محمد هاشم عبد السلام
لا شك في أن عام 2025 يُعتبر عام السينما الفلسطينية بامتياز. والمؤكد أنه العام الذي شهد الكمّ الأكبر من الإنتاجات السينمائية الفلسطينية، في مختلف الأنواع. اللافت للانتباه أن الأمر لم يقتصر على مجرد زيادة كميّة تصادف حدوثها هذا العام، فقد واكبت هذه الزيادة الكميّة زيادةٌ نوعية أيضًا. إذ لم يغب عن هذه الإنتاجات اختلاف في الرؤى، وفي الثراء البصري، وفي الطموح الفني المغاير للمعتاد، وإن تراوح مستواها الفني في النهاية بين المتوسط والجيد والرائع. ما جعلها بالإجمال تسترعي انتباهًا أكثر، وتنال مساحة أكبر من الاهتمام النقدي، وتشغل الجمهور العالمي قبل المحلي.
صحيح أن الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة هذا العام لم تكن بنفس الكمّ ولا القوة، مثل السنوات الماضية، لكن المثير أن الإنتاج الروائي القصير الفلسطيني كان لافتًا ومتميزًا جدًا، كمًّا وكيفًا، وأفرز أسماء جديدة واعدة. وإن كان الاهتمام الأكبر في النهاية قد انصبّ على الأفلام الروائية الطويلة، “صوت هند رجب” للمخرجة كوثر بن هنية، و”كان ياما كان في غزة” للأخوين طرزان وعرب ناصر، و”اللي باقي منك” لشيرين دعيبس، و”فلسطين 36″ للمخرجة آن ماري جاسر، المعروضة في مهرجانات دولية عديدة مثل تورنتو وكان وفينيسيا والقاهرة والدوحة والبحر الأحمر وقرطاج وغيرها. وإن كان أكثرها عرضًا وجوائز وإثارة، سلبًا أو إيجابًا، فيلم “صوت هند رجب”.
اهتمام عالمي غير مسبوق
بعيدًا عن التناول النقدي العميق، والتحليل الجاد الراصد لهذه الأفلام، وبصرف النظر عن أي اعتبارات متعلقة بتفاوت مستويات، أو تعليقات على زوايا تناول أو طرح أو جماليات معالجة، فقد أسهمت الأفلام الأربعة فعلًا، ومن دون تخطيط مسبق، في لفت الأنظار بشدة إلى السينما الفلسطينية هذا العام، مقارنة بالسابق. ليس فقط من خلال حضور هذه الأفلام في مهرجانات دولية أكثر من السابق، ونيلها ترشيحات وجوائز غير مسبوقة، بل من حيث مستوى الانتشار والعرض والتوزيع عالميًا. أسهم في هذا بلا شك أن الأفلام، بخلاف كونها تحمل توقيع مخرجين ومخرجات وأبطال باتوا تقريبًا معروفين على الساحة الدولية، ولهم حضورهم ومساهماتهم، تتسم بالكثير من الصدق الفني، والأهم من هذا البعد عن الادعاء، والميلودرامية، والابتزاز العاطفي.
صحيح أن لأحداث غزة نصيبها في لفت الانتباه إلى هذه الأفلام لكن ليس بشكل رئيسي، وإلا لحظيت أعمال العامين الماضيين بنفس الاهتمام والتفاعل والاهتمام أيضًا. من ناحية أخرى، لا شك في أن الدعم الذي حظيت به بعض هذه الأعمال، من نجوم ونجمات عالميين معروفين، كان له نصيبه في تزكية واتساع رقعة انتشارها وعروضها وترشيحاتها. كما كان لوصول ثلاثة منها مؤخرًا إلى قوائم “أوسكار” وأحدها لقوائم “الجولدن جلوب” فعل السحر بالنسبة لهذه الأفلام. ما يؤكد أنها ستحظى بمزيد من المراجعات النقدية، والجوائز. وقبل هذا، طبعًا، اتساع رقعة العروض والمشاهدات بشكل أكبر، وهذا هو المطلوب، أصلًا من هكذا أفلام. دون تحميلها أكثر من طاقتها الفنية، أو الحلم بانتزاعها لـ”أوسكار” فلسطيني، بعد مرور عشرين عامًا على أول مشاركة فلسطينية على الإطلاق في الـ”أوسكار” (“الجنة الآن” لهاني أبو أسعد).

سياق معاكس
بعيدًا عن سياق الإقبال العالمي والتناول الإعلامي، والترشيحات والجوائز وغيرهما، نالت هذه الأفلام الكثير من الانتقاد أيضًا، ليس لعيوب جمالية أو فنية أو غيرهما، بل لتوجهاتها بالأساس. كان من بينها أن مثل هذه الأعمال تستغل الأوضاع الراهنة، وتتاجر بالقضية وبما حدث ويحدث في غزة لتحقيق أقصى استفادة.
وبصرف النظر عن دعمنا الفني والنقدي لهذه النوعية من الأفلام، أو المآخذ عليها، لكن من المستحيل معارضة وجودها. لا سيّما وأنها ليست اختراعًا، بل تنتمي إلى نوعية ترى في السينما أداة مقاومة معرفية ووجدانية، وربما وسيلة توثيق سياسي، وتثقيف فكري، وإعادة تعريف أو تذكير بما مضى. ويكفي الرجوع إلى تاريخ السينما، القديم والمعاصر، للوقوف على كمية الأعمال المتناولة لموضوعات لا تقل أهمية عما أثارته الأفلام الفلسطينية هذا العام. وكيف أن إنتاجات كثيرة لا تملّ من تكرار تناولها، أو حتى فرضها وإقحامها لموضوعات بعينها، فقط، للإبقاء على هذه الموضوعات حيّة في الذاكرة العالمية، ودفع البعض لعدم نسيان عُقد الذنب، أو لأغراض ابتزازية أو غيرها. من بين هذه الأعمال المشهور جدًا في تاريخ السينما، والمتسم بضخامة إنتاجية فعلًا أو بروعة فنية ومهارة حِرَفية، ومنها، أيضًا، المفتعل والضحل، حتى إن كان بتوقيع كبار المخرجين. وعليه، لماذا إذًا لا يحق للسينما الفلسطينية ما يجوز لغيرها، منذ عقود؟ خاصة وأن ما تقدمه لا يتجاسر على التاريخ، ولا يزيّف حقائق ووقائع، ولا يعزف على أوتار العرق والدين والتفوق، لأغراض خاصة غير خافية.
وبعيدًا عن أي شيء، علينا ألا ننسى أن هذه النوعية من السينما أو الأفلام موجودة، وستظل. صحيح أنها تظهر وتختفي، أو تضعف وتقوى، وفقًا لأمور كثيرة، سياسية وتمويلية بالأساس، لكن ما يُعرف بسينما “الشهادة التاريخية”، وغيرها من تيارات مماثلة موجودة على امتداد تاريخ السينما العالمية بنماذج عديدة. سواء في سينما أميركا اللاتينية عن فترة الديكتاتوريات مثلًا، أو في سينما ما بعد الإبادة أو ما بعد الاستعمار، أو سينما المحرقة وما بعدها، ناهيك بسينما السكان الأصليين. هذه السينما، إجمالًا، تحاول ألا تجعل من المتفرج مستهلكًا للصورة فحسب، بل شاهد أخلاقي يقظ الضمير أيضًا. ومن ثم، فهي سينما غير حيادية، ولا تدّعي عرضها لوجهة نظر متعددة. المهم فيها توفّر الدقة التاريخية والموضوعية بقدر هائل، وربما توفّر بعض المستويات الفنية والجمالية الرفيعة. وسواء اتفقنا معها أو لا، أحببناها أو كرهناها، دعمناها أو عارضناها، ستظل موجودة في النهاية كنوع من التوعية والتثقف وإنعاش الذاكرة، والإشارة بأصابع الاتهام تجاه ما يستوجب المحاسبة والإدانة.
من ناحية أخرى، حتى إن افترضنا العكس، أي صحة الاتهامات الموجهة للأفلام الفلسطينية، فيمكن القول إنه حتى وإن وُصِمَت بالابتزاز أو الاستغلال أو أو أو، فلا ضير إطلاقًا. إذ في ظل قلة الحيلة، والعجز التام إزاء حدث جلل، حدث ولا يزال يحدث في فلسطين، وغزة تحديدًا، فإن إنتاج بضعة أفلام “تستغل”، أو “تنتهز” الحدث، أو تمارس “الابتزاز” أو تخاطب عواطف وذاكرة الجمهور، أو “تستفيد” من حالة الزخم والاحتشاد والتعاطف العالمي مع غزة، لا ضرر فيها بالمرة. حتى وإن رأى البعض أن هذه الأفلام مصنوعة للغرب بالأساس، وأنها، مثل “فلسطين 36” أو “اللي باقي منك” أو حتى “صوت هند رجب” لا تضيف الكثير للجمهور المطّلع على موضوعاتها، خاصة الجمهور العربي الذي يعلم هذه الأحداث والتواريخ عن ظهر قلب، فهذا قول فيه الكثير من الصواب. وإن أغفل أنه، في ظل هذه الأوضاع المزرية من التجهيل المتعمد في عالمنا العربي، ثمة العديد من الأجيال التي لا تعلم الكثير ولا تعبأ بما حدث فعلًا، تاريخيًا أو حتى آنيًا. ومن ثم، فهذه الأفلام ضرورية أيضًا لإنعاش ذاكرة أجيالنا.

ضرورة استثمار النجاح
ذكرنا سابقًا، أكثر من مرة، في مقالات نقدية عديدة، أنه بات من الضروري ألا نتقاعس عن تمويل أفلامنا، وتقديم قصصنا، وسرد رواياتنا الخاصة، وألا ننتظر كالمعتاد أن يأتي الآخر ويقوم نيابة عنا بما يتوجب علينا القيام به. وها هي قطرة في بحر المطلوب إنجازه تتحقق هذا العام. وبصرف النظر إن كان ما تحقق عن تخطيط مسبق أو لا، وعن النتيجة أو المحصلة الفنية النهائية، إلا أن الخطوة الإنتاجية المنجزة محمودة، وضرورية، ولا بد من استثمارها، واستكمالها، بالمواظبة، العام تلو الآخر، على تقديم المزيد. وذلك، بصرف النظر عن كمّ التحفظات، أو حتى أوجه الاستهجان أو الاختلاف أو الرفض لما ستأتي به من مستويات فنية أو معالجات أو حتى أفكار. إذ مع تراكم الخبرات والتجارب، الناجمة عن كثرة الأعمال المنتجة، سيسهل معالجة الأخطاء وتطوير المستويات، والوصول إلى تحقيق التوازن الاحترافي المطلوب بين الشكل والمضمون، وبين الفن والهدف المُراد تحقيقه.
إذًا، المهم والضروري جدًا الآن استثمار نجاح أفلام هذا العام، والبناء عليه، لفرض حضور سينمائي فلسطيني دائم، بإمكانه أن يروي للعالم الكثير والكثير. استنادًا إلى مخزون ثقافي وتاريخي ونضالي وإنساني هائل، لا يكاد ينفد، مهما نهل منه. إضافة إلى إمكانية، بل وحتمية التوسع للاستفادة من روائع الأدب الفلسطيني، الذي قدم للمكتبة العربية وحتى العالمية روايات رصينة وعميقة وفنية، تستحق التقديم على الشاشة، في ضوء معالجات بصرية تليق بها. إذ سيؤدي هذا في النهاية إلى خلق حالة من التنوع المطلوب لهذه السينما، كي تخرج سريعًا من المرحلة الراهنة، لتخاطب المشاهد العالمي بلغات وأساليب وجماليات أخرى تخدم غرضها.
سمات تجمع بين الأفلام
بالعودة إلى الأفلام الأربعة، وبعيدًا عن تناولها للشأن الفلسطيني من زوايا ورؤى مختلفة، غير متشابهة أو مكررة، نلاحظ أن ثمة عودة إلى الماضي، سواء القديم أو المعاصر، لتسليط الضوء على جوانب مختلفة في تاريخ الصراع. سواء تجلى هذا عبر محاولات اجتهادية، لا بأس بها أبدًا، لإنجاز ملحمة تاريخية، كما في “فلسطين 36″، انطلاقًا من أحداث هذا التاريخ، المُهملة كثيرًا. أو من خلال عمل عابر ومتعدد الأجيال، ينطلق من نكبة 1948 ليمزج التاريخ بالخيال، كما في فيلم “اللي باقي منك”. أو من خلال العودة إلى بدايات هذا القرن، كما في “كان ياما كان في غزة”، وتوظيف الجريمة والإثارة والسخرية والفيلم داخل الفيلم لطرح أسئلة عميقة وشائكة. أو بالعودة إلى ما جرى قبل عامين تقريبًا، كما في “صوت هند رجب”، استعانة بالشكل السينمائي الهجين، الجامع بين الوثائقي والروائي، بغية توظيف الخيال لتقديم الحدث بطريقة واقعية مؤثرة.
المثير أن هذه الأفلام تجمع بينها سمات فنية كثيرة جيدة، كما ذكرنا، مثل درجة كبيرة من الاحترافية، والعمق، والطموح، وجودة الصورة والأداء. أما أبرز ما لفت الانتباه، ملاحظ أنه في أكثر من فيلم ثمة لوم للنفس، وتأكيد على أن ثمة خونة وعملاء ومتاجرين ومستفيدين وانتهازيين… إلخ. برز هذا جليًا في “فلسطين 36” من خلال شخصية أمير بك (ظافر العابدين) أو بطريقة مواربة من خلال شخصية خالد (صالح بكري). أما “كان ياما كان في غزة” فتقريبًا يتمحور حول هذا الأمر تحديدًا، مؤكدًا أنه ليس الجميع أبطالًا أو ملائكة أو فدائيين أو شهداء. إذ ثمة النقيض تمامًا، وهذا عادي وطبيعي وإنساني، واستحالة ألا يخلو منه مجتمع أو بلد، مهما كان ما يواجهه من صعوبات وعقبات وتحديات وعدوان. وثمة تلميح لهذا أيضًا في اتهام متبادل بين اثنين من المسعفين في مركز الإسعاف في “صوت هند رجب”. ومن ثم، بتنا أخيرًا نرى نماذج فلسطينية مغايرة، وجرأة على تقديم اتهامات ولوم للنفس.
من ناحية أخرى، يجمع بين هذه الأفلام أيضًا عدة عيوب، أو مشاكل فنية أضعفتها بعض الشيء. وإن لم تنتقص من مضمونها كثيرًا، وتفسد ما بدت عليه من تشويق إلى حد بعيد. وقد تمحور أغلبها باختصار حول ضبط السيناريو. تحديدًا، الأحداث الفرعية والشخصيات الثانوية. كذلك تكثيف للدراما، والابتعاد عن الإطالة والثرثرة، وتجنب بعض المباشرة أو الجانب التلقيني أو المدرسي.
أخيرًا، لا شك في أن الأفلام الأربعة حاولت استعراض جوانب مغايرة في القضية الفلسطينية، تاريخيًا وآنيًا، بصدق وأمانة وجدية، باعتبارها سُبّة في جبين عالم يدّعي التحضر، وكجرح أخلاقي مفتوح، وكمشكلة إنسانية لا ينبغي أن تستمر في ظل عالم ينشد السلام، وليس تكريس الاحتلال والإبادة. أما المؤكد فعلًا، فهو أن هذه الأفلام تنتمي إلى سينما لم تبتز العالم عبر فلسطين، بل سينما تُحرِج العالم عبر فلسطين. وتُعيد إخراج الضحية عن صمتها، وتسليط الضوء عليها، ليس كمجرد أرقام عابرة أو صور بعيدة، بوضعها أمام المتفرج، أيًا كان مكانه، ليحتكم إلى نفسه وضميره وصدق ما يشاهده.