محمد هاشم عبد السلام
في خطوطه العريضة وتيمته الجوهرية، لا يبتعد “تقليم شجيرات الورد”، للبرازيلي الجزائري كريم عينوز، كثيراً عن نوع أفلام تتناول طبقة الأثرياء، لا سيما العائلات فاحشة الثراء، المنغلقة على نفسها، بسلوكياتها المقترنة بمظاهر انحلال وفساد وجريمة، وتخطّي كل محظور ومُحرّم، في ظلّ غياب أي قانون وضعي أو أخلاقي، وطغيان لذة اقتراف كلّ غريب وشاذ ومُجَرَّم، خاصة المُقترن بالجنس والعنف والقتل.
ورغم الإشارة الصريحة إلى أنه اقتباس حرّ عن “القبضات في الجيوب” (1965)، للإيطالي ماركو بيلّوكيو (شاب يعاني الصَرَع يقتل أفراد أسرته البورجوازية، لأنهم بنظره عبء أخلاقي)، يبتعد “تقليم شجيرات الورد” ـ المشارك في مسابقة الدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/ شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي ـ في خيوط وتفاصيل كثيرة ودقيقة، عن الرائعة الإيطالية الثورية الكلاسيكية، لأسباب عدّة، منها أن الأول ثورةُ فرد، مشحونة بغضب وجود، ومستند أساساً إلى مبرّر نفسي واقعي، والثاني يصوّر تآكلاً، فانهياراً جماعياً لأسرة، لأسباب غير وجودية، أقرب إلى العبثية والجنون. كما أنه يَصُب في النوع الاجتماعي والسياسي.
“تقليم شجيرات الورد” أقرب، بمضمونه وفلسفته وطرحه السياسي بشكل غريب، إلى”سالو” (1975)، لبيار باولو بازوليني، بتقاطعهما في الطرح الجلي والعميق لقضيتي السلطة والديكتاتورية، وبأسلوبهما الخارق لقيود وحدود كثيرة. لكن الفيلم، لأنه عصري الطابع شكلاً ومظهراً وفكرة وطرحاً ومعالجة، يُشرّح ويُدين طبقة تمزج بشكل عجيب بين الثراء والديكتاتورية والأوليغارشية والانفلات والجنون.
انتهج عينوز هذين المسار والنهج، أقلّه بهذا الشكل والأسلوب والمعالجة، بفضل الحضور الطاغي لعوالم أفثيموس فيليبّو، وشخصياته ولغته وبصمته. فهو أحد أهم وأبرع كتاب السيناريو والرواية المعاصرين، المشهور عالمياً بسيناريوهات صادمة، أنجز غالبيتَها يورغوس لانتيموس، التي خَلَقَت مُؤخراً، مع كتاب ومخرجين آخرين، سينما الموجة الغريبة اليونانية. ففيليبّو لم يحد عن أسلوبه المعهود: موضوعات ومعالجات وشخصيات غير متوقعة، وسيادة العبثية، وبرودة المشاعر، والجفاف العاطفي، والسوداوية. حوارات مقتصدة وغريبة، وطافحة بالكوميديا السوداوية. عوالم غير مريحة، وأجواء ديستوبية، تعكس نقداً حاداً للبشر والعلاقات والسلطة، وللّغة أيضاً. وهذا يُبرز بجلاء طبيعة شخصيات وأداء، تمعن بشكل غير طبيعي في الجمود والبرود والآلية، كأنها روبوتات أو دمى دبّت فيها الحياة، أو بشر مُسَرنَمون.
أسرة أميركية فاحشة الثراء تعيش في قصر حداثي الطراز، منقطع حرفياً عن العالم، في كتالونيا. أحاديث عن موت الأم بطريقة غريبة، وتوريثها أفراد أسرتها ثروة طائلة. في هذا الفضاء المغلق، الذي لا خروج منه الوقت كلّه تقريباً، هناك شخصيات لا تعمل، ولا تطمح إلى أي شيء، بل تعيش بفضل تلك الثروة المُنتجة لهذه الكائنات الفارغة، إنسانياً وأخلاقياً: أب أعمى وأولاده الأربعة. عيشهم معاً تجسيد حرفي لحالة طفولة أو مُراهَقة أسرية اجتماعية متواصلة، ورغم أنهم بالغون وناضجون وواعون جداً، فهم منغلقون على ذواتهم، ومُغلقون عوالم عليهم، ولديهم علاقات غريبة جداً، شاذة وشبه مُحَرَّمة أحياناً، تؤكد حتماً انحلال سلوكيات البورجوازية وقيمها وقوانينها.
ما يُعَقِّد الأحداث (يدفعها، يُطوّرها) قرار الابن الأكبر جاك (جيمي بَلْ) مغادرة المنزل، والعيش مع حبيبته مارتا (أَلْ فاننغ). ولأن الأسرة ليست مكاناً للحب والتعاضد، بسبب نظامها السلطوي الأناني الشهواني الشاذ أساساً، يُهدِّد هذا القرار البسيط التوازن الغريب، بل المَرَضي، الذي تعيشه الأسرة، بانتظار انهيار وشيك. ما يُعَايَن من انهيار ودمار في النهاية، دلالة على فساد نظام سياسي واجتماعي أفرزها، وسلطة عمياء حاضرة في الأب (ترايسي لَتْس)، لكنها عاجزة، تتمحور حول ذاتها ومصالحها وشهواتها، وتُحيل إلى عصر كارثي تعيش تفسّخه، ويبلغ الانهيار والتحلّل.
سينما كريم عينوز لم تُخاصم السياسة بالمطلق، لكن السياسة ليست دائماً في قلبها، مقارنة بالجسد والرغبة والعلاقات غير التقليدية والهوية والازدواجية، والحضور البارز لمختلف أنواع البشر، المهمّشين والمضطهدين والمنفيين، والعزف المتكرّر على تيمات الأسرة والذاكرة والجذور، عبر تَنَقّل (يُحسَب له) بين أنواع روائية عدّة. كما أنه استطاع الحفاظ على مستواه، المتوسط أو الجيد في غالبية أعماله الدرامية، بلغات وبلدان عدّة، تراوحت بين الاجتماعي والواقعي والنفسي، والسياسي أحياناً، مع ميل إلى التاريخي، كما في “الجمرة” (2023).
توافق الأفكار والتقاء الرؤى ومغزى الطرح عوامل رئيسية جمعت عينوز بالعوالم الواقعية والغريبة لأفثيموس فيليبو. لكن، يلاحَظ أن العوالم ليست عوالمه المعتادة، وأنها تحمل البصمة المميزة للسيناريست، الذي له مطلق الحرية في صوغ عوالم الفيلم وشخصياته وأجوائه، كالمعهود في سينماه. وبصمة عينوز برزت في إخراج جيّد ورصين للغاية، لا يخلو من سمات فنية وجمالية معتادة، تجلّت في التجسيد الإبداعي لمَشاهد العنف والرغبة والجنس، عبر لقطات مُقرّبة، وأخرى عريضة وبعيدة (أجواء الفيلا ومحيطها عامة)، بمشاركة المُصوّرة الفرنسية، بارعة الموهبة، إيلين لوفار (مُصوّرة معظم أفلامه).
كما تجلّت بصماته البصرية القوية في اختياراته اللونية الملموسة في مختلف التفاصيل، في أغلب المشاهد، وهذه من مميزات أفلامه.