محمد هاشم عبد السلام

من بين أمور كثيرة لافتة للانتباه تخص الحضور الراهن للسينما الفلسطينية، أنه بات من الصعب جدًا أن ينقضي العام من دون فيلم، أو أفلام عدة، على قدر كبير من الجمال، والاحترافية، والعمق، والتأثير. والمثير أن هذا الأمر بات يتكرر، مؤخرًا، في مختلف الأنواع السينمائية. وإن انطبق بالأساس على الأفلام القصيرة، وبالأخص الروائية القصيرة، المدهشة فعلًا، في أكثر من مستوى، مقارنة بالأفلام الروائية أو الوثائقية الطويلة.
ورغم صعوبة العثور على أفلام وثائقية قصيرة لافتة للانتباه فعلًا، حتى في الأعوام القليلة الماضية، وفي ظل ندرة، أو شح الإنتاج الوثائقي القصير، وأيضًا تكرار الموضوعات، وغلبة الضعف الفني والجمالي على الوثائقيات الطويلة، نجد النقيض تمامًا في ما يخص الروائي القصير. إذ ثمة وفرة إنتاجية، لا بأس بها أبدًا، تنطوي على تميز لافت يخص المضمون والمعالجة. وبراعة ملحوظة في التنفيذ تصل حد الاحترافية. وهَمّ فكري ووجودي وسياسي صادق فعلًا.
يؤكد هذا، مثلًا، أنه في العام قبل الماضي (2024)، لفت عدد من الأفلام الروائية القصيرة الانتباه وبشدة، جاء على رأسها “برتقال يافا” لمحمد المغني، و”ما بعد” لمها الحاج، اللذان حصدا جوائز عديدة في مهرجانات دولية كبيرة مرموقة، ووسط منافسة عالمية شرسة. تكرر الأمر نفسه العام الماضي (2025)، مع أكثر من فيلم روائي قصير. كان من أبرزها أربعة على وجه التحديد، هي “قهر” لندى خليفة، و”نهاية” لورد كيال، و”مُهَدَّدَ بالانقراض” لسعيد زاغة، و”سعيد لأنك ميت الآن” لتوفيق برهوم.
فقد تألقت هذه الأفلام في مهرجانات دولية عالمية، مثل “كانّ، وفينيسيا، ووارسو، والدوحة، والبحر الأحمر“، وحصدت جوائز دولية بارزة ومُستحقة. والأهم أنها حظيت بإعجاب نقدي وجماهيري لافت فعلًا. المؤكد أن تباين الطرح، وتعدد الموضوعات، وتنوع طرق المعالج، وغيرها من فنيات، يدل على تميز خاص للأفلام الروائية القصيرة الفلسطينية. هذا التميز ليس مصادفة أبدًا. إذ دائمًا ثمة جديد من عام لآخر يستحق الإشادة حقًا. والرائع في الأمر أنه لمخرجين ومخرجات شباب، في أماكن مختلفة من العالم، يخطون خطوات أولى واعدة صوب إنجاز إبداعات سينمائية، جادة، لا تشبه بعضها بعضًا.
لا ريب في أن الأفلام الأربعة المذكورة قدمت، بطريقتها الخاصة، ما هو متميز على مستوى الصورة والإيقاع والمونتاج، حتى خرج كل فيلم منها ببصمته الفنية الخاصة، وجمالياته التكوينية المتميزة. ومع هذا، فالسمة المشتركة بينها أنها تتسم ببساطة الصنعة، وعمق الرؤية، وإتقان احترافي لجماليات صورة وتصوير، وضبط بارع جدًا للأداء التمثيلي، حتى في الأفلام التي لم تكن في حاجة إلى جهد تمثيلي فائق، أو لتبادل للحوار بالمرة. وهذا يؤكد، من ناحية أخرى، على براعة في كتابة سيناريو مكثف، يُدرك مؤلفه منذ البداية ما يريد قوله، وكيفية صياغته بأدق العبارات، وأبلغ التعبيرات، وأقل المشاهد، من دون حاجة إلى تكرار، أو نمطية. والأهم من هذا، الابتعاد التام عن الميلودراما والمباشرة.
أما على مستوى الطرح الفكري، ووجهات النظر، فلا يكاد المطروح في هذه الأفلام يتجاوز الهم العام لشعب وبلد يرزحان تحت احتلال قاهر، ويكابدان منذ عقود ويلات قمع وتنكيل وإبادة، تترافق مع صمت وعجز وخذلان عالمي، يفاقم يوميًا من قسوة واقع لا ينذر إلا بيأس صريح في الوصول لتسوية شاملة، أو حل عادل، لأي مطلب من مطالب هذا الشعب وتضحياته. ورغم هذا الرصد، أو التناول المشترك والمتقاطع للهموم والشجون نفسها، إلا أن الجميل واللافت فعلًا لدى الأصوات الجديدة في السينما الفلسطينية القصيرة ليس فقط الوعي بما حدث، وفضح ما يحدث، وكشف مدى تواطؤ العالم تجاهه، بل أيضًا توجيه النقد اللاذع للداخل الفلسطيني. لدرجة لوم وإدانة النفس، وليس الغير فحسب. وهذا من أهم الدلالات المُبَشِّرة بخطوة جادة وصادقة نحو مستقبل قد يكون مختلفًا.

“قهر” لندى خليفة: محاولة تجسيد دلالات كلمة

تحاول المخرجة ندى خليفة، مع ظهور القوائم الختامية لفيلم “قهر”، ترجمة وتفسير معنى عنوان الفيلم. لكنها تشير إلى صعوبة الأمر نظرًا للخصوصية الشديدة للكلمة في اللغة العربية، ولكونها جامعة لجملة من المعاني والدلالات والإحالات، المُعبر عنها بأكثر من كلمة، أو مفردة باللغة الإنكليزية. ورغم هذا، فإن هذه الكلمات، أو المفردات الإنكليزية، لا تفي كلمة “قهر” معناها العربي، أو مدلولاتها الصحيحة.
خلال 20 دقيقة تقريبًا، حاولت ندى أن تجسد دراميًا، عبر شخصيات وخيوط فرعية هامشية وبسيطة، وحوارات قليلة، وإدارة جيدة لبطلها المُتمكن، معنى كلمة “قهر”، وذلك بجعلنا نتوحد مع بطلها في رحلته التي ظنها بسيطة وممتعة، فإذا بها تصدمه بحقائق تكشف عن مدى توهمه، ليس بخصوص الرحلة فحسب، بل الراهن الجاثم على هويته وحاضره ووطنه، على نحو قاهر. وهذا ضمن سياق أحداث تُذَكِّرُنا قليلًا بالفيلم الروائي القصير الرائع “الهدية” (2021) للمخرجة الفلسطينية فرح النابلسي.

لقطة من فيلم “قهر” للمخرجة ندى خليفة.

تروي الأحداث عودة جيسون (نبيل الراعي)، الفلسطيني المقيم في كندا، لزيارة وطنه بعد سنوات شتات مديدة. تحدو جيسون رغبة عارمة وشوق ولهفة لرؤية أسرته، خاصة شقيقته التي أنجبت مؤخرًا، ومفاجأة الجميع بزيارته غير المتوقعة. لكن، قبل كل شيء، إحضار هدية بمناسبة المولود الجديد، عبارة عن عنزة مُعتبرة، لإقامة عقيقة احتفالية.
نتابع جيسون، وهو الاسم الذي اكتسبه في كندا، وبات يعرف به بعد تخليه عن اسمه الحقيقي، خلال رحلته التي يستهلها بشراء العنزة. والمفارقات التي تتسبب فيها له خلال الطريق، وما يصادفه من مواقف تسبق اقترابه من مشارف مسقط رأسه. إذ بعد إصلاح سريع للسيارة، والتعرف على أسرة طيبة تستضيفه، وبينما هو على مرمى حجر، يصطدم بواقع الحياة في ظل الاحتلال، بعدما علق في نقطة تفتيش إسرائيلية أغلقت الطريق بشكل عشوائي، ومنعت حرية الحركة من دون أسباب وجيهة.
وبعد تلاسن خطير مع ضابط إسرائيلي، يجلس جيسون ليتأمل واقعه في صمت، ومعنى الوطن والهوية، وحتى مفهوم الحرية ذاته. خاصة وأن العنزة ذاتها تنجح في التحرك والانطلاق، وحتى المرور بحرية عبر الحاجز، على عكسه، رغم إبرازه لجواز سفره الكندي وتحدثه مع الضابط بالإنكليزية.

“نهاية” لورد كيال: فضح اللامبالاة

في خاتمة فيلم “نهاية” لورد كيال يتأكد لنا أنه ليس شرطًا أن تكون الحواجز مادية، أو ظاهرة للعيان. إذ ثمة حواجز أخرى، غير منظورة، نجح الاحتلال في إقامتها وترسيخها على مدى عقود. وكيف أن رصد المخرج للحواجز غير المادية يمكن اعتباره تنويعة أخرى على ما تحمله كلمة قهر من دلالات. إذ يرصد، من دون مباشرة، كيف نجح الاحتلال في خلق فواصل، وتفكيك علاقات، وتكريس لامبالاة وأنانية واغتراب، من دون وعي، أو انتباه.
من خلال فيلم جد بسيط، قليل التكلفة والتنفيذ، بلا أحداث أو خيوط فرعية أو شخصيات تقريبًا، قَدَّمَ ورد كيال في 5 دقائق فحسب، دراما صادقة تضعنا أمام صورتنا الراهنة، وتفضح انكفاءنا على ذواتنا وأنانيتنا، واغترابنا عن محيطنا وعالمنا، وذلك في لقطة واحدة مُتواصلة، من دون مونتاج، أو نقلات زمنية، وإضاءة ثابتة، وصمت تام، بغية عدم تشتيت المُتفرج، ووضعه لدقائق ضاغطة ضمن لحظة مكثَّفة، تحصره وتمسك به حتى تخنقه تقريبًا.

من فيلم “نهاية ” للمخرج ورد كيال.

بحركات جد بسيطة ومُتكررة من الممثل زياد بكري، وما يراكمه تصرفه المتكرر من مشاعر لدى المتفرج، استطاع المخرج تحويل الصمت التام في الفيلم إلى لغة مكتملة المعنى. إن إصراره البالغ لدرجة عبثية على إشعال سيجارته، رغم المطر الهاطل والرياح العاصفة، حوَّل الفيلم إلى استعارة للإنسان المنغلق على نفسه وعالمه، وغير المكترث بما يحدث أمامه من أهوال. سيما وأنه لم يعبأ البتة بالجثة التي سقطت أمامه فجأة. لا بهويتها، ولا بكيفية سقوطها، أو إن كانت قد فارقت الحياة، أو بالدم المنساب، إلى آخره. إذ انصب جل اهتمامه على تحقيق استفادة شخصية تمثلت، أخيرًا، في إشعاله لسيجارته. وذلك بعدما عثر في جيوب الجثة على كبريت وقداحة، كفلا له مواصلة حياته كالمعتاد، واستكمال طريقه. أما ما حدث، أو سيحدث، فلا أهمية له بالمرة.

“مُهدد بالانقراض” لسعيد زاغة: ابتزاز قاهر

تدور أحداث “مهدد بالانقراض” خلال رحلة العودة اليومية للطبيبة لبنى (ماريا زريق) من أريحا إلى رام الله. ذات ليلة، تقوم لبنى بتوصيل صديقتها سلمى (يمنى مروان). حديثهما السريع والصريح والكاشف والمتوتر بعض الشيء في السياراة يوحي بأن العلاقة بينهما تتجاوز إطار الصداقة القوية.
بعدها، نجدنا، مجددًا، إزاء حالة إغلاق للطريق من جانب جيش الاحتلال. انصياعًا لأوامر الجندي تضطر لبنى لاتخاذ الطريق الفرعي، الوعر والمظلم والمليء بالذئاب، عوضًا عن الطريق العمومي المغلق. وبعد عطب يصاب إطار سيارتها، واضطرارها للتوقف، ودهشتها لقدوم مفاجئ لشخص يعرض مساعدته، ومع تفاقم يأسها من إيجاد حل، تضطر، أخيرًا، وعلى مضض، للركوب معه في المقعد الخلفي.

من فيلم “مهدد بالانقراض” للمخرج سعيد زاغة.

تدريجيًا، ندرك أن مروره بالمكان، وعرضه للمساعدة، وتطوعه لتوصيلها، لم يكن صدفة. الرجل يعرفها جيدًا، وعلى دراية بعلاقتها بسلمى، ويطلعها على صور التقطت لهما سرًا يمكن أن تسبب لهما فضيحة ومشاكل جمة. يبتزها الرجل (علي سليمان)، وهو عميل إسرائيلي سافر، لإرغامها على التعاون معه، وتزويده بمعلومات عن شقيق سلمى الضالع في أعمال المقاومة. عندئذ، يبدأ التكثيف والتشويق، ويصل الغموض ذروته، وتزداد الإثارة أكثر مع بلوغ الحبكة إلى ذروة تسحب الفيلم إلى نوعية أفلام الجريمة.
ضمن حبكة مشوقة وعميقة، تتوفر على نواة قصة مكتوبة ببراعة، منفذة بحرفية سينمائية متكاملة الأركان، وأداء تمثيلي كان الأجدى استثماره كمشروع لفيلم روائي طويل، تجد لبنى نفسها مدفوعة لاقتراف ما لم تكن تتخيل نفسها قادرة عليه يومًا، لولا أن الظروف المفاجئة، والتهديد المحيط، والابتزاز القاهر الممارس عليها، لم يتركوا لها أي خيار.

“سعيد لأنك ميت الآن” لتوفيق برهوم: تجرّع القهر

بات توفيق برهوم ثالث مخرج عربي يحصل على جائزة “السعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير” في مهرجان “كانّ”، وذلك في دورته الأخيرة الـ78 العام الماضي 2025، عن فيلمه “سعيد لأنك ميت الآن”. وذلك بعد فوز اللبناني إيلي داغر بها، عن فيلم “أمواج 98” عام 2015، والمصري سامح علاء عن “ستاشر ــ أخاف أن أنسى وجهك” (2020).
عبر حبكة مُتعددة التأويلات، يتأمّل المخرج في أمور شتى، انطلاقًا من الماضي وذكرياته الأليمة، ليطرح أسئلة فارقة بخصوص حاضر الشخصيات ومستقبلها. أهم الأسئلة المطروحة، أن في الإمكان التخلّص من مآسي الماضي وآلامه فعلًا، أو حتى التخفّف منها؟ وهل يجلب هذا التخلص، حتى وإن كان عن طريق الموت، سعادة ما، على النحو الذي يؤكده عنوان الفيلم؟

من فيلم “سعيد لأنك ميت الآن” للمخرج توفيق برهوم.

رغم أن رضا (المخرج توفيق برهوم نفسه)، وشقيقه الأكبر أبو الرشد (أشرف برهوم)، لم ينطقا بكثير، وحواراتهما مُتقطعة، ومُكثفة، ومُحملة بغموض وإحالات غير مباشرة في الغالب إلى الماضي وتركته الثقيلة، إلا أننا نتبين كيف أن رضا، اليافع واليقظ الذاكرة، لا يزال طعم المرارة في حلقه. وكيف بات أبو الرشد يُعاني من نسيان مرضي جعله بالكاد يتذكّر اسم شقيقه، ومحطات مؤلمة في حياته الشخصية، وحياته وشقيقه صحبة والدهما. لا سيّما طعم الليمون الحامض الذي تجرّعاه غصبًا.
ما ينطوي عليه الفيلم من تلميحات مُواربة، من دون تحديد قاطع يوضح كنهها بالضبط، وظفها المخرج كاستعارة تحيل إلى بطش أبوي داخل الأسرة. كذلك، إلى قمع السلطة، أو الدولة. أو القمع البطريركي بالمعنى الأوسع، من دون إغفال ما يمارسه الاحتلال الغاصب من بطش وقهر وانتهاك، بكل أنواعه تجاه الآخر الفلسطيني.

أسئلة مُعلقة

ثمة أسئلة كثيرة فعلًا، جد عميقة وصعبة ومحيرة، تطرحها الأفلام الأربعة السابقة. أبرزها يدفعنا لطرح تساؤل جد خطير: هل الحل، أو الخلاص، يتمثل حقًا في فعل المقاومة العنيف، حتى وإن أفضى في النهاية إلى القتل كخلاص من كل قهر؟ لا سيما وأن الآخر لم يترك أي حلول أخرى، وينتهج أبشع أنواع العنف والقتل بذريعة حرية الدفاع عن النفس.
المثير للانتباه بخصوص هذا التساؤل تحديدًا أنه رغم اختلاف الحبكات، والمعالجة، والطرح، والشخصيات، ورؤى المخرجين، نجد أن العنف أو القتل قد اقترفا فعلًا في اثنين منها، وعبره تحقق الخلاص، أو هكذا بدت الأمور. في حين أن البطل في “قهر” حاول فقط إبداء بعض المقاومة السلمية المشروعة، ولأنها لم تنجح؛ استسلم واستكان. وهذا يقودنا إلى إجابة قد تكون جلية في “نهاية” مفادها أن فرط الاستكانة يُفضي، لا محالة، إلى ما انتهى إليه البطل من سلبية وأنانية واغتراب، ولا مبالاة إلا بإشعال سيجارة.