محمد هاشم عبد السلام
تلتقي ثلاثة أفلام روائية طويلة، عُرضت مؤخرًا في “مُسابقة” الدورة الأخيرة الـ76 لـ”مهرجان برلين السينمائي الدولي” (12 – 22 فبراير/ شباط 2026)، هي “جوزفين” للمخرجة بيث دي أوراوجو، و”نينا روزا” للمخرجة جينيفيف دولود دي سيل، و”ذباب” للمخرج فيرناندو إيمبكي، في رصدها للأحداث بأعين أطفال. صحيح أن الفكرة جرى تناولها من زوايا مختلفة في الأفلام الثلاثة. لكن، في النهاية، الطفولة حاضرة في قلب الدراما، وهي المحرك الرئيسي للأحداث، والخيوط الفرعية، وبعض الفرعيات. وذلك، رغم اختلاف تفاصيل الحبكات والشخصيات والجغرافيا واللغة، وحتى بيئة وزمن كل فيلم. أيضًا، اختلاف البُنى الهيكلية، والاشتغال البصري، وطبيعة الألوان، وغيرها من جماليات، تباينت على نحو ملحوظ، وفقًا لأسلوب وبصمة كل مخرج.
عكس المعتاد… الأطفال يُبَصِّرون الكبار
تنطلق الأفلام من تيمة تقدم عوالم الكبار أو الناضجين، ومشاكلهم، عبر أعين ثلاثة أطفال، في نفس المرحلة العمرية تقريبًا، أقل من عشر سنوات. ومن ثم، تتفق الحبكات الثلاث، ولو ضمنيًا، على أن الطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية منقوصة أو قاصرة، بل تتوفر على رؤية وعمق، وتتمتع بمنظور سليم في الغالب. صحيح أنه يقوم في أحيان كثيرة على العفوية والبراءة والاندفاع الفطري، لكن هذا يتيح في أحيان كثيرة قراءة وتفكيك وتشكيل الواقع بقدر من النضج. ما يؤدي في النهاية إلى تبصير الكبار أو الناضجين بما يعجزون عن رؤيته.

اللافت في هذه الأفلام، ابتعاد تيمتها عن المعتاد والمطروق فيما يخص تناول عوالم الصغار أو الطفولة عمومًا. إذ المعتاد، غالبًا، تناول تورط الكبار في عالم الصغار. ومحاولة الكبار دائمًا التقرب من هذا العالم، وتفهمه، أو الانخراط في معالجة مشاكله وتبعاته. لكن، في الأفلام الثلاثة هذه، تنقلب الآية إلى حد كبير تمامًا. إذ يتورط الصغار، بدون قصد، في عوالم الكبار. ومن ثم يتعين عليهم الخوض، مرغمين، في عوالم الكبار، والتعرض للمشاكل أو حتى مواجهتها. وأخيرًا، تجاوزها أو تناسي آثارها المؤذية، وما راكمته من خبرات قاسية، لربما يتسنى لهم العيش كأسوياء في المستقبل. دراميًا، ورغم اختلاف الحبكات كلية، إلا أننا نجد أن الأحداث الأساسية أو الكبرى أو المُسببات في الأفلام الثلاثة تنزاح إلى الأطراف، بينما في القلب، وعلى امتداد السرد، نرصد ونعيش ونختبر التبعات والآثار النفسية وتراكماتها، أكثر من أي شيء آخر. أيضًا، ثمة ما يشبه الاتفاق تقريبًا فيما يتعلق بخاتمة الأفلام، إذ، في النهاية، تبقى الأمور مفتوحة وغير محسومة، فالأسئلة المطروحة تظل معلقة، والتغيير الحاصل سطحي، وجزئي، وآني.
“جوزفين”… مقابل العنف
في الروائي الطويل الثاني، “جوزفين”، للمخرجة البرازيلية الأميركية بيث دي أوراوجو، الحاصل على جائزتي “لجنة التحكيم الكبرى” و”الجمهور” في الدورة الأخيرة الـ42 لمهرجان “صندانس السينمائي الدولي”، قبل مشاركته في البرليناله، تقترب المخرجة بحذر وجرأة، في نفس الوقت، لترصد الحالة النفسية والشعورية لطفلة في الثامنة من عمرها، جوزفين (ماسون ريفيز)، بعد مرورها بتجربة مفاجئة، عنيفة وقاسية، تزلزل عالمها، رغم أنها ليست مدركة لأبعادها تمامًا، ولا واعية بتفاصيلها. المثير للانتباه أكثر أن الصدمة لا تتوقف عند مجرد رؤية جوزفين لبشاعة ما حدث، بل تمتد لصدمات أخرى ناجمة عن تورطها في ضرورة التصرف كبالغة ناضجة، واضطرارها للتعاون مع الكبار، وشرح وتفسير ما جرى، ووصولًا للإدلاء بشهادتها. ذات صباح هادئ، تشهد جوزفين أثناء التريض في الحديقة صحبة والدها، تَعَرُّض امرأة لواقعة اغتصاب عنيفة. تقف الطفلة في ذهول وعجز كاملين تشهد ما يجري في صمت، بدون استيعاب ما يجري، أو القدرة على التصرف. من خلال عينيها، نعيش معها الصدمة لدقائق بدت أبدية. رغم أن المخرجة عرضتها في لقطات بعيدة، ولم تشأ، في خيار فني جريء، الاكتفاء برصد ردة فعل الطفلة والإيحاء بما حدث. وذلك للتأكيد على أنها لم تصرخ أو تهرب أو تبكي. وأن البرود والتجمد كانا سيدا الموقف، في ضوء حداثة سنها.

انطلاقًا من رؤية جوزفين هذه تدخلنا المخرجة إلى عالمها، ونقف على ردة فعلها إزاء ما جرى، وليس ردود أفعال الكبار أو ما يرونه. تعمدت المخرجة في السيناريو الذي كتبته بنفسها اللجوء إلى البناء التقليدي والسرد الخطي للأحداث، بغرض التركيز أكثر على نقل إحساس الطفلة، ورصد ردود أفعالها الشعورية والنفسية والإدراكية إزاء تجربة تجهل تمامًا ماهيتها، ومسببات تصرفات الكبار من حولها، خاصة الوالدين، والشرطة، والتحقيقات، والمحكمة، والقضاة… إلخ. الأمر الذي يدفعها ذات يوم، مثلًا، في مشهد غاية في القوة والصدمة، للاندفاع إلى سرير والديها، والاعتداء على والدها ظنًا منها أنه كان يغتصب والدتها. من خلال جوزفين، لا تتوقف المخرجة عند التشريح النفسي ورصد تبعات الصدمة، بل توجه الانتقاد لعجز وبرود، وحتى أذية كيانات راسخة، مثل الشرطة والقضاء والأسرة، المرادفات الكبرى للمجتمع وسلطته. وكيف أن ما تسببوا فيه زاد أو راكم صدمات أخرى، بدلًا من أن يحتوي ويساعد ويعالج طفلة كي تتجاوز صدمتها. وعليه، من خلال تجربة جوزفين المريرة، يفطن الكبار إلى أن ثمة ضرورة ملحة لإعادة النظر في المؤسسات أو الأنظمة القائمة والبنى الحامية، وطرق التعامل مع مثل هذه الحالات المفاجئة، كي لا يُترك الضحايا، لا سيما الأطفال، في مواجهة عالم غير مستقر، بدون دعم حقيقي، وإن كان الفيلم يلقي بظلال شك حول أي تغيير منتظر أو حتى دعم مُغاير.
“نينا روزا”… الفن مقابل الهوية
في “نينا روزا” للمخرجة الكندية جينيفيف دولود دي سيل، الحاصل على جائزة “الدب الفضي لأفضل سيناريو”، تتعمد المخرجة أيضًا التركيز أو حتى الرهان على التدفق الشعوري، والرصد المرهف لأحاسيس الشخصيات والأحداث، بتفاصيلها الدقيقة، عوضًا عن السرد الجاف المباشر. وفي حين كنا في “جوزفين” بصدد بطلة بمفردها، يدور الكل في فلكها، نجدنا في “نينا روزا” إزاء ما يمكن أن نطلق عليه قطبين أو بطلين للفيلم. الصبية الموهوبة فنيًا نينا (صوفيا ستانينا)، والفنان والمُقَيِّمُ والخبير الفني ميخائيل (جالين ستويف). وفي حين كانت الصدمة وغموض ملابساتها وتبعاتها هي محور الحبكة وخيوطها الفرعية في “جوزفين”، نجد أن التأمل المعقد في موضوعات الهوية والغربة واللغة، وارتباطها بالفن وعوالمه والأبوة والأسرة، من بين أهم ما تطرحه حبكة “نينا روزا”.

لا تسرد المخرجة حبكة فيلمها بطريقة تقليدية خطية، صحيح أنها تقدم لنا الأحداث من خلال رؤية ميخائيل بالأساس، لكنها تتنقل بين الحاضر الآني، والماضي المستعاد، والذكريات، والمشاهد شبه المتخيلة، والصور المشوشة، وغيرها. ومن ثم، تتداخل الأزمنة وتحضر الفجوات، وتكثر اللحظات الملتبسة، المفهومة لاحقًا، وإن بشكل غامض. وذلك في تأكيد على أن الحبكة والأحداث لا تنفصل عن الحالة النفسية للشخصية الرئيسية تحديدًا، أو الشخصيات الثانوية. بما في ذلك شخصية غير محورية كثيرًا، وإن كانت مؤثرة في حياة ميخائيل، ابنته روزا (ميشيل تزونتشيف)، وشعوره العميق تجاهها بالفشل كأب. ينطلق الفيلم من استعراض لوحات الطفلة البلغارية الموهوبة نينا، التي تحوم الشكوك حول كونها الرسامة الحقيقية لها، أو أن ثمة من يساعدها في الرسم، والديها مثلًا، نظرًا لما عليه الأعمال من نضج وعبقرية. وبناءً على هذا، ولكونه بلغاري الأصل، يُطلب من الفنان والقَيِّمُ والخبير الفني ميخائيل التوجه إلى بلغاريا، والتحقق من حقيقة موهبة نينا ولوحاتها. لكن، سرعان ما تتحول رحلة العمل هذه إلى مواجهة داخلية مع الماضي والوطن واللغة، في مقابل تجربة الغربة والهجرة والقطيعة مع الماضي والعيش في كندا. وبالتبعية، حضور قضايا وجودية، مثل الهوية والجذور والانتماء. في المقابل، لا يعد وجود شخصية نينا مجرد ذريعة لعودة ميخائيل إلى بلده. صحيح أنها كذلك جزئيًا، غير أن وجودها يطرح بالأساس مجموعة من الرؤى والقضايا الزاخرة بأسئلة عويصة متعلقة بالفن تحديدًا. سيما حول علاقة الإبداع والموهبة الفنية والأصالة والاقتران بعوالم أسواق الفن والمعارض والأموال الطائلة. ما يقود إلى تساؤلات حول تسليع الفن والفنان، والموهبة في مقابل الاستهلاك وقيم السوق، من بين أسئلة أخرى. ولذا، لم يكن الأمر محض يأس أو تهور أو غضب من جانب ميخائيل عندما أعطى القداحة إلى نينا الغاضبة الساخطة، عندما وجدها بصدد الإقدام على إحراق لوحاتها، ورغم فزعه البالغ في البداية من تصرفها، بقدر كونه رغبة في الحفاظ على موهبة إبداعية ومستقبلها، ونقاء الفن عمومًا، وعدم ابتذاله أو تسليعه، قدر الإمكان.

ينجح السيناريو الذي كتبته المخرجة في خلق وتقديم وتبرير لعبة التناقضات أو التقابلات بين خيوط متعددة، كما بين الشخصيتين الرئيسيتين، نينا وميخائيل. مثلًا، براءة نينا في مقابل عطب ميخائيل داخليًا. موهبتها الفطرية في مقابل علاقته المشوهة بالفن. إرادتها وعزمها وحسمها وقوة شخصيتها، في مقابل عجزه وتشوشه وتردده ومخاوفه. وعليه، تتطور رحلة ميخائيل لاكتشاف علاقته بابنته، ونفسه والفن والغربة وشخصيته عمومًا من خلال السفر واحتكاكه المباشر بهذه الطفلة. ورغم هذا، نجده لا يحسم أمره، ولا يتخذ قرارًا نهائيًا بخصوص أي شيء. لا نينا ولا روزا ولا اللوحات ولا الفن ولا حياته، ولا حتى إن كانت ثمة عودة لمواصلة غربته أو البقاء في بلده.
“ذباب”… الروتين مقابل الموت
في “ذباب” للمكسيكي فيرناندو إيمبكي يتعمد المخرج، في تقديمه للأحداث، أيضًا مراكمة المشاعر المتولدة عن لحظات صغيرة، تتشكل ببطء لتُكَوِّن، في النهاية، لوحة تطرح إجمالًا مشكلات الوحدة، ومحاولة السيطرة على الحياة والأمور اليومية، والهشاشة الفردية، والحاجة إلى الآخر. وفوق هذا، الصعوبات المادية، التي تضطر المرء، في الغالب، إلى التعامل مع الآخر، والسماح له بتخطي ما كان محظورًا من قبل.

ظاهريًا، يبدو الفيلم غاية في البساطة، أو ربما حتى ينطوي على تكرار، أو إمكانية كبيرة للتنبؤ بمآلات الأحداث وتطورات وتصرفات الشخصيات، إلا أن قوته تكمن أصلًا في آلية تقديمه للحكاية، وشخصية الصبي الرائعة، وكيفية نسج ومراكمة التفاصيل، بدون السقوط في التكرار أو الميلودراما أو الابتزاز العاطفي. نتعرف في البداية على أولجا (تيريسيتا سانشيز) صاحبة الروتين الحياتي الصارم المنضبط، والتي يزعجها العالم من حولها، بما في ذلك وجود مجرد ذبابة في شقتها. الواضح أن هذا الروتين، المريح ظاهريًا، يقوم بالأساس أو يخفي تناقضات جوهرية، أقلها الفراغ والوحدة والهشاشة. والدليل أنه بمجرد تسلل عنصر، ولو صغير وضئيل، إلى داخل هذا الروتين المحكم، تسبب في تبديل عالم أولجا، وشحنه بطاقة مختلفة تبث فيه الحياة. لكن، يبقى التساؤل، هل انقلب عالمها فعلًا أم اختل توازنه لبعض الوقت فحسب؟ وهل أدركت على الأقل أن الذباب (الآخر) يستحيل التخلص منه؟ يتمثل هذا الذباب أو الآخر في صبي مُزعج، لفرط نشاطه وطاقته واندفاعه وفضوله، يدعى كريستيان (باستيان إسكوبار). رغم أن عفويته وبراءته وتصرفاته تعيد تشكيل عوالم المحيطين به، أو رؤية أولجا مثلًا لتفاصيل كثيرة نسيتها أو لم تكن تعيرها الانتباه المطلوب. في البداية تنزعج أولجا أشد الانزعاج عندما تعلم بوجود الطفل كريستيان فجأة في منزلها، بعدما اعتقدت أن والده استأجر الحجرة لنفسه فقط. وذلك بعدما أعلنت عن تأجير حجرة شاغرة في شقتها، تحت ضغط الحاجة الملحة إلى المال، ودفع بعض الفواتير. اكتشافها للخديعة جعلها تمهل الأب توليو (هوجو راميريز) بضعة أيام فقط لمغادرة المنزل. تحاول أولجا التعامل مع وجود الطفل كطارئ عارض في حياتها. تجاهد للحفاظ على كل شيء في مكانه الطبيعي، قدر الإمكان، عبر التسلح بسلوك بارد ومحتفظ وصارم. لكن، تدريجيًا، سرعان ما تقلق لغيابه ووحدته، في ظل ظروف العمل القاهر لوالده، فتتدخل لحمايته ورعايته. وتسمح له بتجاوز القواعد والحدود، لدرجة أنها تصبح بمثابة الأم له، في ظل غياب والدته المريضة على نحو خطير في أحد المستشفيات، بل ومساعدته على دخول المستشفى. وحتى مشاركته، جزئيًا، في هوسه باللعبة الإلكترونية التي يلعبها دائمًا، وصولًا إلى تقاسمهما في النهاية مشاعر وجودية قاسية ومريرة، قوامها الفراق والوداع والابتعاد.