محمد هاشم عبد السلام

يُعدّ “هستيريا“، للألماني التركي محمد عاكف بويوكاتالاي، الأبرز والأذكى والأجرأ في تناوله موضوعات شائكة في ألمانيا المعاصرة، تخص مجتمع الأتراك الألمان.

هذا الحضور، القوي والصريح والجريء، للأتراك الألمان لم يظهر منذ “من العدم” (2017) لفاتح أكين. لكنْ، بينما كان بطل أكين، المجرم التركي والسجين السابق، ضحية عنف وجريمة مُنظّمة، في عملٍ مال أكثر إلى أفلام الجريمة، فإنّ جديد بويوكاتالاي ينتمي إلى أفلام الإثارة والغموض والتشويق غير المجانية، إذْ يتّسم بتعدّد الطبقات، وعمق مستويات الطرح، انطلاقاً من الدين، مروراً بحرية التعبير، والفرق بين الواقع والخيال، والعنصرية.

يؤكّد “هستيريا”، الفائز بجائزة السينما الأوروبية في بانوراما الدورة الـ75 (13 ـ 23 فبراير/شباط 2025) لـ”مهرجان برلين السينمائي (برليناله)“، على انشغال بويوكاتالاي بموضوع الأتراك الألمان، الذي تناوله في أكثر من فيلمٍ قصير، وباستفاضة في أول فيلم طويل، “أوراي” (2019، جائزة أفضل أول روائي طويل في “برليناله 69”)، معايناً فيه، بعمق وجدية، مشكلة التلفّظ بـ”الطلاق لثالث مرة”، وحرمان زوج وزوجته من البقاء معاً بنظر العائلة والجالية والمجتمع الإسلامي، وهذا ليس كذلك عند المجتمع والقانون الألمانيين.

تدور الحبكة، وتوليفتها تجمع الإثارة بالتشويق والغموض والسخرية واللغز، حول اكتشاف نسخة محروقة من القرآن في تصوير مخرج ألماني تركي لفيلمٍ يتناول حادثة عنصرية، وجريمة كراهية حقيقية وقعت في التسعينيات الماضية، وراح ضحيتها خمسة أتراك اختناقاً، بعد اندلاع حريق مُتعمّد في شقتهم، نفّذته مجموعة يمينية متطرّفة، بدوافع عنصرية بحتة. حادثة هزّت المجتمع الألماني والجالية التركية آنذاك.

إمعاناً في الواقعية، وضع بويوكاتالاي في ديكور الشقة المحترقة نسخة من القرآن. مُصادفة، اكتشف أحد الكومبارس الأتراك الأمر بعد التصوير، واستغرب من عدم استخدام نسخة اكسسوار بدلاً من إحراق نسخة حقيقية، فأثار مشكلة فجّرت الأحداث.

ملصق الفيلم.

تتعقّد الأمور، وتتشابك الخيوط والأفكار والدراما، خاصة بعد أنْ تبيّن سرقة الأشرطة المُسجّلة عليها المقاطع المُصوّرة، وتصاعدت الشكوك حول الجميع، وليس فقط الكومبارس الأربعة الأتراك، باختلاف توجّهاتهم وتباين وجهات نظرهم وردات أفعالهم وحِدَّتِها، بل أيضاً حول مخرج الفيلم ييجيت (سيركان كايا)، الذي يبدو أنّه لا يعبأ إلّا بمسيرته المهنية، وتحقيق فيلمه، بصرف النظر عن أيّ شيء؛ والمُنتجة ليليث (نيكوليت كريبتز)، الراغبة في إنجاز الفيلم وإنجاحه بأي ثمن؛ ومساعدة المخرج إليف (ديفريم لينجناو)، الشابّة الطامحة إلى الترقّي ونيل مساحة أكبر في الفيلم، والراغبة في التغطية على سرقة الأشرطة التي كانت بعهدتها.

تزداد الضغوط بعد معرفة وزارة الثقافة بالأمر، وشركات التأمين، والخشية من رد فعل المجتمع التركي الألماني، ما يضع الجميع إزاء مواقف كارثية، عملياً وأخلاقياً، وضرورة التصرّف، واتّخاذ قرارات حاسمة. تعقّد الأمور يقود أيضاً إلى حبكة بوليسية جيدة وذكية، يُتّهَم فيها الجميع. وفي الوقت نفسه، تخفّف من حدّة الطرح، وجدّية المعالجة، وعمق الحوارات الشائكة. هنا، تبرز أهمية السيناريو، وبراعة كتابته، إذْ تتجلّى مهارة خلق التوتّر والتشويق والإثارة، بصُنع غموضٍ وارتياب في كلّ شخصية، وتحميلها جوانب تبيّن مدى استفادتها أو تضرّرها من السرقة.

في “هستيريا”، طرح بويوكاتالاي أسئلة جمّة، سياسية واجتماعية ودينية، وعن أهمية السينما المعاصرة ومصداقيتها: من يتحكّم في حرية الفنان؟ من تخاطب أعمال كهذه، ترغب في التحدّي، أو تتّسم بالجرأة، أو تكسر محرّمات؟ هل فيها غطرسة وإهانة وتحقير متعمّد، أمْ مجرّد جهل بالآخر وثقافته، أمْ أنّها ببساطة دليل عدم اكتراث وتجاهل لغير الغربيّ؟ هل تُصنع هذه الأفلام لتبرئة الأوروبي، وتبييض وجهه العنصري، أو للتعبير عن حريته وتسامحه، أمْ تُنجز للاشتباك الجادّ الحقيقي مع قضايا مسكوت عنها في المجتمع؟ هناك أسئلة أخرى أيضاً، إنسانية وأخلاقية، متعلّقة بالهجرة والعنصرية والتديّن، تطرحها، ببساطة وصدق ومن دون افتعال، شخصيات الفيلم، أبرزها: هل أنّ حرق نسخة حقيقية من القرآن يُحقِّق حرية الإبداع، أو المصداقية الفنية، أو الاقتراب من الواقع؟

بجرأة وذكاء، وعبر أسئلة وإشكاليات متفجّرة، وأداء جيد ومُعَبِّر، وبلا حوارات ونقاشات وجدالات ساذجة تُثير فتنة، ومن دون تنميط صورة العربي أو المسلم أو المتديّن أو المتطرّف، وفي إطار بوليسي تشويقي يستوعبه الجمهور ويتفاعل معه بسهولة، يستكشف محمد عاكف بويوكاتالاي العلاقات المعقّدة والمتناقضة، كقضية الإيمان والتديّن والهوية بين مختلف أجيال الأتراك الألمان، ونفاق سياسات التنوّع وصدق التعدّدية والتعايش وقبول الآخر والتسامح، في ألمانيا، تجاه جالية كبيرة وعريقة كالجالية التركية، تُمثّل عصباً حيوياً في المجتمع والاقتصاد والتاريخ الألماني المعاصر.

عنوان الفيلم (هستيريا) انعكاسٌ لحالة التوتّر والضغط وشبه الجنون التي في شخصياته، وفي طريقة تصرّف كلّ شخصية مع الشخصيات الأخرى، وإزاء ما يواجهه الجميع من مواقف ومعضلات، خاصة أنْ لا إجابات سهلة بخصوص قضايا دينية وفلسفية وسياسية حساسة، وتحديداً عندما يظنّ الجميع أنّهم على حقّ.