كان – محمد هاشم عبد السلام

يُعدّ الحب، بعيداً عن الرغبة الجسدية أو الميل الجنسي، من التيمات اللافت تكرارها وتنوّع الاشتغال عليها في أكثر من فيلم معروض في مسابقة الدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان “كانّ”. ففي “يوميات ناغي” للياباني كوجي فوكادا، و”حياة امرأة” للفرنسية شارلين بورجوا ـ تاكي، يُتّخذ الحب المغاير (المثلي) وسيلة لا غرضاً بحدّ ذاته، بهدف محاولات متباينة وصادقة لاستكشاف الذات والهوية والتوجّه والمستقبل والماضي.

في “يوميات ناغي”، هناك دراما إنسانية ترصد علاقات حب في الماضي، تُستعاد بصفتها ذكريات، في محاولة لفهم دوافعها وطبيعتها. كما تتشكّل علاقة أخرى راهنة، رغم اختلاف الأجيال والزمن والجنس، وإن ظلّ الحب المُغاير، وطبيعته المرتبكة، ومصيره غير المحسوم، جوهرها، ماضياً وحاضراً: النحاتة يوريكو (تاكاكو ماتسو) تلتقي مُجدّداً يوري (شيزوكا إشيباشي)، المعمارية الأرملة، شقيقة زوجها الراحل، التي تزورها في ناغي، بلدة صغيرة ريفية جبلية. من هذا اللقاء، تستعاد الذكريات تدريجياً، وتتحوّل إلى كشف عاطفي ونفسي صريح وعميق بين المرأتين.

من ناحية أخرى، تنشأ علاقة بين مُراهِقَين جارين لهما، يشعران بانجذاب أحدهما إلى الآخر، ويقرّران الفرار إلى طوكيو، وتكليل العلاقة بالزواج. لذا، يقترضان المال من يوريكو، التي تتفهم علاقتهما، رغم توضيحها طبيعة الانجراف خلف العواطف، والفرق الشاسع بين الحياة والارتباط ومسؤولية الزواج.

درامياً، يبدو الفيلم بسيطاً جداً، إيقاعاً وشخصيات وأحداثاً تُبنى على لقاء بعد انفصال، يثير الكثير عن الحب والجمال والفن والذاكرة، وعن علاقات الارتباط والانفصال بين البشر. ببطء، يتصاعد التوتر، من دون أن يحدث الكثير خارجياً، باستثناء هروب بعض الأبقار من المزرعة، أو هبوب عواصف وأمطار، أو حلول الربيع، وتكرار الحديث عن القاعدة العسكرية القريبة، والتدريبات الحربية المتكرّرة. داخلياً، في حضرة الصمت والكلام غير المباشر والنظرات المشحونة وتراكم المشاعر، تُستدعى ذكريات غير محسومة، وصولاً إلى مصارحات هادئة، تكشف بعض ما كان مخفياً. يزيد من هذا طبيعة المكان الذي يعمل ليس بصفته خلفية فقط، بل أيضاً بصفته مساحة للعزلة والتأمل، وإعادة نحت وتشكيل الشخصيات والذكريات والأحداث، على غرار ما تفعله يوريكو بمنحوتاتها.

أسلوبياً، إلى جانب طريقته المعروفة في الاشتغال السينمائي المتقشّف في كل شيء تقريباً، يستدعي فوكادا تقاليد المدرسة اليابانية، ليس الحديثة فقط، مع هاماغوتشي وكوري ـ إيدا مثلاً، بل ياسوجيرو أوزو تحديداً، برصده اليومي والأُسَري، والإيقاع الهادئ البطيء، والحوارات التي تبدو عادية، واختياراته التصويرية. فالكاميرا ثابتة غالباً، والزاوية مفتوحة لرصد الشخصيات، باستثناء حضور لقطات مُقرّبة تحاشها أوزو دائماً. كما أن الغموض الأخلاقي، أو ما يطلق عليه عند أوزو جماليات عدم التحديد الأخلاقي، بارزة هنا، إذ لا يوجد مخطئ واضح، ولا أحكام أو اتهامات أو إدانات.

رغم جودته وطبيعة حبكته الجريئة للغاية في سياق السينما اليابانية، التي تندر موضوعات كهذه فيها، والتعامل العادي معها من مجتمع محافظ في بيته، يبقى “يوميات ناغي” (إنه أول مشاركة لمخرجه في مسابقة السعفة الذهبية) غير مُقنع قليلاً، رغم صدقه وجديته وإخراجه الفني المميز.

في “حياة امرأة” (المشاركة الأولى لبورجوا ـ تاكي في مسابقة “كانّ” أيضاً)، رصدٌ لعلاقة انجذاب عاطفي، آيلة إلى الفشل لكونها محكومة بالإخفاق منذ البداية. ومع أنّ جديدها يبتعد كثيراً عن خفّة العمل الأول، إلى دراما نفسية أنضج وأكثر إقناعاً وكثافة، وحرفية إخراجية في رصد الإرهاق النفسي والعاطفي، ونسيان الذات لفرط الانهماك في الوظيفي واليومي؛ رغم هذا، لا تُقدِّم الحبكة إجمالاً أي جديد.

عكس أناييس المُتقلّبة، بطلة Les Amours D’Anais، الفيلم الأول (2021) لبورجوا ـ تاكي، تظهر غابرييل (ليا دروكر، أداء مُقنع في مشاهد كثيرة)، الجَرَّاحة الناضجة في الخمسينيات من عمرها، متّزنة للغاية، وذات شخصية قوية وصارمة وحادة، وتعرف ما تريده، وتكرّس حياتها بالكامل للعمل في المستشفى وقيادة فريقها والاضطلاع بالمسؤوليات الأسرية لأولاد زوجها، والاهتمام بوالدتها المُصابة بألزهايمر. هذا كله جعلها تضع نفسها في المرتبة الثانية، سنوات طويلة.

تتبدّل الأحداث، بعد مقاومة ورفض وصدّ، مع دخول الكاتبة فريدا (ميلاني تيري) إلى حياتها، وتقرّبها منها بذريعة مشروع رواية تعمل عليها. تستسلم غابرييل سريعاً، ليس فقط بدافع الرغبة الجنسية أو تجربة المغاير، أو لفتور الحب بينها وبين زوجها الذي تعشقه، بل لأن العلاقة العابرة، رغم عمقها وصدقها، تجعلها تعيد النظر في كل شيء: الحب والرغبة والتقدّم في العمر، ومعنى الحياة بحدّ ذاتها.