محمد هاشم عبد السلام
قبل أيام قليلة، اكتمل البرنامج الرسمي لدورة التأسيس والانطلاق لـ”مهرجان الدوحة السينمائي الدولي“، التي ستنعقد فعالياتها في العاصمة القطرية الدوحة، ما بين 20-28 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2025، فقد أعلنت تفاصيلها في مؤتمر صحفي عقدته مديرة المهرجان فاطمة حسن الرميحي، والرئيسة التنفيذية لمؤسسة الدوحة للسينما، المشرفة على المهرجان، ومعها فريق برمجة المهرجان.
ومن ناحية بنية المهرجان الهيكلية، تأتي الدورة التأسيسية هذا العام لتحل محل مهرجان أجيال، الذي ظل يُعقد على مدى 12 دورة في نفس الموعد من كل عام. وإن كانت فعاليات وأقسام وجوائز “مهرجان أجيال” ليست بنفس تنوع مهرجان الدوحة وثرائه وضخامة فعالياته، ولا سيما فيما يتعلق بعدد الأفلام المختارة، التي ستعرض في أقسامه المختلفة.

فقد عُرض في “مهرجان أجيال” العام الماضي 66 فيلما من 42 دولة فقط، أما مهرجان الدوحة فسيعرض في شتى الأقسام 97 فيلما طويلا وقصيرا، من 62 دولة.
تتوزع أفلام المهرجان الروائية والوثائقية والرسوم المتحركة، الطويلة والقصيرة، على أكثر من قسم وفعالية بالمهرجان. لكن الحضور الأقوى والاهتمام الأكبر سيكون من نصيب الأقسام التنافسية، التي تضاعفت مقارنة بتلك التي كانت في مهرجان أجيال، وقد أصبح عددها الآن 4 مسابقات رئيسة.
كما تضاعفت قيمة الجوائز التي تمنح في كل قسم تنافسي، حتى بلغت 300 ألف دولار أمريكي، بزيادة أكثر من ضعف قيمة جوائز مهرجان أجيال، مما يجعله من أكثر المهرجانات الدولية منحا للجوائز المادية للأفلام المشاركة في مسابقاته، عربيا وعالميا.
كما حرص مهرجان الدوحة على أن يكون أحد أقسامه التنافسية بعنوان “مسابقة أجيال”، وإبقاء تقليده في مشاركة الشباب من هواة السينما في تحكيمها، كي لا تحدث قطيعة كاملة مع النسخ السابقة، أو التقاليد التي ترسخت مع مهرجان أجيال في نسخه السابقة.
بين المهرجانين مشترك كثير، لكن الأهم واللافت أنهما يراعيان في تقسيم الأفلام المختارة أن توافق التصنيفات العمرية وتناسبها، وهي تتدرج من فئة أفلام مخصصة لسن 4 سنوات، إلى ما فوق 18 سنة، وتلك سنة حميدة يجب توفرها والحرص عليها في كل مهرجاناتنا.
مقارنة فنية بين الرؤية الجامعة للمهرجانين
من ناحية الرؤية الفنية المتجلية في برمجة المهرجانين، يلاحظ مدى الحرص الشديد على الجمع بين أنواع الأفلام كافة في شتى الأقسام، سواء التنافسية وغيرها، فيعرض الروائي بجوار الوثائقي والرسوم المتحركة، وتتاح مساحة كبيرة للأفلام العربية، وتلك القادمة من منطقة الشرق الأوسط.
ومن الملحوظ الانفتاح على الإنتاجات العالمية، والأفلام المعروضة في المهرجانات الدولية، الفائزة بجوائز أو تقديرات، أو لها مستويات فنية وإنسانية رفيعة، سواء كانت بدعم إنتاجي من مؤسسة الدوحة أو لا.
ولم تحِد الاختيارات الفنية في برمجة هذا العام كثيرا عن تلك التي ميزت “مهرجان أجيال”، مع أن ثمة موضوعات عدة، منها الأزمات البيئية، والنزوح بسبب الحروب، وغيرها من الموضوعات الإنسانية، لكن الأكثر بروزا لا سيما في “مسابقة الأفلام الروائية الطويلة”، وأيضا “مسابقة الأفلام القصيرة”، وحتى في قسم “مسابقة أجيال”، هو الحرص على تناول سمة الأسرة، والمشاكل التي يلقى أفرادها في ظل صعوبات الحياة.
وكذلك اختيار أفلام من بطولة فتيات أو فتيان يمثلون مراحل الطفولة أو البلوغ أو النضج، ويؤدون بمهارة أدوارا متنوعة، تعكس مشاكل النضج والبلوغ في مراحل عمرية شتى، أو يعبرون عن مشاكلهم في ظل مشاكل أسرية، تؤثر عليهم وتسحقهم، أو تظهرهم أبطالا يتحملون المسؤولية وينضجون قبل الأوان.
يتجلى هذا مثلا في أكثر أفلام “المسابقة الدولية”، ففي “كعكة الرئيس” للمخرج العراقي حسن هادي، نصاحب بطلة الفيلم الصغيرة “لمعية”، التي تحرص على إنجاز المطلوب منها، مهما بلغت الصعوبات، قبل أن يدهمها الوقت.

وفي فيلم “مملكة القطن” للسودانية سوزانا ميرغني، تحاول البطلة المراهقة “نفيسة” الخروج بنفسها وشخصيتها وقريتها من مرحلة المراهقة إلى النضج، وذلك بالتخلص من عوالم الأساطير والأكاذيب، ثم من عالم السلطة والاحتلال الجديد المقنع، صوب عوالم الحقيقة والحرية والمستقبل المشرق.
أما فيلم “رينوار” (Renoir) للمخرجة اليابانية “تشي هاياكاوا”، فلم يحد كثيرا عن تلك الفكرة العامة، فنرى المراهقة “كيجي” تصارع أحلاما وشياطين في خيالها الخصب وعوالمها الخيالية التي تغوص فيها، محاولة أن تتغلب على الوحدة في ظل مرض أبيها الخطير، وانشغال أمها الدائم بتأمين سبل الحياة، مما يعكس التفكك الأسري في أبلغ صوره.
في حين يطلعنا “البلشون الأزرق” للمخرجة الكندية المجرية “صوفي رومفاري”، على وجه آخر للمعانة أو المشاكل الأسرية، لا سيما في ظل معاناة أحد أفرادها، من إعاقة ذهنية تحول دون التواصل السوي معه، وتدفع الوالدين للإقدام على قرار مصيري بشأن ابنهما المراهق “جيرمي” حفاظا عليه، وعلى حياة بقية أفراد العائلة.
تحليل بقية الأقسام التنافسية أو غيرها، لا سيما موضوعات الأفلام القصيرة العالمية، يؤكد أن برمجة مهرجان الدوحة السينمائي لم تبتعد كثيرا، من حيث الفكرة والمضمون عن الإطار العام لروح مهرجان أجيال ورؤيته الفنية والبرمجية.
ومن الأمور المشتركة بينهما الحرص على الافتتاح بفيلم عربي، فمهرجان الدوحة يفتتح بفيلم “صوت هند رجب” للتونسية كوثر بن هنية، وهو عرضه العالمي الأول في الشرق الأوسط. كما افتتح مهرجان أجيال السنة الماضي بوثائقي عربي هو “سودان يا غالي” للمخرجة التونسية هند المؤدب.
وفي هذا الصدد، يذكر حرص مهرجان الدوحة على الحضور السوداني هذا العام، باحتفالية “أصوات السودان”، التي تجمع بين السينمائي والغنائي، فيشارك فيلمان -روائي ووثائقي- في “المسابقة الرئيسية”، وتقام حفلات موسيقية لعدة فنانين بارزين، منهم مغني الراب أمير محمد الخليفة (أوديسي)، والفنانة غيداء، مما يعكس ثراء وتنوعا في الموسيقى والسينما السودانية المعاصرة.
الأقسام التنافسية في المهرجان
كانت الغلبة للأقسام غير التنافسية، الزاخرة بعدد متباين من الأفلام القصيرة، بأنواعها وأشكالها وموضوعاتها، مثل قسم “بريق” المخصص لأفلام الرسوم المتحركة القصيرة فقط، وقسم “صنع في الأرجنتين وشيلي” المخصص لأفلام قصيرة متنوعة من هذه البلدين، ومع ذلك فإن الأقسام التنافسية بجوائزها المالية لها بريقها بلا شك.
تتوزع الأفلام المتنافسة على 4 أقسام، متباينة التوجهات والبرمجة والفئات المستهدفة، وكان آخر الأقسام المعلن عن أفلامها مسابقة قسم “صنع في قطر”، وفيها 10 عناوين قصيرة متنوعة، لمخرجين ومخرجات من قطر أو مقيمين فيها، وهي:
“العقيق.. الزخم الافتراضي”، للمخرجين محمد السويدي وكمام المعاضيد. و“بابا يذوب”، للمخرج كريم عمارة. و“فهد الغاضب”، للمخرج “جاستن كريمر”. و“هل هذه علامة؟”، للمخرجة ماريا جوزيف. و“مشروع عائشة”، للمخرج فهد النهدي. و“قضاء وقدر”، للمخرج مريم المحمد. و“جريد النخل”، للمخرج مهدي علي علي. و“مسرح الأحلام”، للمخرجة فاطمة الغانم. و“يوم الجمعة”، للمخرجة هيا الكواري. و“فيلا 187” ، للمخرجة إيمان ميرغني.
تتألف لجنة تحكيم المسابقة من المخرجة والممثلة والمنتجة التونسية عفاف بن محمود في رئاسة اللجنة، وعضوية المخرج القطري فهد الكواري رئيس التطوير في إستديوهات كتارا، والمنتج والموزع الأردني علاء الأسعد.
وستمنح اللجنة الجوائز التالية:
- جائزة أفضل فيلم قصير (15 ألف دولار أمريكي).
- جائزة أفضل مخرج (10 آلاف دولار أمريكي).
- جائزة أفضل أداء (5 آلاف أمريكي).
يأتي في صدارة الأقسام التنافسية قسم “المسابقة الدولية للأفلام الطويلة”، ويضم أفلاما أولى أو ثانية لمخرجين ومخرجات من أنحاء العالم، بإجمالي 13 فيلما بين الروائي والوثائقي، وبمشاركة 4 دول عربية. يشارك من فلسطين الروائي الدرامي التشويقي “كان ياما كان في غزة”، للأخوين طرزان وعرب ناصر، والوثائقي “مع حسن في غزة”، للفلسطيني كمال الجعفري.
ومن السودان الروائي الطويل “ملكة القطن”، لسوزانا ميرغني، والوثائقي “الخرطوم” لأنس سعيد، وراوية الحاج، وإبراهيم سنوبي أحمد، وتيمية محمد أحمد، و”فيليب كوكس”. كما ينافس الوثائقي “بابا والقذافي” للمخرجة الليبية جيهان الكيخيا، وفيلم “كعكة الرئيس” للعراقي لحسن هادي.
يرأس لجنة تحكيم “المسابقة الدولية للأفلام الطويلة” المخرج الكمبودي “ريتي بان”، وتشارك فيها المخرجة وكاتبة السيناريو التونسية رجاء عماري، والمخرج والممثل المغربي فوزي بن سعيدي، والممثل التونسي ظافر العابدين، بالإضافة إلى مؤسسة قسم “فاينال كت” في مهرجان البندقية “أليساندرا سبيتشالي”.
وسيمنح أعضاء اللجنة جوائز:
- أفضل فيلم روائي (75 ألف دولار أمريكي).
- أفضل فيلم وثائقي (50 ألف دولار أمريكي).
- أفضل إنجاز فني للفيلم الروائي أو الوثائقي الطويل (45 ألف دولار أمريكي).
- أفضل أداء (15 ألف دولار أمريكي).
- كما سيُمنح الفيلم الروائي أو الوثائقي الطويل شهادة تقدير خاصة.
أما “المسابقة الدولية للأفلام القصيرة”، ففيها شتى أنواع الأفلام القصيرة من أنحاء العالم، ويتنافس فيها 20 فيلما، قُسمت 4 فئات تحمل العناوين التالية، على الترتيب: “سُبُل العبور”، و”آثار باقية”، و”أجنحة الصمت”، و”في انعكاس الضوء”، بواقع 5 أفلام في كل فئة منها.
وتشارك في المسابقة أفلام عربية من فلسطين ومصر والمغرب والعراق ولبنان. وسيكون على رأسها الفيلم الفائز بالسعفة الذهبية للفيلم القصير في مهرجان كان الماضي، وهو فيلم “سعيد لأنك ميت الآن”، للفلسطيني توفيق برهوم.
وسيمنح أعضاء لجنة التحكيم 3 جوائز فقط للأفلام العشرين المتنافسة، وهي:
- جائزة أفضل فيلم روائي أو وثائقي (20 ألف دولار أمريكي).
- جائزة أفضل مخرج (12 ألف دولار أمريكي).
- جائزة أفضل أداء (7 آلاف دولار أمريكي)، مع تنويه خاص.

أما “مسابقة أجيال” فتضم 11 فيلما عالميا قصيرا ذات أنواع سينمائية شتى. وهي مقسمة إلى مجموعتين:
- المجموعة الأولى بعنوان “انتماء”، وتعرض فيه 6 أفلام، وتشارك فيها فلسطين ومصر، وتتنوع بين الوثائقي والرسوم المتحركة والروائي. والمجموعة الثانية بعنوان “بدايات”، وفيها 5 أفلام، وتشارك فيها فلسطين والجزائر، وتتنوع أيضا بين الرسوم المتحركة والروائي والوثائقي.
ومن أبرز ما سيعرض فيها فيلم “نهاية” للفلسطيني ورد كيال، الفائز عنه الشهر الماضي بالجائزة الكبرى للفيلم القصير في مهرجان وارسو. أما مسابقة “أجيال للأفلام الطويلة”، فتشارك فيها 5 أفلام طويلة متنوعة، بين الرسوم المتحركة والوثائقي والروائي، وتحضر فيها فلسطين والعراق من الدول العربية.
يذكر أن أعضاء لجنة تحكيم “مسابقة أجيال” من الشباب المحبين للسينما، الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عاما. وسيحصل الفيلمان الفائزان “أفضل فيلم طويل” على 35 ألف دولار أمريكي، و”أفضل فيلم قصير” على 12 ألف دولار أمريكي. وذلك بناء على رؤية أعضاء اللجنة، واختيارهم لما نال إعجابهم من أفلام طويلة وقصيرة على امتداد أيام المهرجان.
عروض خاصة ولقاءات وتكريمات وحضور فلسطيني
بعيدا عن الجوائز الرسمية والمادية ولجان التحكيم، سيمنح مهرجان الدوحة جائزة بعنوان “جائزة الجمهور”، مخصصة للأفلام الطويلة المشاركة في “المسابقة الدولية للأفلام الطويلة”، و”مسابقة أجيال”، ناهيك عن الأفلام التي ستعرض في قسم “العروض الخاصة”، ذلك القسم الذي سيشهد العرض الخاص لفيلم المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر الأخير “فلسطين 36″، وحضورها مع نجمي الفيلم هيام عباس وصالح بكري.

يؤكد المهرجان دعمه للسينما الفلسطينية، الحاضرة بأنواعها وأجيالها في أغلب الأقسام والمسابقات، باختياره فيلم “صوت هند رجب” لافتتاح المهرجان، بحضور مخرجته التونسية كوثر بن هنية.
وفوق ذلك، تُقام أيضا حفلة موسيقية استثنائية للفنان الفلسطيني العالمي مروان عبد الحميد، المعروف باسم “سانت ليفانت”، الذي يتميز بأسلوبه القائم على دمج اللغات والأنماط الموسيقية المتنوعة.
أما مفاجأة قسم “العروض الخاصة”، فتتمثل في العرض العالمي الأول المرتقب بشدة من جانب الجمهور القطري لفيلم “سعود وينه؟” وهو من سيناريو محمد الإبراهيم وإخراجه، وهو من أفلام الدراما والإثارة والغموض والتشويق والخداع، وتدور أحداثه في منطقة تمزج بين عدة أنواع، تبرز انقلاب السحر على الساحر، لا سيما بين الشقيقين سعود وحمود.

يعد هذا الفيلم أول فيلم قطري طويل يعرض في المهرجان، والروائي الأول الطويل الذي تنتجه إستوديوهات كتارا.
ضيوف المهرجان وأماكن العروض
من الضيوف الدوليين والإقليميين البارزين الذين سيحضرون مهرجان الدوحة السينمائي الدولي، النجمان التركيان “إنجين ألتان دوزياتان” و”هازال كايا”، والممثل الكويتي المخضرم جاسم النبهان، والنجمة التونسية المصرية درة زروق، ومن النجوم العالميين المخرج “ستيفن سودربيرغ”، والممثل رامي يوسف، والمخرج “جيم شيريدان”.
وجدير بالذكر أن عروض المهرجان تتوزع هذا العام على 7 أماكن في أرجاء الدوحة، بداية من حي كتارا، ومتحف الفن الإسلامي وأيضا حديقته المفتوحة، حيث عروض فعالية “سينما تحت النجوم” المجانية، ومرورا بمركز المؤتمرات، ودرب لوسيل، ومشيرب، إضافة إلى قاعات “فوكس سينما”.