محمد هاشم عبد السلام

حول أبرز الأخطار السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وحول تبعاتها المُهددة لمعيشتنا اليومية، وانعكاساتها المشؤومة على مستقبلنا القريب، دارت أحداث أكثر من فيلم روائي طويل، عرضت ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الـ75، المنتهية الشهر الماضي.
الدور الفج للمال أو السلطة، أو اقترانهما معًا على نحو سافر، إضافة إلى الرغبة المجنونة لدى البعض في الامتلاك والتحكم والسيطرة على كل شيء، وبالطبع، توغل الرأسمالية في حياتنا، وتبعاتها الكارثية حتى على الدول الرأسمالية ذاتها، وغيرها من الأمور، كانت من بين المخاوف والهواجس المزعجة المتجلية على نحو بارز في أفلام: “ميكي 17 للكوري الجنوبي بونج جون هون، وأحلام” للمكسيكي ميشيل فرانكو، وكونتيننتال 25 للروماني رادو جود.
اللافت للانتباه ليس فقط صدفة تزامن إنتاج وعرض هذه الأفلام في نفس التوقيت، بل أيضًا تشابه أو تداخل أو حتى تقاطع أفكارها وهمومها ومخاوفها معًا. وذلك رغم الخلفيات الثقافية واللغوية والفنية المتباينة وحتى اختلاف بلدان المخرجين الثلاثة. تزامن التوقيت وتشابه الهموم والهواجس ليس من قبيل المصادفة أبدًا، كما أن دق نواقيس الخطر والتحذير، استعارة أو رمزًا، من جانب ثلاثة من أبرز المخرجين المعاصرين، المهمومين فعلا بقضايا عالمنا الآنية، والراصدين بجدية للتحديات المحدقة، يؤكد قطعًا أننا أمام انعطافة جد خطيرة في تاريخ البشرية.

صحيح أن الأفلام الثلاثة، دون استثناء، لا تخلو من بعض المباشرة، كما طغت فيها الإحالات والاستعارات والرموز وأضعفت من الفنيات السينمائية الخالصة، لكن ليس كل ما هو مباشر أو استعاري أو رمزي يعد ممجوجًا أو مستهجنًا، أو يتسم بالضرورة بالضعف الفني أو الركاكة في كل الأحوال. إذ أحيانًا ما يكون مطلوبًا لإحداث صدمة تخلق لدى المشاهد حالة من الوعي واليقظة، وربما رد فعل ما.

المثير في الأمر أنه رغم تباين موضوعات الأفلام كلية، سواء المقتبس منها عن نص أدبي أو المكتوب مباشرة كسيناريو أصلي، إلا أن حبكاتها تنوعت بشكل لافت جدًا، واتسمت معالجة المحتوى، والطرح الإجمالي، بالأصالة والمصداقية والكثير من التشويق. مع الأخذ في الاعتبار أن كل فيلم منها ينتمي لنوع سينمائي مختلف، فهناك الخيال العلمي الكوميدي، والميلودراما الواقعية، والدراما شبه الوثائقية.

ميكي 17″: سخرية لاذعة من الرغبات الأميركية 

غاب المخرج بونج جون هو، البالغ من العمر 55 سنة، لست سنوات بعد حصوله على “السعفة الذهبية” عن رائعته “طفيلي” (2019)، الذي صار أول فيلم غير ناطق بالإنكليزية ينال “أوسكار” أفضل فيلم أجنبي، ليعود ليقدم  الروائي الثامن له، “ميكي 17”. وذلك، باعتماد كامل لأول مرة على الإنكليزية الأميركية، وإنتاج شديد الضخامة والسخاء، وبعض نجوم الصف الأول في هوليوود، مثل: روبرت باتينسون وتوني كوليت ومارك روفالو. كما قدَّمَ المخرج خلطته الخاصة ضمن أحد أعرق الأنواع السينمائية الأميركي، الخيال العلمي المُبهر، اعتمادًا على سيناريو مشوق في أغلبه، اقتبسه بنفسه عن رواية للأديب الأميركي إدوارد أشتون، صدرت عام 2022.
الأجواء العامة للفيلم لا تختلف كثيرًا عن عوالم سينما بونج جون هو الدرامية النقدية، المطعمة بلمسات كوميدية سوداء حادة، تجمع بين النقد الاجتماعي الجاد والعميق والهجوم السياسي اللاذع. ورغم غلبة النقد الاجتماعي وبروزه في أعماله، لكنه في جديده يميل باتجاه النقد السياسي أكثر، مع جرعة مفرطة في الكوميديا، مقارنة بأعماله السابقة. يتوفر الفيلم أيضًا على شطح خيالي غير معهود في سينماه، حتى في فيلمه، المقارب لعوالم الخيال العلمي، “أوكجا” (2017). يتسلح المخرج في “ميكي 17″، أكثر من سابقه “طفيلي”، بسخرية مريرة ومباشرة ضد المنظومة الحاكمة صاحبة القوة والهيمنة والسيطرة، والممتلكة أيضًا لناصية التطور العلمي والتكنولوجي، ليفضح نظرتها المستقبلية لعالم بقيادة أميركية خالصة، يتجلى فيها نموذج الجنون الترامبي بشكل صريح.

روبيرت باتينسون بطل فيلم “ميكي”.

يتناول الفيلم قصة ميكي بارنز (باتينسون)، الشاب المُحبط إثر وفاة والدته، ومعاناته من أزمة مالية خانقة. وكيفية التحاقه بالعمل لدى شركة يتملكها أحد السياسيين الأثرياء المثيرين للشفقة لفرط تفاهته، كينيث مارشال (روفالو)، والذي يطمح عبر العلم إلى تحقيق نزواته باستعمار وامتلاك كوكب جديد، بعدما مَلَّ وجوده على الأرض الفانية. وذلك في إسقاط واضح، ومحاكاة تكاد تطابق شخصية الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب.
يطلب أصحاب الشركة من ميكي الالتزام بوظيفة يطلق عليها “المُستنفد”، أثناء تواجده على متن المركبة الفضائية الطامحة للوصول للكوكب المجهول بعد سنوات. لكن، خلال تلك الرحلة يتعين عليه الموت مرارًا وتكرارًا، وإعادة استنساخه أو طباعته، في إشارة واضحة إلى جنون العلم، ومآلاته المستقبلية أيضًا. كما يسلط الفيلم الضوء على الطموحات التوسعية، وسعار الرأسمالية، وفساد الذمم والأخلاق، وانعدام المسؤولية والحس الإنساني حتى تجاه الحيوانات. يضاف إلى هذا الفردية الطاغية، وانفصال وفصام الشخصيات أو البشر عمومًا.

المخرج الكوري الجنوبي بونج جون هو.

من هنا، يتأتى ضعف الانتماء وحتى العزوف عن العيش على كوكب الأرض أو داخل نفس الجسد والشخصية والأفكار. ومن ثم، تبدو فكرة الموت، وتكراره، أو الاستنساخ والطباعة البشرية، محل قبول وموضع ترحيب.

أحلام“: قصة حب مستحيلة

فيلم “أحلام”، جديد المكسيكي ميشال فرانكو (46 سنة) لا يبتعد كثيرًا عن رصد طغيان المال، وتغول أصحاب السلطة، وسطوة المصالح، ودور هذا كله في صناعة وصياغة عالمنا الراهن. وذلك في إسقاط يحيل إلى العلاقة الشائكة والمتوترة، والمشتعلة مؤخرًا، بين الولايات المتحدة والمكسيك، ورغبة الولايات المتحدة ليس في التملك أو السيطرة على المكسيك فحسب، بل إخضاعها واستنزافها كليا، من دون أدنى إحساس بالمسؤولية أو الشعور بالذنب أو الرغبة في الاحتواء، ناهيك بإيجاد صيغة ما للتعايش.
يستعرض الفيلم علاقة حب ملتهبة ومتناقضة تجمع بين الأميركية الخمسينية الفاحشة الثراء جنيفر (جيسيكا شاستين)، وراقص باليه مكسيكي مُراهق، موهوب بشدة، يدعى فرناندو (إسحاق هرنانديس).  الأخير طموحه غير محدود في مجال الرقص، ما دفعه لعبور الحدود أكثر من مرة بطريقة شرعية أو غير شرعية، كان آخرها بنقود حصل عليها من جنيفر التي تعرف عليها خلال زياراتها المتكررة إلى المكسيك. إذ تدير مع شقيقها مشاريع فنية وثقافية ضخمة بأموال والدهما في أميركا والمكسيك، من بينها مدرسة للرقص في المكسيك، حيث تعرفت على فرناندو وأقامت معه علاقة، تحولت إلى عشق جامح، وليس مجرد نزوة عابرة. لا يتوقف طموح الشاب عند الدعم المادي فحسب، بل يرغب في التحقق عبر استغلال وإبراز موهبته الحقيقية، وأن يصير نجمًا فعليًا، دون أي انتهازية أو تملق أو مطالبة بما لا يستحقه. وفوق هذا، أن يظهر في العلن كحبيب لجنيفر، لا كعشيق سري أو أن يعامل كمهاجر غير شرعي.

جيسيكا شاستين بطلة فيلم “أحلام”.

علاقة حسية حميمية ملتهبة كهذه بين عاشقين مختلفين في كل شيء، تحمل في طياتها تناقضات جمة، تتراوح بين العشق الصادق ظاهريًا والاستغلال المبطن، تقود مسار الفيلم بالكامل، وتحكم الصراع بين الشخصيتين لأقصى حد. نوعية العلاقات هذه، ذات الإحالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكاشفة، تصل عادة إلى نهاية حتمية يطحن فيها أحد الطرفين عظام الآخر أو حتى يدمره كليا. وهو ما نراه تقريبًا قرب المشاهد الختامية، المؤكدة على أن البقاء سيظل دائمًا للأقوى والأبطش.

المخرج المكسيكي ميشال فرانكو.

كثيرًا ما كشف ميشال فرانكو وفضح، بفنية وجمال وعمق وفلسفة، تأثير الظلم في حياتنا. كما رَصَدَ ببراعة التفاوت الطبقي والانحدار المجتمعي والاجتماعي، وأبدى انزعاجه وقلقه البالغ من الجور الاقتصادي والخلل أو اختلال التوازن في عالمنا المعاصر، خاصة في تحفته “النظام الجديد” (2020). في جديده هذا يتناول أيضًا، بقوة وصراحة ومباشرة، مأساة أبناء بلده، من الشباب تحديدًا، الذين يحاولون دومًا عبور الحدود بحثًا عن حياة أفضل. وكيف أنه رغم مساهمتهم في الاقتصاد والمجتمع والحياة الثقافية الأميركية، غالبًا ما ينتهي الأمر بتصويرهم ومعاملتهم كطفيليين ودخلاء أو حتى مجرمين ومهربي مخدرات، بينما الحقيقة مغايرة كثيرًا.

كونتيننتال 25 يُِعري الأنظمة المعاصرة

ينتمي الروماني رادو جود، صاحب النزعة التجريبية اللافتة، والغزارة الإنتاجية الملحوظة في مختلف الأنواع السينمائية، إلى أصحاب سينما الفكر والطرح الفلسفي السياسي، وحتى التاريخي، وهذا يأتي أحيانًا على حساب الاهتمام بالفنيات أو الجماليات السينمائية، التي تميل إلى الوثائقي أكثر منها إلى الروائي.

ورغم هذا، لسينما الروماني، البالغ من العمر 48 سنة، خصوصية فنية لافتة، وجرأة طرح، وأسلوب يحمل بصمته المميزة بين أقرانه من رواد الموجة الجديدة في السينما الرومانية، إذ إن رادو جود يضع نصب عينيه، وبإلحاح، التصدي الدائم لعيوب الأنظمة المعاصرة، بداية من الأنظمة الدينية مرورًا بالتاريخية والسياسية، وليس انتهاء بالنظام الأسري والاجتماعي، ورصد تداعيات ومساوئ كل نظام على حياة الناس. ورغم الانتقادات الحادة والسخرية اللاذعة وخرق التابوهات أو المسكوت عنه، والأنماط الأسلوبية والفكرية شبه المتكررة في أفلامه، إلا أنه في كل مرة يفاجئنا بجديد مدهش. سواء تناول أحداث الماضي البعيد أو المعاصر أو الآني في الداخل الروماني، أو من خلال رصده للتحولات العالمية الكبرى، وانعكاساتها على البشر عامة، وأفراد المجتمع الروماني خاصة.
بعد 4 أعوام على فوزه بـ”الدب الذهبي” في “مهرجان برلين السينمائي”، عاد رادو جود هذا العام لاقتناص جائزة “أحسن سيناريو”، عن “كونتيننتال 25”. وفيه نلتقي بالمحامية الخمسينية أورسوليا (إستر تومبا) التي يُطلب منها مرافقة الشرطة خلال عملية طرد لمُشَرَّد يقطن قبو بناية يتوجب إزالتها بسرعة لبناء فندق فخم مكانها. عبر لقطات كثيرة، وثائقية تقريبًا، يفتتح المخرج فيلمه بمشاهد للمشرد البائس بينما يجمع القمامة والمخلفات من الشوارع، ويحاول استجداء الناس. لاحقًا، نتبين أنه القاطن لذاك القبو، وأنه الشخص المتعين عليه المغادرة إلى اللامكان، ما يدفعه في النهاية إلى الانتحار.

المخرج الروماني رادو جود.

المشاركة في تنفيذ حكم الطرد هذا، والذي انتشرت وقائعه وصارت حديث الساعة، جعل أورسوليا تنتبه فعليًا للظلم الاجتماعي وغياب العدالة تجاه الفئات المُهمشة. خاصة وأنها من طبقة متوسطة، وأيضًا ليست رومانية خالصة، فهي من أصول مجرية، وثمة علاقة ملتبسة وغير سوية مع جذورها، وتكره ما يجري في بلدها من تطرف وديكتاتورية. وهذا يورطها في اشتباك نقاشي حاد مع والدتها ذات نهار، ويدفع الأخيرة لطردها من شقتها. تباعًا، نكتشف ما تمر به من تقلبات نفسية وعدم اتزان وحتى انهيار عصبي، يتجلى في أحاديثها المتدفقة وبوحها المستمر، واعترافاتها المسعورة، وشكواها المتفجرة أمام الجميع، والمؤكدة على شعور هستيري عميق بتأنيب الضمير، ومعاناة من أزمة أخلاقية بالغة الحدة.
كعادته، يستعرض رادو جود الموضوع أو الحالة بحيادية بينما يطلعنا على مدى جسامتها، فنجدنا وقد تورطنا فيها تدريجيًا، مثل أبطاله. صحيح أن الفيلم يتأسس على الحوار المتواصل، والجدال والنقاش والتنظير والفرضيات والخطاب المسترسل، لكن تتخلل هذا كله مشاهد للمدينة والحياة اليومية المعاصرة ومفردات تبعدنا عن الوقوع في الملل وفقدان التشويق، ومن دون أن تحيد بنا كثيرًا عن الشخصية الرئيسية ومشكلتها الأخلاقية.
رغم التشابه الموضوعي الملحوظ بين فيلمي “مضاجعة فاشلة أو إباحية سخيفة” (2021) و”كونتيننتال 25″، إلا أن رادو جود تعمد تقديم شحنة مأساوية زائدة في الأخير، ما أبعد الفيلم كثيرًا عن الحالة التي خلقها الفيلم الأول. أما إخراجيًا، وبداية من وضعية الكاميرا الثابتة غالبًا، أو توظيف الممثلين وتوجيههم، وليس انتهاء باللقطات شبه الوثائقية في ختام الفيلم، فإن “كونتيننتال 25” يقترب تقنيًا أكثر من فيلمه “لا يهمّني إنْ أداننا التاريخ كبرابرة” (2018). إذ عبر مشاهد وثائقية صامتة لمجموعة بنايات مشيدة حديثًا أو قيد الإنشاء، يطلعنا على مدى قبح وفجاجة وعقم الذوق الرأسمالي التنميطي الزاحف على الكوكب بأسره، وليس فقط على ضواحي مدينة رومانية منكوبة بسُعار التحديث، القائم على دماء وحيوات بشر لا حول لهم.