محمد هاشم عبد السلام
لم يشهد عام 2025 فيلم رسوم متحركة جذب الانتباه بشدة، أو أثار دهشة أمام جديد قدَّمه، أو شكّل ظاهرة تجاوزت المعايير والتوقعات، كـ”طوفان (Flow)” لغينتس زيلبالوديس (2024)، أو “الصبي والبلشون (Le Garcon Et Le Heron)” لهاياو ميازاكي (2023).
اللافت للانتباه، عودة الصراع المعتاد بين عملاقة الإنتاج، إذ تنافس الثنائي “ديزني” ـ “بيكسار”، بفيلمي “إليو (Elio)” لمادلين شَرَفيان ودومي شي وأدريان مولينا، و”زوتوبيا 2 (Zootopia 2)” لجاريد بوش وبايرون هاورد، مع الثنائي “سوني” ـ “نتفليكس”، بـ”كي ـ بوب صائدات الشياطين (Kpop Demon Hunters)” لماجي كانج وكريس أبيلهانز، الفائز بجائزتي “جولدن جلوب” (2026) أفضل فيلم وأفضل أغنية أصلية.
هذا يطرح تساؤلات عن سطوة هذه الشركات ونفوذها وترويجها، وعما تقدّمه من محتوى، خاصة مع فيلمين لافتين جمالياً وفكرياً: “أركو (Arco)” لأيجو بيانفونو، و”أمِلِي الصغيرة أو حرف المطر (Little Amelie Or The Character Of Rain)” لمايليس فالاد وليان ـ تشو هان.
تؤكّد المنافسة أن هناك صعوبة تواجهها الاستديوهات الناشئة والمستقلة، وأن التجربة المدهشة لـ”طوفان”، المكتسح كل المستويات، يصعب تكرارها في مدى طويل، وأن العام الذي يمضي بلا عمل واحد، على الأقل، لـ”استوديو جيبلي” الياباني، ينقصه الكثير، رغم أن أفلاماً بارزة في 2025 اعتمدت حبكاتها على أجواء آسيا وتراثها، خاصة اليابان وكوريا.

يمكن القول إن “أركو” أثقل فكراً وعمقاً، و”أمِلِي” أصدق وأقوى عاطفة، و”زوتوبيا 2″ أذكى سياسياً واجتماعياً، و”إليو” أكثر غوصاً في تعقيدات العلاقات الإنسانية لطفل، و“كي ـ بوب” الابن الشرعي لإيقاع عصر لاهث بامتياز.
تطرح الأفلام أسئلة: كيف نعيش في عالم لا يشبهنا؟ أيمكن للإنسان النجاة من الزمن؟ كيف التغلّب على الوحدة؟ كيف العيش في عالم لا يشبهنا، أو غير راضين به، أو غير منسجمين معه، من دون فقدان أنفسنا؟ أسئلة أخرى تتعلق بالانتماء إلى كوكبنا ـ عالمنا، والأرض، وبعلاقات بعضنا ببعض، وبالواقع والعصر، وبالسياسة، وبالذات وتعقيداتها. هذه الأسئلة والأحداث والتعقيدات مطروحة عبر أطفال (أمِلِي وإليو)، أو مراهقين (أركو وكي ـ بوب)، أو حيوانات (زوتوبيا 2).
يتوفر “إليو” على بعض بهجة ومتعة وضحك، وألق زاهٍ للألوان. بينما يستحضر “أمِلِي” أجواء اليابان، الهادئة والتأملية، وطبيعتها الساحرة، برسومات يدوية منفّذة ببراعة. كما يُستكشف فيه العالم الحميمي للطفولة بعمق كبير. هناك استمتاع بالرحلة البسيطة لإليو إلى الفضاء الخارجي، ممثّلاً كوكب الأرض، بعد اختطافه والذهاب به إلى مجرة غريبة ذات مخلوقات عجيبة، ليتعلم كيف يثق بنفسه، ويجد صوته وذاته، وما افتقده على الأرض.
في “أمِلي”، المقتبس من رواية Métaphysique des tubes، السيرة الذاتية (2000) للأديبة البلجيكية أميلي نوتومب، هناك دفقة شعورية فريدة في القصة الرقيقة المؤثّرة، والخلّابة بصرياً، عن قوة التواصل الإنساني والتسامح.في ما يخص أمِلِي الفرنسية، العالم الياباني حولها جمالٌ هادئ ومسالم، وإن انطوى على بعض غموض وحيرة، خاصة عبر جارتها المتجهّمة والعدوانية. تنشأ بينها وبين مدبرة المنزل اليابانية علاقة وثيقة، وتكتشف ما يكمن خلف تصرفات الجارة، المتأثرة بما حدث في اليابان، بعد الحرب العالمية الثانية.
ينقل “أمِلِي” رسالته بأسلوب شاعري هامس، وألوان ناعمة، وإضاءة طبيعية، مركّزاً على التفاصيل الصغيرة، والتعبير البصري ـ العاطفي، مقارنة بالحوار. لذا، يتناقض قليلاً مع “إليو”، بتقديمه الشخصية، عاشقة الفضاء وصاحبة الخيال الواسع والطاقة والعنفوان، اعتماداً على الحوار، وغياب التفاصيل الدقيقة، وإن عَوَّضَ هذا البذخ اللوني، والتفنّن في إبداع كائنات ومواقف وأحداث غريبة وطريفة. اشترك الفيلمان في غياب شبه تام للصراع التقليدي، وتوفر البناء الكلاسيكي، ورسم شخصيات واضحة، وسياق سلس يخدم وضوح القصة.

بهذا، يتناقض الفيلمان مع “أركو”، المتّسم بتجريد وتجريب تأملي قليلاً، والمعتمد على اقتصاد بصري، وألوان باردة ومحدودة، وأحداث محسوبة: الصبي أركو جاء خطأً من مستقبل بعيد، يسوده السلام، إلى الأرض، عام 2075، ليكوّن صداقة مع الصبية آيريس، التي تساعده. يتناول الفيلم الصداقة والزمن، وتأثير التكنولوجيا على المشاعر الإنسانية، بأسلوب تأملي صادق، وإن لم يأت بمغاير في صميمه.

في “زوتوبيا 2” (الأول مُنتج عام 2016) نقد اجتماعي ـ سياسي حاد ومباشر، عبر مدينة حيوانات، تحيل إلى مجتمعات البشر. يجد الشرطيان، جودي (أرنبة) ونِكْ (ثعلب)، نفسيهما إزاء لغز في زوتوبيا، يقلب مدينة الحيوانات كلّياً. هذا الجزء يتساءل: أهناك إمكانية تعايش في ظل نظام غير عادل؟ لاحقاً، تصبح المدينة منظمة بدقة، حيث يعكس كل حيّ منطقه الخاص وطبقته ووظيفته، حتى بصرياً، في خضم نظام عقلاني أنيق، يخفي عنفاً هيكلياً كامناً، ما يقرّبه إلى السينما السياسية، الممتعة والمشوّقة ظاهرياً، بينما تكشف بنيتها، متعدّدة الطبقات، عبثاً اجتماعياً وسياسياً، لا يقل قسوة عن واقعنا.
في “كي ـ بوب”، يتجلى صراع الهوية وازدواجية العالم، المُقدّمان عبر مسرح استعراضي غنائي لامع وصاخب وراقص وساخن، مع بطلاته الشابات رومي وميرا وزوي، نجمات الكي ـ بوب (نوع موسيقي كوري جنوبي، يجمع بوب وهيب هوب وروك وإلكترو)، مقابل جحيم مخفي وراء الظاهر اللامع. والحضور الغنائي الجاذب لملايين المعجبين، مع تشخيص وفضح دقيق لهذا العصر، والتساؤل عما إذا كانت الهوية سلعة أم سلاح مقاومة. في الأحداث، صراع دائم، فالفتيات صائدات شياطين سرّياً، بهدف حماية معجبين بهن من أي تهديد. الآن، بات الصراع مع فرقة فتيان منافسة من الشياطين المتخفية.

يتّسم “كي ـ بوب” بأسلوب هجين ما بعد حداثي. مزيج أنيمايشن سريع وصاخب بكليبات موسيقية، مع أجواء قريبة من ثقافة بوب، ومونتاج سريع جداً، وقفزات بصرية متعمّدة، وكسر الاستمرارية أحياناً. إنه مغاير، بصرياً وتنفيذياً وجمالياً، للأفلام كلّها السابقة عليه. ربما لأنه يشبه العصر، أثار هذا الاهتمام المُبالغ به.