وارسو – محمد هاشم عبد السلام

تشهد فعاليات “مهرجان وارسو” في دورة الـ42 (9 – 18 أكتوبر/تشرين أول، 2026)، برنامجًا حاشدًا يضم 190 فيلمًا، منها 132 طويلا، و58 قصيرًا. من بينها 102 فيلم كعروض عالمية أو دولية أو إقليمية أولى، بإجمالي 330 عرضًا. مهنيًا، تستحوذ المنافسات الرئيسية الأربع، “المسابقة الدولية”، و”مسابقة 1–2″، و”مسابقة الوثائقيات”، و”مسابقة الأفلام الدولية القصيرة” على اهتمام ومتابعة أكبر، مقارنة بالأقسام الأخرى، رغم تعدد وتنوع المعروض فيها.

شعار مهرجان وارسو السينمائي الدولي.

تاريخيًا، تنبع أهمية المهرجان الأساسية من كونه أحد أهم نوافذ اكتشاف الأعمال الجديدة في سينما أوروبا الوسطى والشرقية، ليس من خلال الأسماء الكبيرة وحدها، وإنما عبر مزيج متوازن من سينما المؤلف الراسخة، والأصوات الصاعدة، والأعمال المُجددة، وإبداعات السينما البولندية، وأفلام المهرجانات العالمية المعروضة في وارسو للمرة الأولى. 

اللافت في برنامج هذا العام ليس فقط تنوع جغرافيته، بل ذلك الخيط الواضح الذي يجمع عددًا كبيرًا من الأفلام المتمحورة حول الإنسان المعاصر، ومحاولته استعادة السيطرة على حياته في عالم أصعب من قدرته على السيطرة أو الاحتمال. كما أن الحرب، والذاكرة، والعائلة، والعزلة، والهوية، والحب، والشعور بالذنب، والهجرة، موضوعات غير غائبة. إذ تحضر كخلفيات متداخلة ومشتركة، من فيلم إلى آخر، في مختلف الأنواع والأطوال.

“المسابقة الدولية”: واقعية وسياسة وكوميديا سوداء

تضم 15 فيلمًا روائيًا طويلا، تكشف اختياراتها عن رغبة واضحة في الجمع بين سينما ذات حضور عالمي، وأفلام أكثر تجريبًا ومجازفة واكتشافًا، تتجاور فيها الواقعية والسياسية مع العبث والكوميديا السوداء، بما يعكس اتساع مفهوم الفيلم الروائي في المسابقة، وعدم خضوعه لقالب جمالي بعينه أو اتجاه واحد. بهذا المعنى، لا تبدو المسابقة معنية بتقديم الراهن بقدر محاولة رصد الطريقة التي تعيد بها السينما المعاصرة النظر إلى الإنسان عندما يصطدم بالتاريخ والسياسة والعائلة والصدفة، وغيرها. في تعدد واضح لنبرات يجمعها الانشغال بشخصيات تعيش على شفا تحولات واقعية ومصيرية حادة.

أبرز المرتقب في المسابقة العرض العالمي الأول لفيلم “اعتراف” للتشيكي ڤاتسلاڤ مارهول، عن سجناء زمن القمع الستاليني، ومن أكثر العناوين المثيرة والمهمة للغاية من بولندا، “ما يخص الآخرين” لجچيجوچ ديمبوڤسكي، المعروض مؤخرًا في قسم “آفاق” في “مهرجان فينيسيا”، وتتعرض فيه لصة منازل لحادث أثناء سرقة شقة. و”عبر الجدار” لماتشى سوبيشاتشانسكي، ويستعيد قصة حب بين سجينين سياسيين بولنديين أثناء الحقبة الستالينية، تواصلا عبر الجدار بشيفرة مورس.

يتابع فيلم “فبراير، سبعة أيام” للأوكرانية تاتيانا موتشنيك، المعروض في “سان سيباستيان”، لقاء شقيقين أوكرانيين في جنازة والدتهما لحظة اندلاع الحرب الروسية. ويعود الليتواني كريستيوناس فيلديوناس إلى منطقة السخرية والعبث بجديده “آلة النرد والاحتمالات”، حيث يجد رجل نفسه عالقًا داخل ما يشبه مصعدًا قديمًا، وعليه حل لغزه ليتمكن من الخروج. بينما يقدم السويدي ينس شوجرين في “رجال دمويون” كوميديا سوداء، عن مراهق تخبره والدته أن والده ليس أبيه البيولوجي، ما يمنحه مساحة أكبر للتصرف بحرية وانطلاق.

كامل الباشا في لقطة من “حوار مع البحر” لمؤيد عليان.

بعيدًا عن الاختيارات الأوروبية، ينافس الفلسطيني “حوار مع البحر” لمؤيد عليان، المعروض مؤخرًا في “تحت أضواء فينيسيا”، حيث نعاين مكابدة أب ليثبت وفاة ابنه الغارق قبل أكثر من عقد بينما تعتبره الوثائق الإسرائيلية حيًا. ضمن إطار الماضي وصلته بالحاضر يأتي “ابنة الجِنِّيَة” للإيراني علي رضا معتمدي، عن مصممة صوت شابة يستدعي عملها في دبلجة فيلم جديد تذكر الماضي وحبيبها السابق. 

من ناحية أخرى، تبدو مسألة الذنب، وما يفعله الزمن بالإنسان، حاضرة في “مينتور” للياباني كيسوكي يوشيدا، الذي يعود إلى حادثة مدمرة غير مقصودة وقعت قبل 15 عامًا لتضع ثلاثة أشخاص أمام ماض لم يُحسم. كما ينافس فيلمان صينيان “أربعة أرباع” لكاي تشنغچيه، ويستعرض أربع حكايات متزامنة، لأربعة أشخاص، في نفس الوقت. ويتناول “أول تذوق لها” للمخرجة يي وين جونج، مراهقة جامعية تتذوق حلاوة الحب والعلاقات الحقيقية، وليس الافتراضية، لأول مرة. بينما يمثل فيلم “اختبار” لسام ماكونيل الحضور الأميركي الوحيد في المسابقة، ويستعرض مأساة تحول مدمر للاعب كمال أجسام بعد هزيمة مريرة.

“مسابقة 1–2”: اعترافات شخصية

على عكس “المسابقة الدولية”، تبدو “1–2″، المتهمة بالأفلام الروائية الأولى والثانية، أكثر التصاقًا بالذات، والاعترافات الشخصية، والبحث عن الهوية. المسابقة التي تضم 15 فيلمًا، تبدو في هذا العام كمساحة لاختبار أشكال جديدة من الحكي والأساليب السينمائية، أكثر من كونها مجرد مساحة لاكتشاف مخرجين جدد، وإن لم تغب عنها مسحة الاكتشافات والتجارب الأولى. تواصل أفلام المسابقة سبر ثيمة الإنسان العالق بين الماضي والحاضر، والرغبة في التحرر والحاجة إلى الانتماء. في هذا الصدد، يُشَبِّه موقع المهرجان أفلام القسم بشخصيات في حالة بحث مستمر عن استعادة السيطرة على حياتها، والعودة إلى أماكن وعلاقات أرادت سابقًا الهرب منها، ومواجهة تاريخ العائلة، والخوف من الوحدة.

في “فريدا” للألماني فيلكس هاسنفراتس، تكتشف صبية أن والديها أخفيا عنها وجود أخت لها. وفي البرتغالي “المراكبي” لسيمـاو كاياتيه، يحاول رجل خرج من السجن بعد 16 عامًا شراء بيانو لابنته. أما “صدى” للبلغاري يوردان بيتكوف فيربط بين رجل مسن يعيش في عزلة وشرطي شاب طموح. وفي الفيلم اللاتفي “المستنقع” لرينيس كالفينش نعاين موضوعًا قاتمًا، بعد العثور على جثة طفل في مستنقع في لاتفيا. بينما يعود الألباني لورين تيريتسي في “أيا” إلى ألبانيا ما بعد الشيوعية، خلال العقد الأخير من القرن الماضي.

أما الفيلم المنتظر ضمن المسابقة فهو “اليوم الأخير” للأميركية راشيل روز. بطولة النجمين أليشيا فيكاندر وفاجنر ماورا، في اقتباس معاصر لرواية فرجينيا وولف، “السيدة دالواي”، حيث يروي يومًا واحدًا في حياة امرأتين بحثا عن ذاتيهما.

من الأفلام اللافتة في القسم، المعروضة بغير مهرجانات، التجريبي “حبيب، وليس محاربًا” للسلوفاكية مارتينا بوتشيلوفا، الفائز بجائزة قسم “بروكسيما” في “كارلوفي فاري”. وهناك “تَمَسَّك بي” للقبرصية ميرسيني أريستيدو، الفائز بـ”جائزة الجمهور” في “صندانس”. والفيلم الجيد والمهم “كل ما يُعيبك” للسلوفينية أورشا مينارت، المعروض في “مهرجان سراييفو”. و”وداعًا للدنيا القاسية” للفرنسي فيلكس دو جيفري، المشارك في “أسبوع النقاد” في “كانّ”. و”هوجو 24″ للإسباني لوك نوليز، المعروض مؤخرًا في “مهرجان مالقة”. وأخيرًا، البولندي القوي والمؤثر جدًا، الحاصل على  “أفضل إخراج” في “مهرجان الفيلم البولندي، “امرأة حرة” للثنائي إليزا جودليڤسكا وآلان روتشينسكي.

“المسابقة الوثائقية”: ملفات تاريخية غير مسبورة

تضم 15 فيلمًا طويلا، وتنشغل أكثر بإعادة فتح الملفات التي يصر التاريخ على تجاهلها أو تركها غير مسبورة. تبدو الوثائقيات المتنافسة أقل اهتمامًا بمجرد تسجيل الواقع أو توثيقه، وأكثر ميلا إلى إعادة تفسيره، مثلا: الاستعمار من خلال الذاكرة، والديكتاتورية من خلال الطعام، والهجرة من خلال الانتماء، والسيرة الشخصية من خلال الصور والرسائل والأرشيف. اتجاه يجعل المسابقة جزءًا أساسيًا من القراءة الإنسانية والسياسية للدورة إجمالا.

الأبرز بينها، الفيلم المهم جدًا “في هذه الأثناء في ناميبيا” للألماني يوناس شبريسترباخ الذي يعود إلى السياسة الألمانية تجاه ناميبيا، وإرث الاستعمار والإبادة. بينما يستعيد “كيف تطعم الديكتاتور” للأميركي أندرو نيل تجارب طهاة عملوا لدى حكام مثل صدام حسين، وعيدي أمين، وبول بوت، وأوجستو بينوشيه، وكيم جونج إيل.

في الفيلم المرح والذكي والتاريخي أيضًا، “يوجو تذهب لأميركا” للصربيين فيليب جروييتش وأليكسا بوركوفيتش، يصبح السفر والهوية، عبر أميركا بسيارة ماركة يوجو، فخر الصناعة اليوجوسلافية، جزءًا من سؤال أكبر عن معنى أن تحمل بلدًا سابقًا معك.

وفي النوعية السيرية يتجه “إنجبور باخمان” للألمانية ريجينا شيلينج لاستعراض محطات في حياة الأديبة النمساوية. ويقترب “جوجي” للأيرلندي إيان ثويل من شخصية الفنان التشكيلي الأيرلندي المعروف.

ومن العناوين الأخرى الجديرة بالمتابعة “نصف لتر من الحبر” للتشيكية إستر جايزليروفا، عن سيرة والدها، الياباني المتخصص في الدراسات اليابانية وفن الخط، وكيف عاين عالمين، تشيكوسلوفاكيا الشيوعية واليابان. أخيرًا، “باباجايو” (Papagayo)، للسوري الأصل عمر العبد الرزاق، المتناول لعلاقة شخصية بين مخرج سوري الأصل، وفنانة إسرائيلية، تتوتر وتتعقد بينهما بعد اندلاع حرب إسرائيل على غزة.

تجارب قصيرة وأخرى مكرّسة

تضم “المسابقة القصيرة” 26 فيلمًا موزعة على أربعة برامج. ما يمنح هذا القسم أهمية تتجاوز مجرد اكتشاف التجارب القصيرة، إذ إن مسابقته مؤهلة لجوائز “أوسكار”. والبرنامج أقرب إلى خريطة متنوعة للمواهب الجديدة من كونه مسابقة ذات اتجاه جمالي واحد.

ومن بين العناوين المستحقة للمتابعة “فيلم قصير عن الحرب” للسوري نديم سليمان، ويتناول، بحسب ملخصه، قصة شاب فلسطيني يدرس الإخراج في بولندا، وينخرط في تصوير فيلم عن الحرب العالمية الثانية، ويؤدي دور نازي. لتتداخل تاريخية الحرب وسؤال الفن عبر السينما والتمثيل، وتحضر الهوية والذاكرة معًا.

ضمن الأقسام الأخرى، تحضر عدة أعمال لمخرجين راسخين ومخضرمين ومكرسين، مثل “حبر” لداني بويل، و”انتفاضة” لبول جرينجراس، و”الحلزون” لباولو ستريبولي، و”فجأة” لريوسوكي هاماجوتشي، و”انظري للخلف” لهيروكازو كوري إيدا، و”فيورد” لكريستيان مونجيو، و”مينتوتور” لأندريه زڤياجينتسيڤ، و”نمر ورقي” لجيمس جراي، و”محبوبة” لرودريجو سوروجوين.

ملصق مهرجان وارسو السينمائي الدولي لدورته الـ42.

في النهاية، ما تقترحه الدورة الـ42 ليس صورة واحدة للسينما المعاصرة، بل عدة صور متجاورة  لعالم يعيش آثار الحرب، ولأفراد يحاولون ترميم عائلاتهم، وبشر يبحثون عن مكان، وفنانين يحاولون فهم ماضيهم، وشباب يمارسون السينما للمرة الأولى بحثًا عن لغتهم الخاصة. وبين المسابقة الدولية التي تنظر إلى العالم من مسافة أوسع، ومسابقة 1–2 التي تقترب من هشاشة التجربة الفردية، والوثائقي الذي يعيد فتح ملفات التاريخ والسيرة الذاتية، والأفلام القصيرة التي تختبر أكثر الأشكال حرية وتنوعًا، يبدو “مهرجان وارسو”، وكأنه يسأل سؤالا واحدًا بصيغ مختلفة: أيمكن للسينما فهم الإنسان بينما عالمه، الداخلي والمحيط، عصي على الاستيعاب؟