على حسن الاختيار. وإن غاب الدفع بأسماء جديدة شابة من الجنسين في أكثر من قسم، وحضور نسائي باهت بعض الشيء.
جوائز مُرضية للغاية
في ما يتعلق بالجوائز الرسمية للدورة الـ79، التي جرت مراسم توزيعها على “مسرح لوميير الكبير“، ومُنحت بناء على قرارات أعضاء لجنة التحكيم برئاسة المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك، وعضوية الممثلة الأميركية ديمي مور، والممثلة الأيرلندية روث نيجا، والمخرجة البلجيكية لورا فاندال، والمخرجة الصينية كلوي تشاو، والمخرج التشيلي دييجو سيسبيدس، والممثل الغيني الفرنسي إسحاق دي بنكولي، وكاتب السيناريو البريطاني بول لافيترتي، والممثل السويدي ستيلان سجارسجارد، واللجنة في أغلبها مكونة من ممثلين وممثلات، فيمكن القول إنه كان لهذا تأثيره على توزيع جوائز التمثيل مناصفة لأربعة ممثلين وممثلات.

صحيح أن الأمر شابه بعض الاستغراب مع الإعلان التدريجي للجوائز، مثل أحسن ممثل وأحسن ممثلة، وتلك من الممكن تقبلها بعض الشيء، سيما وأنها اتسمت بالوجاهة والموازنة الحكيمة، لكن الأمر انسحب أيضًا على جائزة الإخراج. إذ صعد ثلاثة مخرجين على المسرح، دفعة واحدة، لتقاسم الجائزة. ما يعكس حيرة اللجنة في ما يتعلق بحسم اختياراتها. ومع الوصول إلى إعلان جائزة “السعفة الذهبية”، أمكن تخمين كيف سارت الأمور والتداولات بين أعضاء لجنة التحكيم للخروج بأفضل توليفة ممكنة من الجوائز، تضع الاجتماعي والسياسي والإنساني في المقام الأول، من دون التخلي كثيرًا عن الاعتبارات الفنية والجمالية. ورغم أن المُنافسة لم تكن هينة كثيرًا، وكان من الصعب فعلًا حسم أكثر من جائزة، إلا أن توقعات النقاد وتخميناتهم وترشيحاتهم للأفلام لم تبتعد كثيرًا عن قرارات اللجنة. وإن ظلت هناك بعض الأفلام، وكذلك الممثلين والممثلات، المستحقين لجوائز لم يصادفهم التوفيق في نيلها. لكن تلك طبيعة المنافسة، ويستحيل دائمًا إرضاء الجميع. لذا، إجمالًا، ورغم ما سبق، يمكن التأكيد على أن توزيع الجوائز كان غاية في التوفيق والإرضاء، ومن الصعب جدًا الاعتراض أو انتقاد أي جائزة منها.
توزيع الجوائز
ذهبت أهم وأرفع جوائز المهرجان، “السعفة الذهبية“، إلى فيلم “فيورد” للمخرج الروماني كريستيان مونجيو. منذ عرضه الأول، تصدر الفيلم سريعًا ترشيحات النقاد كأبرز الأفلام المستحقة فعلًا للمنافسة على “السعفة الذهبية” تحديدًا. وذلك لكونه مسَّ الجميع، من دون استثناء، نظرًا لطبيعة موضوعه، المتسم بالقوة والإثارة، واستعراض الظلم الواقع على تلك العائلة النرويجية الرومانية، المنتقلة حديثًا للعيش في النرويج، وبسبب بعض التخمين، أو الاشتباه في المعاملة السيئة للأولاد، يحرم الأبوان من أولادهم الخمسة، حتى الطفل الرضيع. ويضطران لخوض نضال طويل ضد القوانين والعادات الديمقراطية المزعومة في مجتمع علماني بحت لا يتفهم طبيعة الوافدين عليه. وقد فاز الفيلم أيضًا بجائرة “الاتحاد الدولي لنقاد السينما” (الفيبريسكي).

أما “الجائزة الكبرى” فنالها المخرج الروسي أندريه زڤياجنيتسيف عن فيلمه “ميناتور”. وفيه يعود المخرج بعد صراع طويل ومرير مع مرض الكوفيد الذي كاد يفتك بحياته تمامًا، ليمارس هوايته الفنية الجمالية الراقية نفسها في مزج العام بالخاص، وفضح هشاشة مجتمع وأفراد وسلوكيات، وتحديدًا في المجتمع الروسي. وذلك عبر عائلة روسية صغيرة ثرية تنسحب سلوكياتها على بلد بأكمله. إذ تحضر الخيانة الزوجية، وفساد مؤسسة الزواج، في قلب الفيلم، وتشتبكان مع ما يجري في المجتمع الروسي ودهاليز السياسة وفسادها.
التتويج بجائزة “أفضل سيناريو” كان من نصيب المخرج وكاتب السيناريو الفرنسي إيمانويل مار عن فيلمه القوي للغاية “خلاصنا”، أو “رجل عصره”. وذلك رغم كونه العمل الثاني للمخرج، الذي دخل به مباشرة كي ينافس عمالقة كانّ، واستطاع عبر أداء مبهر للممثل الفرنسي سوان أرلو ـ المستحق لجائزة تمثيل عن هذا الدور ـ تقديم فترة عادة ما لا تذكر كثيرًا في سياق السينما الفرنسية، وتحديدًا فترة حكومة فيشي، التي تعاونت مع النازية وخضعت لها، وذلك من خلال شخصية موظف بيروقراطي في جهاز الدولة.
أما جائزة “أحسن إخراج” فذهبت مناصفة إلى المخرجين الإسبانيين خافيير كالفو، وخافيير أمبروسي، عن فيلمهما الرائع الأول معًا: “الكرة السوداء”، أو “لا بولا نيجرا”. والمتناول لأكثر من حقبة تاريخية في إسبانيا، العشرينيات والثلاثينيات والزمن المعاصر، من خلال شخصية حفيد يبحث عن قصة جده المثلي المقاتل في صفوف الفاشيين، واتخاذ مسرحية “الكرة السوداء” غير المكتملة والمفقودة، لغارثيا لوركا، كخيط ضمن هذا البحث. كما ذهبت جائزة “أحسن إخراج”، أيضًا، إلى المخرج البولندي باڤو باڤليكوڤسكي عن فيلمه “الوطن”. منذ عرضه في الأيام الأولى والترشيحات تضعه في الصدارة، نظرًا لقوته وتكثيفه وأهميته، وكونه معبرًا بقوة عن أسلوب المخرج وفكره. يتناول الفيلم لمحة من حياة الأديب الألماني الأشهر توماس مان، العائد إلى ألمانيا المنهارة والمقسمة بين روسيا وأميركا في عام 1949، حيث يتم الاحتفاء بقدومه لزيارة بلده بعد عقد ونصف العقد على تركه. قدوم مان مع ابنته وسكرتيرته يفضح الكثير، ليس فقط عن انهيار وتمزق بلد، بل أيضًا أسرة الكاتب الكبير.
ذهبت “جائزة لجنة التحكيم” إلى المخرجة الألمانية فاليسكا جرايسباخ عن فيلمها الرائع “المغامرة المنشودة”، أو “المغامرة التي طالما حلمنا بها”. وتدور الأحداث حول فاليسكا، عالمة الحفريات والآثار في موقع على الحدود البلغارية التركية، والتي تتورط في صفقة لمساعدة أحد معارفها القدامى الذي تلتقيه صدفه، ليعيدها إلى الماضي ومواجهة عالم غريب عليها عبر انخراطها في مغامرته الخطرة. المثير أن الفيلم رغم مستواه الفني الرفيع، والمعروض في آخر أيام العروض الرسمية، لم يحظ بمشاهدات كافية، وكان خارج التوقعات إلى حد بعيد.

أما جائزة “أحسن مُمثلة” فذهبت مناصفة إلى الممثلتين الرائعتين فيرجيني إيفيرا، واليابانية تاو أوكاماتو، وذلك عن دوريهما في فيلم “فجأة” للمخرج الياباني ريوسوكي هاماجوتشي. ورغم الانقسام النقدي القليل بشأن العمل، إلا أن أغلب الآراء كانت إيجابية جدًا، إجمالًا. وفيه، نحن في قلب دار باريسية لرعاية المسنين. تدريجيًا، تنشأ بالصدفة علاقة بين مديرة المؤسسة الفرنسية ماري لو (إيفيرا)، ومخرجة مسرحية يابانية تعاني من السرطان ماري موريساكي (تاو أوكاموتو). اللقاء بين الثقافتين المختلفتين يكشف الكثير جدًا، وينسحب بالأساس على كيفية العناية بالمرضى والمُسنين، واستبدال النهج القديم الصارم بآخر يطرح نموذجًا قائمًا على القرب الإنساني واللمس والإنصات.
جائزة “أحسن مُمثل” كانت من نصيب الممثلين البلجيكيين الشابين، غير المعروفين تقريبًا، إيمانويل ماكييا، وفالانتين كامبين، وذلك عن دوريهما في فيلم “جبان” للمخرج البلجيكي لوكاس دونت. تدور الأحداث على الجبهة، خلال الحرب العالمية الأولى، ومن خلال أداء جيد، ليس قويًا في فيلم لم يأت بجديد إلى حد بعيد، نتعرف على العلاقة التي تنشأ تدريجيًا بين الجنديين، القروي المزارع بيير (إيمانويل ماكييا)، والخياط فرانسيز (فالانتين كامبين)، الذي يؤدي فقرات ترفيهية راقصة للجنود على الجبهة، وللمصابين في المستشفيات.
فيلمان عربيان في قسم “نظرة ما”
في قسم “نظرة ما”، التالي في الأهمية بعد “المُسابقة الرئيسية”، والمُحتضن للتجارب الأولى والثانية للمُخرجين والمُخرجات، وتحظى جوائزه باهتمام كبير، منحت لجنة التحكيم التي ترأستها الممثلة الفرنسية الجزائرية ليلى بختي، “الجائزة الكبرى” للفيلم الألماني “في كل مرة” للمخرجة ساندرا فولنير. وهو فيلم مأساوي، لكنه شديد العذوبة والرقة والفنية، يتناول قصة مأساة أم وابنة وصبي مراهق، تربط بينهم الأقدار بعد فقدان الأم لابنتها الكبرى. يكافح الثلاثي مع اللوم والتأنيب والمغفرة، ويقومون برحلة إلى تينيريفي لقضاء عطلة عائلية، حيث يتداخل في نهايتها الماضي والحاضر بطريقة مشوقة ومثيرة للغاية.
يذكر أنه عرض ضمن القسم نفسه، ونافس على جائزة “الكاميرا الذهبية”، الفيلم العربي “البارح العين ما نامت” للمخرج الفلسطيني اللبناني راكان مياسي. وهو فيلم شديد الفنية والقوة، ويتسم بصدق كبير في تناوله لموضوع العادات والتقاليد البالية، الحاكمة لمجموعة من القبائل البدوية اللبنانية في سهل البقاع. حيث تصارع شقيقتان للهرب من مصيرهما المظلم الذي يقرره شيوخ القبائل بعدما صدم شقيقهما أحد أبناء قبيلة أخرى.
من ناحية أخرى، نافس الفيلم المغربي “توت الأرض” للمخرجة ليلى مراكشي على جوائز القسم، لكن جديد المخرجة، وهو الروائي الثالث لها، لم يلفت الانتباه بالمرة، بالرغم من وجاهة الموضوع المطروح. لكن الأفلام الجيدة لا تقوم فقط على حسن النوايا ومأساوية القضايا المطروحة فقط. وفي هذا الإطار يحضر مجددًا فيلم “فيورد” الفائز بجائزة “السعفة الذهبية” للروماني كريستيان مونجيو، الذي أجاد تقديم قضية إنسانية، من دون الاستناد إلى عدالة القضية وقوتها وأهميتها فحسب. وقد تناولت المخرجة شروط العمل اللاإنساني الذي تتعرض له النساء المغربيات العاملات في حقول الفراولة في إسبانيا. ومع هذا، يحسب لها إدانتها لسلوك الشرطة الإسبانية المتواطئة، التي تسعى لاستغلال هشاشة أوضاع الضحايا من النساء البسيطات من أجل إغلاق القضية.