وارسو – محمد هاشم عبد السلام

ليس “الدُمية” (Lalka)، للبولندي ماتشى كاڤالسكي، مجرد حكاية عن رجل ثري يقع في حب امرأة أرستقراطية. إنه مواجهة بين عالمين يتبادلان المصالح ولا يتقاسمان القيم. تدور الأحداث حول ستانيسواڤ ڤوكولسكي (مارتشين دوروتشينسكي)، التاجر الذي راكم ثروة خلال الحرب والتجارة، ويريد من خلالها الانتماء إلى مجتمع النخبة، في وارسو القرن التاسع عشر، عبر علاقته بالفاتنة إيزابيلا (كاميلا أوچيندوڤسكا). لكنه يكتشف أن المال قادر على شراء القبول المؤقت، لكنه لا يضمن الاعتراف الاجتماعي، ولا انتزاع الحب. 

المأزق الحقيقي لڤوكولسكي ليس أنه يحب المرأة الخطأ، بل طموحه في أن يُقبل في عالم لا يعترف به إلا بقدر ما يستطيع أن يقدمه له. هنا تكمن قوة “الدمية”، حيث الصراع ليس عاطفيًا فحسب، بل اجتماعي ونفسي أيضًا. إذ يجد ڤوكولسكي نفسه أمام طبقة أرستقراطية تستمد امتيازها من النَسَب والمظاهر، حتى بعدما فقدت جانبًا مهمًا من ثرواتها ومكانتها وقدراتها الفعلية. إنه تناقض مجتمع يحتقر المال حين يأتي من التاجر، ابن الطبقة المجهولة، ثم لا يتردد في الاستفادة منه حين يتهدد بقاؤه.

ضمن هذا الإطار لا تعود إيزابيلا مجرد موضوع لعشق ڤوكولسكي أو مجرد سعي للزواج، بل تصبح رمزًا لنظام كامل من الامتيازات والأكاذيب والأوهام والأخلاق الزائفة. بعيدًا عن المجتمع، يطرح الفيلم سؤالا عَمَّا إذا كان ڤوكولسكي يحب امرأة يعرفها حقًا، أم يطارد صورة مثالية صنعها خياله، وصارت وسيلته للحصول على اعتراف طبقة يطمح إليها؟ إن مأساته الجلية تنبع، بشكل ما، من الخلط بين الرغبة في الحب والطموح في الاعتراف الاجتماعي. غير أن كثافة الأحداث، وتسارع الانتقال بين المسارات الدرامية، يختزلان بعض التحولات النفسية، ويجعلان عددًا من الصراعات أقل رسوخًا، بدلا من أن تتراكم التوترات ببطء، ما أضعف الإحساس بالتعقيد والتناقض، سيما فيما يتصل بشخصية إيزابيلا، والتطور المفاجئ قرب النهاية، الذي أفسد الزواج الوشيك.

يتميز الفيلم بتجاوزه الصورة التقليدية لشخصية المرأة الأرستقراطية المدللة، المتلاعبة بمشاعر رجل طيب. فالعنوان نفسه، “الدُمية”، يفتح بابًا لتأويل يتجاوز شخصيتها، وينسحب على الجميع، ما يدفع للتساؤل: من يحرك الجميع ويتلاعب بهم؟ من يعيش وفق قواعد لم يخترها؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان مستفيدًا من النظام الاجتماعي وضحيته في آن واحد؟ باختصار، من هو الدمية، ومن المُتلاعب به؟ هنا تبرز قسوة عالم يُحَوِّل العلاقات الإنسانية إلى تجارة لا ينفر منها، ويعامل الزواج والحب والمكانة كما لو كانت عناصر في ميزان حسابي. كما تكمن القوة في أن ڤوكولسكي لم يخسر امرأة فحسب، بل انهارت أيضًا الصورة التي تخيلها أو صنعها عن الحب والمجتمع وعن نفسه.

لقطة من الفيلم بين ڤوكولسكي وإيزابيلا.

المثير للغاية أن الفيلم المقتبس من رواية للأديب البولندي الشهير بوليسواڤ بروُس، الصادرة عام 1890، وهي من المقررات الدراسية على طلبة المدارس الثانوية البولندية، والمعروض الآن في دور السينما منذ 30 سبتمبر 2026، ومدته ساعتين و42 دقيقة تقريبًا، يحقق نجاحًا تجاريًا هائلا في السينما. في أقل من شهر تقريبًا، شاهده مليون ونصف المليون متفرج، رغم أنه ليس فيلمًا تجاريًا بالمرة. ومن المتوقع أن يحقق “الدمية” إيرادات تغطي تكلفة إنتاجه الضخمة جدًا، البالغة عشرين مليون دولار تقريبًا، وتعد من الأكبر في تاريخ الإنتاج السينمائي البولندي في العقود الأخيرة. الإقبال الجماهيري اللافت يتناقض مع حالة الاستياء العامة، التي سادت بين سكان وارسو، جراء غلق أحد أكبر ميادينها، العام الماضي، أثناء تصوير الفيلم. وكان لحضور “مهرجان وارسو السينمائي” في دورته الـ41 نصيبهم من الازدحام الناجم عن غلق الشوارع المحيطة بجوار مقر المهرجان، ولم نكن نعلم أن التصوير يخص “الدمية”، ولا أنه، بعد عام تقريبًا، سيحقق هذا النجاح الاستثنائي.

والأكثر لفتًا للانتباه أن مُنتج الفيلم رادوسواڤ درابيك أكَّد عزوفه عن الحصول على أي تمويل لفيلمه، سواء من الحكومة البولندية أو البنوك أو غيرهما. وأصَرَّ على أن يكون الفيلم من إنتاجه الخاص، وعلى خوض مغامرة إعادة الجمهور مرة أخرى لمشاهدة الأفلام في قاعات السينما، وليس عبر الإنترنت أو وسائل أخرى، لإيمانه بأن تلك هي الوسيلة الوحيدة لبقاء السينما حية. كما تكمن المغامرة في كونه لم يلجأ إلى إنتاج فيلم تجاري سهل لتحقيق هذا الغرض، بل راهن على عمل كلاسيكي كتب قبل قرن ونصف تقريبًا، لكنه شديد الارتباط بالواقع البولندي والعالمي، يستعيد عالمًا تتقاطع فيه التحولات الاقتصادية مع صراع الطبقات وأوهام الحب. 

تزامنت مغامرة “الدمية” مع إنتاج شبكة “نتفلكس” لمسلسل تليفزيوني عن الرواية ذاتها يعرض الآن أيضًا في بولندا. وقد أكَّدَ رادوسواڤ درابيك رفضه التعاون مع الشبكة في إنتاج المسلسل أو تمويل الفيلم. وأصَرَّ على خوض مغامرة إنتاج “الدمية” وطرحه في نفس توقيت عرض المسلسل، تزامنًا أيضًا مع نشره لطبعة فخمة من الرواية. أيضًا، كان من التحديات البارزة أن الاقتباس ليس الأول سينمائيًا، إذ جرى تحويل الرواية سابقًا إلى فيلم بنفس العنوان للمخرج البولندي المخضرم ڤويتشيخ يچي هاس في عام 1968.

يضاف إلى هذا هذا، ثمة ثقة غريبة فعلا في إسناد مثل هذا الإنتاج الضخم لمخرج شاب، في تجربته الثانيه في إخراج فيلم طويل. وإن كان ماتشى كاڤالسكي، بتقديمه لعمل رائع بصريًا، أثبت جدارته الفعلية بهذه الثقة، وأنه من الأسماء البولندية الواعدة. فالإبهار اللافت للأزياء والديكورات وإعادة بناء وارسو القرن التاسع عشر، والاهتمام البصري إجمالا، تجاوزه المخرج كمجرد زينة تاريخية أو كاستعراض بصناعة فيلم تاريخي مبهر. إذ قدَّمَ المكان نفسه كجزء من الصراع، فالصالونات واللقاءات الرسمية لم تكن فضاءات محايدة، وإنما مسارح للوجاهة والاستعراض، حيث تُقاس قيمة الفرد بما يمثله من مكانة وما يستطيع إظهاره من ثراء ونَسَب.