برلين – محمد هاشم عبد السلام
على غير عادته، افتتح “مهرجان برلين السينمائي” دورته الـ76 (12 – 22 فبراير/شباط، 2026) بـ”لا رجال صالحين”، للأفغانية شهربانو سادات. إذ لم يعتد أن يكون الفيلم غير أميركي، أو من خارج القارة الأوروبية، وبتوقيع نسائي. كما أن الاختيار يكون من النوع العادي، أو حتى كوميديا خفيفة، ذات إطار رومانسي أو اجتماعي، أي غير فني غالباً، ويُنسى عادة فور انتهاء العرض. هذه الأمور لم تتحقق في جديد سادات.
ينطوي الاختيار أيضاً على جرأة لافتة للانتباه. فخلافاً لكون الاختيار مغايراً للمعتاد، وقع على فيلم يأتي من بلدٍ، يصعب الزعم أن به صناعة سينمائية، أو يُحَسب في تاريخ السينما. إذ نادراً ما يلتفت إليه خارج سياق نشرات الأخبار، والإرهاب والحروب والوثائقيات، وكلّها لا تلامس حياة المواطن الأفغاني العادي ومشاكله.
الجديد أيضاً أنّ الفيلم لمخرجة، وهذا غير معتاد في البرليناله، ويعكس تأكيد الاعتراف بعمل المخرجة، ودعم أصوات شابة مغايرة وجديدة، ومخرجين ومخرجات غير مكرّسين. فشهربانو سادات (1991) مخرجة وكاتبة وممثلة أفغانية بارزة، تُعدّ من الأصوات اللافتة للانتباه أخيراً، بما تقدّمه من أفلام صادقة وأصيلة، تتناول حياة النساء، أو الحياة الاجتماعية في المجتمع الأفغاني المعاصر، مع عدم إغفال الشقّين السياسي والاستعماري، ولو تلميحاً، وهذا يتعلّق بذكر الوجود السوفييتي أو الأميركي في البلد، وطبعاً الحضور الكارثي لحركة طالبان.
في إطار مغلف بالرومانسية، قدّمت سادات دراما سياسية واجتماعية؛ فالفيلم يُعتبر صرخة جريئة، لانتقاده بشدة بطريركية مجتمع وسلطة وعادات وتقاليد وموروثات، لم تعد تقتصر على المجتمع الأفغاني فقط: نارو (سادات نفسها) المُصوّرة الشابة (25 عاماً) الوحيدة في تلفزيون كابول، انفصلت عن زوجها، وتعيش مع والديها. تخشى طلب الطلاق من زوجها، العنيف والكسول والخائن، كأغلب الرجال الأفغان، كي لا يأخذ منها ابنها. يعني: لا أمل لها في أي علاقة مستقبلاً، ليس فقط لحماية ابنها، بل لكونها تؤمن بأنه لا يوجد رجال بمعنى الكلمة في أفغانستان.
برفقة زميلها المراسل قدرت (أنور هاشمي)، تلتقي أحد الملالي، قبل عودة طالبان، الذي يرفض إكمال اللقاء بسببها، فتتعقّد الأمور بينهما. تدريجياً، مع الاحتكاك العملي المتكرر في أكثر من مهمة معاً، يتغيّر الانطباع. يقترب أحدهما من الآخر، ويتطور الأمر سريعاً بينهما إلى مشاعر متبادلة، وعلاقة حب مكتومة، رغم فارق العمر (يبلغ قدرت 50 عاماً)، وكونها متزوجة، وهو أب لأربعة أبناء. لكن، بخلاف تعقيدات الأمور وتطوراتها واستحالة العلاقة، خاصة بعد ظهور زوجها وخطفه ابنها، وعودة طالبان إلى المشهد بعد الانسحاب الأميركي، تتبدّل نظرتها كلّياً إزاء الرجال، وتعيد التفكير في اعتقادها الخاطئ بأن لا رجال صالحين موجودون.
بعكس صيغة النفي السلبية في عنوانه، يبثّ المضمون العام للفيلم، رغم انتقاداته اللاذعة للسلطة الذكورية ومؤسّسة الزواج والرجل الأفغاني، بعض الأمل بأن هناك، فعلاً، رجالاً صالحين.
في جديدها، الذي تمثّل فيه دور البطولة لأول مرة، هناك ما يؤكد أن لها مشروعها الخاص، ورؤيتها الفنية التي تحاول تطويرها من فيلم إلى آخر، علماً أنها تستوحي أفلامها من أحداث حقيقية، تجمع بين البُعدين الشخصي والسياسي، وتمسّ مجتمعها بقوة، وتمتلك رسالة عالمية. كما أنها تكتب أفلامها بالاشتراك مع الكاتب والممثل أنور هاشمي، بطل فيلمها السابق، “دار الأيتام” (2019) بتأديته دور المشرف في الإصلاحية، وشريكها بجديدها أيضاً. كما أن اسم قدرت من الأسماء المتكررة في كل أفلامها. أمور، وغيرها أيضاً، تؤكد الرؤية المتواصلة لها، التي تتجاوز مستويي الكتابة والشخصيات إلى الأبعد والأعمق.
في فيلمها الأخير، مضت سادات إلى منطقة غير مسبوقة من الجرأة، في الطرح والمعالجة. فهناك علاقة رومانسية وحميمة جلية، وصياغة تمثيلية للحياة العاطفية والحرية الجنسية والقهر، من دون مواربة، وظهور الشَعر المكشوف في مشاهد كثيرة، وبشكل غير معتاد، إضافة إلى مشهد غير مسبوق قط في تاريخ السينما الأفغانية: قبلة الوداع في الختام بين نارو وقدرت.
قياساً إلى حداثة السينما الأفغانية وقلة خبرتها، والصورة النمطية الشائعة، وأغلبها أفلام وثائقية عن التمزقات في البلد، ومع التغاضي عن سلبيات معالجة وأداء ومشاهد بدائية، وجوانب أخرى مفتعلة أو مُقحمة لأغراض تمويلية، يرقى “لا رجال صالحين” إلى مستوى لا بأس به أبداً من الجدّية والفنّية، ويعتبر إضافة تكمّل ما حقّقته المخرجة في فيلميها الروائيين الأولين، “الذئب والخروف” (2016) و”دار الأيتام”، إذ تواصل بشجاعة الإضاءة على حياة المرأة الأفغانية، ومثالب المجتمع الذكوري المتشدّد. والهوية، وعلاقة الرجل بالمرأة، والاستقلال، ودور المرأة، والتحرّر الجسدي والعاطفي. وكل هذا غير مسبوق في الأفلام الأفغانية.