محمد هاشم عبد السلام
عاماً تلو آخر، يتأكد أنه لا ينبغي الاستخفاف بسطوة شركات وشبكات الإنتاج والتمويل والتوزيع السينمائي الكبرى، وعلاقاتها العامة، وما تحشده إعلامياً وترويجياً لأفلامها، إلى درجة الزجّ بها في المهرجانات الكبرى، وفرضها في المسابقات الرئيسية تحديداً، للمنافسة على الجوائز، والحشد لاختيارها في الأفضل والأحقّ في تصنيفات العام وجوائزه. هذا ظلم فادح لأفلام أجود غالباً، لكنها لا تتمتع بسطوة ترويجية، وإمكانات تسويقية، وعلاقات خاصة.
حتى في ظل هذه العلاقات غير البريئة، لم تحظ آخر أفلام مخرجين كبار (إنتاج 2025)، كفاتح أكين وسبياستيان ليليو ولاف دياز ورادو جود وغيرهم، بتغطيات نقدية محترمة، أو باهتمام صحافي لائق، فقط لأنها لم تعرض في المسابقات الرئيسية للمهرجانات الكبرى، أو لأنها لم تفز بجوائز أو ترشيحات.
هناك أفدح من ضعف وفتور المتابعة والتغطية والاهتمام، وهذا يتكرّر كثيراً: التجاهل التام لأفلام، كان مخرجوها يحظون بالمتابعة، لأسباب عدة: اثنان من أقطاب الإخراج في سينما أوروبا الشرقية، هما البلغاري ستيفان كوماندريف والجورجي جورج أوفاشفيلي، اللذان لهما “صنع في الاتحاد الأوروبي” و”القمر أبي” (تباعاً). قبل عامين، نال كوماندريف اهتماماً وترحيباً كبيرين، بعد فوز “دروس بلاغا” بجائزة الكرة البلورية، في مهرجان كارلوفي فاري ـ 2023. أوفاشفيلي ذاع صيته بعد فوز “جزيرة الذرة” بالجائزة نفسها، لكن عام 2014. هذا ليس معقوداً على أنهما صاحبا جوائز، بل لأنهما علامتان فارقتان في تاريخ صناعة السينما الأوروبية. فما بالك بغيرهما، أو بالشباب؟
في جديده، خاطب كوماندريف العقل والمنطق، عبر وقائع متلاحقة وأحداث مكثفة، بصفته متخصصاً في تشريح الجسد الاجتماعي لأوروبا الشرقية. كما أكد تميز أعماله بلغة سينمائية واقعية، خشنة ومباشرة، مبتعداً عن التجميل الدرامي، ومركّزاً على ما يُسمى سينما الأخلاق والمآزق، التي يواجهها الفرد المسحوق في الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية المتوحشة.
بينما أكد أوفاشفيلي، في مخاطبته الوجدان بلغة الصورة والصمت، أنه أحد أبرز شعراء السينما المعاصرين، وأهم رواد سينما الصمت والتأمل والفلسفة، وأنه صاحب رؤية بصرية فريدة، وكادرات/لوحات فنية مذهلة غالباً، وإن استفزت شاعريتها، ذات اللمسة السياسية غير الخفية، الضمير الأوروبي، ووضعته دائماً أمام نفسه، وفضحت مساوئه.
“صنع في الاتحاد الأوروبي” اتهام مباشر لمنظومة العمل الأوروبية، وصرخة تحاول إيقاظ المستهلك الأوروبي من غفلته، وتوضح له أن أغلب الأثمان المدفوعة مقابل رفاهيته مُستلبة من أفراد يحاولون البقاء أحياء. كما يفضح زيف مفهوم العدالة، خاصة العدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروات، ودفع الضرائب.
إيفا (جيرغانا بليتنيوفا)، تبلغ 43 عاماً، وتعمل في مصنع نسيج بلغاري. تُستغلّ هي وأقرانها المسحوقون بمالكٍ إيطالي رأسمالي، يُنتج علامات تجارية أوروبية كبرى. يُستعْبَد العاملون والعاملات في ظروف غير آدمية، تحت لافتة “صنع في الاتحاد الأوروبي”. ومع انتشار كورونا في المدينة، لا يعبأ المالك. عندما تصاب إيفا بالوباء، تكون هي الضحية، وتنالها وابنها اتهامات ونبذ وعنف من الجميع.
لا نشهد سقوط امرأة واحدة بمفردها، كبلاغا العجوز، ضحية عصابة النصب والاحتيال عبر الهاتف، بل سقوط منظومة كاملة، قوامها مئات النساء والرجال المسحوقين يومياً، لتلبية متطلبات الإنتاج المسعور. هؤلاء بالكاد يجنون الكفاف، من دون السماح لهم براحة مَرَضية عند الضرورة.
بنَفَس وثائقي قليلاً، يحاكي كوماندريف نبض الماكينات وخطوط الإنتاج وجو العمل الخانق، وينقل هذا كله بصدق، في لقطات المصنع، ويرصد العاملين والعاملات خلف ماكينات الخياطة. رغم الواقعية، وصدق الأحداث، وفضح الواقع الأوروبي، لا يقع الفيلم في فخ الواقعية المفرطة، مقدماً مقارنة لا تختلف كثيراً في الفيلمين، بين السقوط الفردي المدوي على أيدي رجال عصابة صغيرة، والاستغلال الجماعي للعمالة الأوروبية الرخيصة على يدي قطب رأسمالي.
في “القمر أبي”، يعود أوفاشفيلي كعادته إلى التأمل في العلاقات الشائكة والمضطربة دائماً بين الإنسان والأرض والذاكرة والوحدة، خاصة بين الإنسان والحدود الجغرافية (نهر، جزيرة، غابة)، الحاضرة دائماً في أفلامه، كما الحدود الداخلية، المرتبطة بالماضي والذكريات أساساً، أو الحدود بين الأجيال.
يلتقي الصبي توما (جيورجي جيغوري) والده نيمو (غيفي تشوغواشفيلي)، الذي اختفى عندما كان عمره عامين. يدعوه الأب إلى قرية أجداده، والمكوث في بيتهم القديم، ريثما ينقل إليه التقليد الأسري العريق في صيد الغزلان. خلال وجودهما، لا يرحب السكان بعودة نيمو، لأسباب لها علاقة بالماضي (السجن)، ما يثير الاحتقان والتهديد وتجدّد الرغبة في الانتقام. أخيراً، وبسبب عناد نيمو، تقع المأساة. رغم هذا، يتعلم توما البقاء حياً، والنجاة بنفسه، والاستقلال، وإتقان حرفة أجداده، بعدما كان يخشى الصيد، ويعزف عنه.
رغم الحضور والاقتران اللصيقين بين الحدود الجغرافية والسياسية في أفلامه، ابتعد أوفاشفيلي عن السياسة والجغرافيا السياسية كثيراً، للغوص بحميمية وشاعرية بالغين في الذاكرة الشخصية، والماضي القريب، ولقاء الأجيال. يحاول توما ووالده استكشاف أحدهما الآخر لأول مرة، في حبكة شاعرية ذات بنية تقليدية، وأحداث غير متطوّرة على النحو المعهود.
يؤكد أوفاشفيلي مجدداً جماليته الخاصة، وسينما الحوارات المقتضبة، والديكورات المتقشّفة، واللقطات الطويلة، وزوايا التصوير الواسعة، والإضاءة الطبيعية، خاصة توظيف ضوء القمر لخلق جو شاعري ساحر، يُوَلِّد طبيعة صامتة في عمق الريف الجورجي البديع، في الصيف والشتاء معاً. وهذا في خلط وتداخل وإلغاء وتحرر من الزمن المعهود، بهدف استغلال الطبيعة وتقلبات الفصول، لا كخلفية، بل كلغة تعبير عن الفَقْد والبحث والاكتشاف، ونفي المنطق وحساباته لمصلحة الوجدان والحس.