محمد هاشم عبد السلام
هل الوطن مساحة جغرافية نغادرها، أم حصيلة كل ما ارتبطنا به، ويطاردنا بعد رحيلنا منه؟ أيمكن العيش بسهولة في أرض جديدة، من دون أن تُصبح الحياة منفى دائماً؟
سؤالان تطرحهما ثلاثة أفلام (2025): “أرض مفقودة” للياباني أكيو فوجيموتو، و”مدينة لا تنام” للإسباني غييرمو غالوي، و”ماتريارخ” للنيوزيلندية كيث أكوهاتا براون، عن الهجرة وضياع الأرض، وحياة التشتت والترحال، وتبعاتها. ورغم هيكلياتها القائمة على دراما شبه تقليدية، ما تتوفر عليه من جماليات بصرية، وإحكام تنفيذ، وأداء مقنع، جعلها تنقل بعمق تجارب تأملية صادقة، تتقصى معنى الوطن عندما يتحوّل إلى فكرة مُعلّقة، أو أثر نفسي مجهول أكثر منه جغرافيا ملموسة.
تنقل الأفلام حالات الفَقد المكاني وتبعاته، لا بوصف ذلك أحداثاً عابرة، بل مآزقَ وجودية ملازمة. اللافت للانتباه أن القضايا المشتركة بينها غير مطروحة مباشرة، وأن لا ركاكة وافتعالاً وإثارة نفور وعدم تعاطف فيها، رغم استعانة المخرجين الثلاثة بشخصيات حقيقية، لا بمحترفين، يمثلون السكان الأصليين، الذين تعرّضوا لإبادة أو ترحيل أو تهجير، ومحو ثقافة ومجتمع ولغة. كما صنعوا الأفلام باللغات الأصلية، كلياً أو جزئياً، بانحياز ثقافي إلى المقاومة وعدم المحو، أكثر من كونه خياراً فنياً جمالياً أو غرائبياً.
تؤكد الأفلام الثلاثة، بتنويعات مختلفة، أنه رغم فقدان الأوطان، وحياة الترحال وعدم الاستقرار في جغرافيا تحتوي الناس ومصائرهم، عوضاً عن أن تكون مصدر تهديد لهم، فهذا لا يعني تصدّع هوية، وضعف انتماء، ولا يفضي إلى فقدان اللغة والذاكرة. وإن باتت مصائر الشخصيات في عالم ومستقبل ما بعد انقطاع جذور الانتماء، وتداخل حدود الوطن والمنفى، والاستقرار والاقتلاع، في حكم المجهول.
رغم الاقتراب من لاجئي روهينغا ببنغلادش، والغجر وغيرهم بضاحية مدريد، وسكان الماوري الأصليين في نيوزيلندا، لا يُعرف الكثير عن ماضي الشخصيات ودوافعها ومحرّكاتها النفسية. يُعَاين فقط وجودها المادي الراهن والمؤقّت في المكان، وتُرافَق في ارتحالها. ورغم كونها شخصيات مغتربة، ليست فاعلة، ولا قدرة لها في تقرير مصيرها، وأغلبها مراهقون، خاصة في “مدينة لا تنام” و“أرض مفقودة”، نَقَلت مشاعر الفَقْد والتيه، لا بوصفها فكرة مجردة، بل أحاسيس وانفعالات مؤثّرة، تسرّبت مأساتها بهدوء إلى الوعي، بعمق وصدق.
ورغم الدراما المحبوكة والمشوّقة، تُعتبر الأفلام الثلاثة وثيقة معاصرة، تسجّل المسكوت عنه سينمائياً. إذ لأول مرة يتناول روائي درامي قضية الروهينغا، ويُسمِعنا لغتهم. ولعلها المرة الأولى أيضاً التي تُصوَّر فيها حياة مجتمع الماوري النيوزيلندي، ومعتقداته وتراثه ولغته، والتي يقترب فيلمٌ من أحد أكبر المجتمعات العشوائية في أوروبا، المتاخمة لمدريد، وقوامه الأساسي من الغجر. الجميل أيضاً توظيف المخرجين الثلاثة أفلام الرحلة أو الطريق لا بوصفها ذريعة فنية بحدّ ذاتها، بل محاولة رصد ومُراكمة تفاصيل صغيرة جداً، ومشاعر عاطفية متقلّبة بعنف، وآلام فَقْد وتيه، في رحلة مشوّقة وقاسية، تلامس الكارثة.
في “أرض مفقودة”، يعود فوجيموتو إلى موضوعه الأثير، الذي تناوله في أكثر من فيلم: الهجرة من الوطن. الآن، اختار الهجرة القسرية لثلاث شابات فيتناميات إلى اليابان، ومجدّداً عبر أسرة صغيرة من ميانمار. بهذا، تناول قضية الروهينغا، في أول فيلم عنهم، وناطق بلغتهم. فيه رصد للتهجير القسري لعائلة مضطهدة من اللاجئين، لكن هذه المرة بعيون الطفلين شافي (أربعة أعوام) وشقيقته سموميرة (تسعة أعوام)، ورحلة معاناتهما، وما فيها من مخاطر وجوع وموت محدق، بغرض الوصول إلى عمهم في ماليزيا، هرباً من الحياة المؤلمة في بنغلادش. أما عنوان الفيلم، فيُترجَم استعارةً مزدوجة: أرض ضائعة، تمّ الاستيلاء عليها من دون أمل في استردادها أو العودة إليها؛ وأرض مفقودة، لم يُعثَر عليها بعد، ولا شيء يؤكد ماهيتها، أو إذا كان سيعثر عليها أصلاً.
“مدينة لا تنام” خليطٌ بديع ومحترف بين الروائي والوثائقي، يواصل غالوي فيه مشروع اشتغاله على فضاءات منسية، وسكان يُنظَر إليهم غالباً بوصفهم أرقاماً أو مشكلات، لا ذوات لها ذاكرة وحاضر ومستقبل. ففيلمه هذا توسعة لفيلمه القصير “رغم حلول الليل” (2023)، استعان فيه بالصبي أنتونيو فرنانديز نفسه، لرصد “كانيادا ريال”، أحد أكبر أحياء مدريد وأوروبا عشوائية.
المكان، المحكوم بالقلق والخطر وانقطاع الكهرباء وانتفاء الأمن، وبعدم اعتراف حكوميّ، يكاد ينفجر، لتعرّضه لرياح التغيير العاصفة. تُقدَّم المنطقة المهمّشة كياناً حياً، يرصده توني (15 عاماً) وأسرته تجار الخردة، قبل مغادرتهم الحي. تتكثف الحالة الوجودية، وتُلقي بثقلها على الشخصيات، مع اقتراب اتخاذ القرار النهائي بالانتقال إلى شقق حديثة، وحياة مدنية أجبروا على عيشها، ما شكّل قطيعة مع حياة وذكريات.
إلى ذلك، يجمع “ماتريارخ” بين السينما التقليدية والجماليات المشهدية، بتقديمه رحلة درامية، تستعرض جماليات الطبيعة والتراث الثقافي النيوزيلندي للسكان الأصليين، في بحثٍ شخصي عن الهوية والانتماء والجذور، عبر علاقة مُعقّدة بين هامو (هينتو ديل)، كبيرة مجتمع الماوري، وجو (دارين كريستيان)، الشابة الهوجاء المنفصلة عن عالمها الثقافي. يتقاطع مصيرهما، رغم كل شيء. الفيلم ليس فيلم طريق عادي، بل محاولة رصد ملامح الحفاظ على الهوية والتقاليد في عالم سريع التغير، عبر تصارع شخصية جو مع جذورها والماضي الذي تركته خلفها، بينما تحاول هامو الحكيمة الارتباط بالأرض واللغة والتراث حتى آخر نَفَس.