محمد هاشم عبد السلام
في “خلاص”، الفائز بالدب الفضي ـ الجائزة الكبرى للجنة تحكيم الدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لـ”مهرجان برلين السينمائي الدولي” (برليناله)، لا يسرد التركي أمين ألبر وقائع حبكة تبلغ ذروة تقدّم، أو تُتوّجُ الخلاص بوصفه حلاً، بل يقلب المعادلة، ويتساءل عن ماهية الخلاص، ومدى إمكانيته ونجاعته، وإن يكن وهماً، نتمسّك به ليُعين على تحمّل الصعاب والأزمات، ويمنح الأمل بمواصلة العيش. رغم أنّ الخلاص، بمعناه المعروف، يبدو مستحيلاً في السياق القاتم للأحداث، والمنظومة القائمة على الخوف المتبادل.
لا يعني هذا أنّ ألبر يحتفي باليأس، ويعتنق التشاؤم، بتأكيده استحالة الخلاص وفقاً لتلك الأحداث. فهو يحاول بصدق البحث عن جذور الأزمة، بامتداداتها السياسية والاجتماعية والنفسية، وسبر مدى هشاشة الإنسان الذي يُقدِم، مع تطوّر الأمور، على التهلكة، ظنّاً منه أنها النجاة، ويؤكّد أنّ الخلاصين، الفردي الديكتاتوري والجماعي الغوغائي، يفضيان إلى مأساة أكيدة، ولا سيما في حال تجاوز كل الخطوط، وتغيّب العقل، والجنوح السهل إلى العنف والدم والانتقام، حلّاً لا بديل منه.
العناصر السابقة، المتعلّقة بثيمة الخلاص، ليست وافدة على سينما ألبر، المنشغل كثيراً في أفلامه بتناول عميق لمفهوم السلطة، بمختلف تجلّياتها، محاولاً تفكيك البنى السياسية والاجتماعية في تركيا المعاصرة، وإنْ تكن غالبية أحداثها، رغم معاصرتها، تدور في قرى جبلية أو حدودية، يغلب عليها الوجود خارج الزمن، والابتعاد عن المعاصَرة، والاحتكام أكثر إلى منطق الفرد أو القبيلة أو العشيرة، وإن يُتعامَل مع الدولة المدنية الحديثة، خاصة جهاز الأمن.
في جديده، لا يحيد ألبر كثيراً عن المقومات نفسها، مع إدخاله هذه المرة عناصر عدّة لافتة للانتباه، أبرزها الدمج الواضح بين الفانتازيا والأجواء الغرائبية، عبر الأحلام والرؤى والواقع. مشاهد عدّة متكرّرة، بعضها مُنفَّذ بإحكام ملحوظ، وبراعة فنية. والآخر يسهل التنبؤ به، وفهم دلالاته، وتخمين جمالياته. لكنّ تضفير هذه المشاهد، في بنية فيلم واقعي للغاية، أتى متّسقاً ومنطق الأحداث والشخصيات والواقع المَعيش في تلك القرية الغريبة. شيوع رؤى وتهويمات كهذه، وشعور المراقبة والتتبع، والتصديق في دلالاتها، يُعمّق الأحداث أكثر، ويكسب الشخصيات مصداقية وواقعية أكبر نسبياً، ويجعلها قريبة ومتّسقة جداً ومآلات الأحداث الختامية.
ربما يكون “خلاص” أكثر أفلام ألبر سياسة ومباشَرة وصراحة، على نحو زاعق. هذا أثّر كثيراً، بل طغى على العمق الفلسفي، وسهولة تخمين الحبكة، وأحادية الشخصيات، وعدم تطوّرها. الغريب أنّ هذا لم يفضِ إلى تأثير بالغ على فنيات وجماليات بصرية، ومشاهدة رائعة بين حين وآخر، أبدع مديرا التصوير، باريس أيجين وأحمد سيسجورجيل، في التقاطها، بتوظيف الإضاءة الصفراء غالباً، لخلق كادارات ذات انسجام لوني جذّاب، في مشاهد الديكورات الداخلية. كما اعتمدا، في المشاهد الخارجية، على الإضاءة الطبيعية (ضوء القمر)، أو الصفراء، خاصة الشموع والنيران عند انقطاع الكهرباء، أو مشاهد الحرائق. هذا أسهم في إبراز الجماليات، باستخدام عدسات عريضة، وتوظيف لقطات بعيدة وزوايا مرتفعة، تفنّنت بشكل بديع في استعراض جماليات القرية، ودروبها وأزقتها ودهاليزها وأقبيتها.
إضافة إلى قيام الكاميرا بالرصد والمراقبة، من زوايا علوية غالباً، بسكون وتريث، لأحوال بشر وتصرّفاتهم ومصائرهم. هذه الجماليات، وغيرها القليل، أنقذت الأحداث العريضة، والحوارات الكثيرة الصاخبة، وبعض الأداء المتشنّج. أنقذت الفيلم برمّته من أن ينتهي أمره، بامتياز، إلى مسلسل تركي عادي.
يُحسب لألبر ضبط إيقاع “خلاص” بوتيرة هادئة ومتصاعدة في رصدها الانهيار التدريجي للشخصيات الرئيسية، وأهل القرية المُحاصرة ببيئة مضطربة أساساً، إذ يحوطها الإرهاب، وحوادث العنف، والاعتقالات، والحضور الأمني الملحوظ، ونقاط التفتيش. لذا، تبحث القرية عبر وجهائها عن مَخرَج من أزماتها المستجدة، لكنها تصطدم ببنية اجتماعية، يختلط فيها الديني بالسياسي والأسطوري بالعشائري، ولا تسمح لها بالتحرّر الكامل. على هذه الخلفية، يتفجّر الاشتباك الحتمي بين الفرد والجماعة، والسلطة والجموع، والعقل وغيابه.
تدور الأحداث في مجتمع قبلي صغير، تعيش فيه عائلات متداخلة العلاقات والأنساب والروابط والتاريخ، والكفاح المُخضّب بالدم دفاعاً عن الأرض والقرية. تتعقّد الأمور مع عودة عشيرة منفيّة إلى القرية المجاورة، طُردت منها ومن أراضيها منذ عقود. عندما تطالب باستعادة ما كانت تملكه من أراض، يشتعل النزاع المنسيّ بين عشائر المنطقة، المتنافسة على الأرض والمال والسلطة ـ النفوذ، وتتحوّل المنافسة إلى صراع أعمق، يشمل الدين والهوية والرؤى المستقبلية، ويفضي الشَّحن والارتياب والتشكيك والتعصّب والطائفية إلى مأساة حتمية.
المثير للانتباه أنّ قيادة الأمور يتنازعها الشقيقان النقيضان: مسعود (كانير سيندوروك)، الأخ الأصغر في عشيرة حزيران المهيمنة. تنتابه رؤى مرعبة وغامضة، يعتقد أنها تحذيرات أو علامات أو رسائل إلهية، تدفعه إلى التشكيك في طريقة تعامل عشيرته مع التهديد الجديد، والتفكير في خيارات غير تقليدية لحماية مجتمعه. شقيقه فريد (فياز دومان)، الأخ الأكبر والقائد الرسمي للعشيرة، يحاول السيطرة على التصعيد، وتثبيت وضعه ومكانته في مواجهة الخطر المتجدّد. اختلاف نهجه جذرياً في إدارة الصراع يُسبِّب صداماً بينه وبين شقيقه أولاً، ما يجعل مسعود قائد القطيع، الذاهب به إلى ارتكاب أهوال، بزعم حماية القرية من الخطرين الخارجي والداخلي، فيتجلّى مدى فداحة الانسياق وراء الغوغائية والعصبية، وتغيّب العقل والقيم الأخلاقية.