محمد هاشم عبد السلام

شهدت فعاليات “مهرجان برلين السينمائي الدولي” في دورته الـ76، التي انعقدت في الفترة من 12 وحتى 22 فبراير/ شباط 2025، عرض 4 أفلام روائية طويلة، من تونس وفلسطين ومصر ولبنان. المُلاحظ أنه للعام الثاني على التوالي تُشارك نفس الدول تقريبًا، في أقسام ومسابقات المهرجان المختلفة، وبنفس الكم ذاته تقريبًا، ما يدل على أن عجلة الإنتاج السينمائي في العالم العربي برمته لا تزال تمضي من دون خطط واضحة، وأن الأمور، من عام لآخر، وليدة الصدفة والعشوائية ليس إلا.

كذلك، شَهِدَت المسابقة الرئيسية مشاركة عربية واحدة نافست على جوائز المسابقة. إذ نافس فيلم “بصوت هامس” أو “بيت الحس” للمخرجة التونسية ليلى بوزيد، ولم يفز في النهاية بأي جائزة تُذكر. ورغم أن فيلم “يونان” للسوري أمير فخر الدين، شارك في نفس المسابقة العام الماضي ولم يفز بأي جائزة أيضًا، فإنه لم يفشل في التأثير على الجمهور ولا في جذب اهتمام النقاد، بل وظل حتى اللحظات الأخيرة من بين الأفلام المرشحة لجوائز المسابقة، نظرًا لجودته وفنياته. في حين حدث العكس هذا العام مع الفيلم التونسي، إذ أجمع الكل، تقريبًا، على أنه كان من أضعف أفلام المسابقة. وعليه، لم يصمد الفيلم طويلًا في الذاكرة فور عرضه في الأيام الأولى للمهرجان.

مشاكل أزلية

المقارنة بين مشاركات الأفلام العربية هذا العام الماضي وهذا العام، أو حتى قبل أعوام خلت، سواء في البرليناله أو غيره من المهرجانات، تؤكد بما لا يدع مجالًا لأي شك، أن المشكلة الجوهرية فيما يخص ضعف أغلب الأفلام العربية، الروائية الطويلة تحديدًا، وإن شاركت وفازت بجوائز، هو نفس العيب الذي ذكرناه من قبل، ولا نزال نذكره ونؤكد عليه، والمتمثل في ضعف السيناريو. ونؤكد مجددًا، الضعف الفاضح للسيناريو. يليه مشاكل التمثيل، والأمر ليس منوطًا بفقر المواهب أو قلتها، بل بعيب رئيسي منتشر في المهنة، ومن بين مسببات ضعف الأفلام، وهو الغياب التام تقريبًا لوظيفة أو مهنة “الكاستنج”، أو الشخص المسؤول عن ترشيح واختيار وتسكين أو إسناد الممثلين في الأدوار المناسبة لهم.

أما ضعف أو حتى فشل المخرج أو المخرجة في توظيف موهبة الممثلين وقدراتهم – إن كانت لديهم قدرات وموهبة فعلًا – فيما يخدم العمل والشخصيات، والدراما إجمالًا، فتلك معضلة أخرى. أيضًا، ضبط الإيقاع، والاشتغال على الحوار، ونبرات الصوت، والأداء الحركي، والبعد عن الافتعال، والميلودرامية، والشخصيات الثانوية المكررة والمحفوظة والنمطية، من بين عوامل ضعف كثيرة تشترك فيها الأفلام العربية. ويسهل على أي ناقد أو متابع محترف رصدها والإشارة إليها، خاصة في الأفلام الفنية في السنوات الأخيرة، لكن الغالبية لا تشير إلى هذه العيوب مع الأسف، وتتجنب حتى مجرد الإتيان على ذكر كوارث تتضمنها بعض الأفلام.

“بيت الحس” يفتقر إلى الحس

رغم أنه الروائي الثالث للمخرجة التونسية ليلى بوزيد، وبعد فيلم جيد سابق بعنوان “مجنون فرح” (2021)، تجاوز عثرات فيلمها الأولى “على حِلة عيني” (2015)، لكن المخرجة تقع مجددًا أسيرة مشاكل عديدة تخص كتابتها للسيناريو ورسم شخصياته. ومن بين أبرزها في أفلام ليلى بوزيد افتتانها بفكرة اختراق وفضح المسكوت عنه، وما تحمله من دلالات تشجب وتدين عادات وسلوكيات ومجتمع، وتهاجم بالأساس سلطة دولة وقوانين ومؤسسات تنفيذية.

في جديدها “بيت الحس” تعود الشابة ليليا (آية بوترعة)، المقيمة في باريس، إلى سوسة لحضور جنازة خالها دالي (كريم رمادي) الذي عُثر عليه من الشرطة ذات ليلة، وقد فارق الحياة عاريًا. ملابسات الأمر لا تحيل إلى جريمة قتل بقدر الإحالة إلى ماضي دالي وسلوكه الذي تعرفه الأسرة، وتتكتم عليه، منذ عقود، لا سيما والدته وشقيقتيه.

يتناول الفيلم أيضًا قصة ليليا التي تعيش علاقة عاطفية مع شابة فرنسية (ماريون باربو)، لكنها تخفي هذا الجانب من حياتها عن والدتها بالأساس. بحثها عن الحقيقة المتعلقة بخالها يتحول تدريجيًا إلى مواجهة مع ازدواجيتها الخاصة. إذ تجد نفسها غير قادرة على تحمل الجهل بحقيقة خالها الراحل، بينما تمارس تجهيلًا متعمدًا، خشية الأسرة والمجتمع والقانون.

لقطة من فيلم “بيت الحس” للتونسية ليلى بوزيد.

في الفيلمين السابقين حضرت السياسة بشكل واهن يخص الربط بين السياسي والخاص. في جديدها، يطفح هذا الخيط بشكل خطابي مباشر وفج وغير فني، وربما حتى يثير الضحك لفرط سذاجته. وقد تجلى هذا مثلًا في مشهد مخفر الشرطة، والمواجهة بين ليليا والضابط، والإتيان على ذكر القانون رقم 230 الذي يُجرِّم المثلية، والذي يعود لعام 1913 وقت الانتداب الفرنسي.

من هنا، لا تحيد المخرجة كثيرًا عن انشغالها بالحصار المضروب حول الجسد والحب والرغبة والمغاير، والحق في الاختلاف وكسر التابوهات التي تصب كلها، في النهاية، بعيدًا عن الذاتي والشخصي الخاص. وتنشغل أكثر بجوانب أخرى، أبرزها السياسي، ثم الاجتماعي، ومنهما صوب العادات والتقاليد، التي تستحضر بالضرورة الديني أو العقائدي، المتداخل مع هذا الخليط كله.

كانت أمام المخرجة فرصة رائعة لتقديم دراما طازجة وصادقة وواقعية، لا تحيد كثيرًا عما تبغيه، لو كانت قد استغلت الخط الخاص بالعلاقة بين ليليا ووالدتها التي فوجئت بطبيعة ابنتها وميولها، والتركيز على صدمتها الأولى، ثم حيرتها، ومحاولتها التعامل مع الأمر، بعيدًا عن المعالجة السريعة والسطحية. أيضًا، الخط الخاص بمدى تقبل والدها، المنفصل عن والدتها، لميول ابنته وانفتاحه على الأمر، وثقة الابنة به، وإطلاعه هو على الأمر وليس والدتها. مثلًا، هذا الخط الدرامي المهم لم تقترب منه المخرجة بالمرة تقريبًا.

فيلم أول يتلافى عيوب الأفلام الأولى

في قسم “وجهات نظر” نافس الفيلم الروائي الفلسطيني “وقائع زمن الحصار”، وهو العمل الأول للمخرج عبد الله الخطيب، وحصل عنه المخرج الشاب على جائزة “أفضل فيلم روائي طويل أول”. وبهذا أصبح أول مخرج عربي يفوز بجائزة هذا القسم، المخصص للأفلام الروائية الأولى أو الثانية للمخرجين والمخرجات الشباب، والمُستحدث على يد المديرة الفنية للمهرجان، تريشيا تاتل، التي كانت في سبيلها إلى “الطرد”، وليس حتى الإقالة من منصبها بالمهرجان، بسبب حفل الختام وما قاله مخرج الفيلم أثناء تسلم جائزته، وصورتها مع طاقم الفيلم بعلم فلسطين. وبعيدًا عن الجائزة وتقييمها وحيثيات منحها، نجد أنه من المثير للانتباه جدًا أن فيلمًا أول وسيناريو لمخرج غير متمرس، يخطو خطواته الأولى، يُعدّ هو الأهم والأقوى والأكثر فنية وإحكامًا مقارنة ببقية الأفلام الروائية العربية المعروضة في المهرجان.

فريق عمل فيلم “وقائع زمن الحصار” مع تريشيا تاتل.

تدور أحداث الفيلم في قلب مخيم لاجئين فلسطينيين تحت الحصار، ومحاولة سكانه المعزولين عيش حياتهم بشكل طبيعي وإنساني في ظل الحصار المضروب حولهم. تستلهم الأحداث تجربة المخرج خلال حصار مخيم اليرموك، وذلك عبر 5 مقاطع أو قصص منفصلة، يجمع بينها كونها تتمحور حول الحصار، ويربط بينها شخصية تظهر أو يتم التحدث عنها، إلى أن يحدث وتجتمع الشخصيات، بمحض الصدفة، في أحد المستشفيات في المقطع الخامس. المثير أن طرح المخرج أو التقاطه لتفاصيل صغيرة، واقعية وصادقة وإنسانية، متعلقة بكيفية وآلية يوميات العيش في ظل الحصار، إلى جانب جودة أداء تمثيلي في بعض المقاطع، وإتقان تصوير وتقشف بصري، أنقذ المقاطع أو القصص من أن تسقط في فخ كونها مجرد اسكتشات، تخلو من الصراع والتطوّر الدرامي.

إجمالًا، نجد أن التركيبة الدرامية غير التقليدية تقريبًا، وانتفاء أدوار البطولة وتقديم نماذج عادية بسيطة، بضعفها وأنانيتها وبحثها عن اليومي في سبيل البقاء أو اغتنام اللحظة، أنقذت الفيلم إلى حد كبير من أن يكون محض خطاب سياسي مباشر، أو أن يكون الحصار مجرد صورة استهلاكية للألم، تعمل على ابتزاز المشاعر واستغلال المعاناة، وهنا تكمن قوته. أيضًا، يكمن الكثير من قوة الفيلم في كونه لا يشرح الحصار، بل يجعلنا نلمسه ونعيشه من خلال شخصيات تُدفع إلى اختيارات إنسانية وأخلاقية قاسية تحت ضغط الجوع والبرد والخوف والعزلة. في النهاية، ونظرًا لبنية هذا النوع من الأفلام، التي تفرض من داخلها هذه المقارنة فرضًا، فإنه من الطبيعي أن الفيلم المؤلف من خمس قصص من الصعب أن تكون كلها بنفس القوة أو على نفس المستوى، وأن يكون هناك الأفضل والأقوى، والأقل والأضعف. وما من شك في أن خاتمة الفيلم، أو القسم الخامس، عانى من هذه المشكلة بوضوح، مقارنة بغيره.

إحباط كبير يخالف التوقع

يمكن القول إن الحصار يجمع أيضًا بين فيلمي “وقائع زمن الحصار” و”خروج آمن” للمصري محمد حماد. إذ تناول الأول الحصار بوصفه حالة جماعية خارجية وعامة، بينما يتناوله الثاني على مستوى النفس الخانعة المستكينة، والجسد الضامر القابل بالانحصار والمحدودية في وظيفة أمنية غير ذات أهمية في مدخل بناية بائسة، وعلى مستوى الذاكرة المرتبطة بالماضي بكل ملابساته، والذكريات حبيسة الحادثة الإرهابية البشعة المستعصية على النسيان. تناول “خروج آمن”، المعروض في قسم “بانوراما”، والروائي الثاني لمخرجه، بعد فيلم أول واعد قبل عشر سنوات بعنوان “أخضر يابس”، قصة الشاب سمعان (مروان وليد، في أداء بارد آلي وميكانيكي، غير مقنع، بسبب الدور وسياق الفيلم وإيقاعه بالأساس) حارس الأمن الشاب الذي يصارع الصدمة النفسية الناجمة عن مقتل والده في أعمال عنف دينية وعرقية على أيدي الإرهابيين الدواعش في ليبيا قبل عقد مضى. ورغم قِدم الجريمة، إلا أن تداعياتها لا تزال مستمرة، تحاصر حاضر سمعان ومستقبله.

لقطة من فيلم “خروج آمن” للمصري محمد حماد.

ثمة وهم بإمكانية تحقيق خروج آمن، لكن الأمر في النهاية محض وهم بخروج آمن. ربما الخروج الآمن بعض الشيء الذي حققه سمعان، وإن لفترة وجيزة، كان من خلال علاقته بالفتاة المهمّشة، المريضة، التي بلا أوراق رسمية ولا مأوى، فاطمة (نهى فؤاد، في أداء جيد جدًا ومقنع وواقعي أضفى بعض الروح والمصداقية على الأحداث). صحيح أن الجميل في العلاقة أنها لم تتحول إلى حب تقليدي أو شهوة، بل تُركت بذكاء كمساحة هشة لتواصل إنساني لم يُفضِ في النهاية إلى خروج، بل العكس. وتلك من النقاط الجيدة التي تُحسب للمخرج في رؤيته العامة، إلا أن تفاصيل كتابته للعديد من المشاهد، وحتى طريقة تنفيذها، غير مقنعة بالمرة، ومفتعلة أيضًا، وغطّت بلا شك وعلى نحو بارز على مادة درامية ثرية، وعدة خيوط فرعية كان من الممكن استغلالها فعلًا لإبداع عمل جديد وجريء وفارق.

جديد غير جديد

في جديد المخرجة اللبنانية دانيال عربيد “لا ينتصر إلا الثوار” أو “لِمَن يجرؤ”، المعروض في القسم نفسه، نجدنا أيضًا إزاء حصار من نوع آخر، ليس مكانيًا أو جغرافيًا، ولا نفسيًا أو جسديًا، بل عاطفي واجتماعي بالأساس. يعيدنا الفيلم إلى علاقات الحب غير المقبولة أو المستهجنة أو التي تصل حد التحريم، وليس مجرد النبذ أو النفور والاستهجان، أو حتى مخالفة القانون، كما في فيلم “بيت الحس”. إذ يستعرض الفيلم تطور علاقة إعجاب، ثم حب، فزواج بين أرملة لبنانية فلسطينية، 65 عامًا، تقيم في بيروت، سوزان (هيام عباس)، وشاب أصغر حتى من أولادها. وفوق هذا، من اللاجئين المقيمين بشكل غير قانوني في بلد بات، لأسباب كثيرة وعديدة، يطفح بالكراهية تجاه كل شيء، بل وحتى بعنصرية سافرة، خاصة تجاه الآخر، ودون أدنى مواربة. وفي حالة يعتبرها الجميع شاذة مثل هذه العلاقة، يمارس الجميع أقسى درجات العنف اللفظي والتنمر والعنصرية. من هنا، يحضر الحب كفعل مقاومة، ومحاولة الإبقاء عليه وإدامته، كنوع من الصمود، سيما وإن كان في بلد ممزق ومنهار ومجتمع هش ومنقسم.

لقطة من فيلم “لا ينتصر إلا الثوار” للبنانية دانيال عربيد.

لم تحاول المخرجة تجاوز صميم الحبكة التقليدية المعروفة، التي جرى تقديمها كثيرًا، وكان أجملها على يد الألماني الراحل راينر فيرنر فاسبيندر في فيلم “الخوف يأكل الروح” (1974). ربما لو حاولنا التماس بعض العذر، أو البحث عن بعض جوانب الاختلاف، فيمكننا القول إن عربيد لم تقدّم العلاقة بوصفها رومانسية تقليدية خالصة. أصلًا، لم تفلح في لحظات كثيرة في إقناعنا بهذه الرومانسية أو العاطفة المعقودة بين الطرفين، إذ كان هدفها الرئيسي تقديم العلاقة بوصفها فعلًا يخرق ما يمكن أن نطلق عليه “السلم” أو “النظام” الاجتماعي، وما ينطوي عليه من عادات وتقاليد وأعراف ومحرمات. ومن هنا، يؤكد عنوان الفيلم المغزى المُراد، حيث فقط من يثورون، ضد أي ظلم كان، هم من ينتصرون، أو أن من يتحلّون بالجرأة هم من يظفرون في النهاية. لكن أهذا صحيح فعلًا أو يمت بصلة إلى الواقع؟ أو حتى لحبكة الفيلم ونهايته؟ إذ ثمة إشارة إلى أنه ما من انتصار واضح متحقق، ولا ثورة اكتملت، ولا تغيير من أي نوع يلوح في الأفق، وأن جرأة الفعل لم تؤت ثمارها.