كارلوڤي ڤاري – محمد هاشم عبد السلام

تحتفل مدينة كارلوڤي ڤاري، وجمهورية التشيك، بمناسبة سينمائية غاية في الأهمية تخص مهرجانها الأكبر والأعرق، إذ يُصادف هذا العام الاحتفال باليوبيل الماسي، أو الدورة رقم 60 في عمر المهرجان، والتي ستنعقد فعالياتها من 3 وحتى 11 يوليو/تموز 2026، وفي الوقت نفسه الاحتفال بمرور 80 عامًا على تأسيس وإطلاق المهرجان لنسخته الأولى في عام 1946، كثاني أقدم مهرجان سينمائي في القارة الأوروبية، بعد “مهرجان فينيسيا”.

ضمن هذا الإطار التاريخي الاستثنائي، تجري استعدادات غير مسبوقة للخروج بدورة تاريخية تبقى في الذاكرة طويلًا. وقد تم الكشف عن بعض الاستعدادات والترتيبات الجارية منذ عدة شهور، كي تخرج النسخة الاحتفالية هذا العام وقد جمعت ولخَّصت تاريخ المهرجان بمختلف محطاته الفارقة، وصولًا إلى النسخ العصرية الحديثة. وذلك ضمن احتفالية كبرى تمزج القديم بالحديث، من خلال معارض للصور الفوتوغرافية، والعروض الأرشيفية، والمناسبات الخاصة، والاحتفاليات الفرعية، وسلسلة فيديوهات جديدة تكشف، منذ عام 1946، عن اللحظات الأشهر في تاريخ المهرجان. إضافة إلى إطلاق قسم “80/60 – من الماضي”، ليعرض عشرين فيلمًا مختارًا بعناية من دورات سابقة، ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بتاريخ المهرجان، واعتُبرت من أهم وأبرز الأفلام التي أسهمت في ذيوع وترسيخ اسم وهوية وسمعة المهرجان؛ ومن بينها: “مسألة حياة أو موت” (1947) لمايكل باول وإيمريك بريسبرجر، و”الريح المتحولة” (1962) لجلاوبر روشا، و”الغرباء” (1977) لميرنال سين، و”كيس” (1969) لكين لوتش، الفائز بـ”الجائزة الكبرى للمهرجان”، و”مراقبة القطارات” (1996) لداني بويل، وغيرها من الأفلام المهمة المُعاد ترميم أغلبها. وهذا في سياق رؤية تؤكد على التكامل والتناغم بين فكر أعضاء الإدارة الحالية، أصحاب النهج العصري المواكب لأحدث التطورات السينمائية، والرؤى الرائدة التي دشنها أسلافهم على مدى عقود المهرجان، والحرص على استكمال المسيرة بطابع حداثي يتيح للجيل الجديد ترك بصماته العصرية الخاصة.

لقطة من المؤتمر الصحفي للإعلان عن تفاصيل الدور 80/60.

غموض الأرقام وتباينها

يُعزى السبب الرئيسي في تضارب أرقام الدورة الماسية الحالية، أو “ستينية المهرجان”، ومرور 80 عامًا على تأسيس وانطلاق أول دورة للمهرجان، أي بعدد دورات أقل بعشرين دورة تقريبًا عن عدد السنوات منذ تأسيسه، إلى التناوب الإجباري الذي اضطر إليه المهرجان لأسباب سياسية بالأساس، كانت مرتبطة بالحرب الباردة وهيمنة الكتلة السوفياتية على البلاد.

كان المهرجان قد تأسس ليُعقد سنويًا في الأصل، وظل كذلك في الفترة من عام 1946 وحتى عام 1958. أما فكرة “العامين”، أو تعثر انتظام الدورات سنويًا، فترجع إلى عام 1959. إذ بعد تدشين “مهرجان موسكو السينمائي الدولي”، اتُّخذ داخل المعسكر الاشتراكي القرار السياسي المُلزِم بألا يكون هناك سوى مهرجان واحد من الفئة “الأولى” كل سنة للدول الاشتراكية، ولكونهما من المهرجانات المصنفة ضمن الفئة “الأولى”، صار “كارلوفي فاري” يتناوب مع “موسكو”: سنة في كارلوفي فاري وسنة في موسكو، واستمر هذا النهج حتى عام 1993. وقد عاد المهرجان إلى انتظامه السنوي المعتاد ابتداءً من عام 1994، بعد انقضاء الحقبة الشيوعية وانفصال التشيك والسلوفاك.

الملصق الرسمي الخاص بدورة هذا العام الاستثنائية.

كانت فعاليات الدورات الأولى تُقام في مدينتين متجاورتين: ماريانسكي لازني (مارين باد بالألمانية) وكارلوفي فاري. وكانت الأفلام تُعرض أولًا في ماريانسكي لازني، وفي اليوم التالي في كارلوفي فاري، قبل الاستقرار النهائي على كارلوفي فاري وحدها. تم إحياء هذا التقليد عبر أفلام مختارة من البرنامج العام، تُعرض بداية من مطلع يوليو/تموز في المسرح البلدي التاريخي في ماريانسكي لازني، التي تبعد مسافة ساعة تقريبًا، أو أقل من 50 كم عن مدينة كارلوفي فاري. تشتهر ماريانسكي لازني أيضًا بكثرة الينابيع الحارة، والمصحات الاستشفائية، وزيارة كبار الشخصيات لها، مثل: غوته، وكافكا، وفاغنر، وشوبان، وإبسن، والملك إدوارد السابع. كما خلَّد المخرج الفرنسي آلان رينيه المدينة في فيلم يحمل اسمها بعنوان “العام الماضي في مارين باد” (1961)، الحاصل على “الأسد الذهبي” في “مهرجان فينيسيا”.

المهرجان كعائلة

قال أيقونة التمثيل التشيكي الراحل يري بارتوشكا، المدير السابق للمهرجان لثلاثين عامًا وأحد أعمدته والمؤسسين له، في وثائقي عن حياته وتاريخ المهرجان، عُرض في افتتاح دورة العام الماضي بعد وفاة بارتوشكا المفاجئة: “البعض يأتي إلى المهرجان لمرة واحدة ولا يعود يذكره أو يرجع إليه، والبعض الآخر يبقى جزءًا من العائلة، ووفيًا للمهرجان وأهله”. تلك هي الخلاصة العميقة والصادقة فعلًا لفلسفة المهرجان وجوّه العام، بدايةً من العاملين فيه، ومرورًا بالإعلاميين وأهل الصناعة، ووصولًا إلى الجمهور. مثلًا، بعيدًا عن الجيل المؤسس، مثل الراحلين يري بارتوشكا وإيفا زورالوفا، نجد أن الجيل الجديد، كاريل أوخ المدير الفني، وكريشتوف موخا المدير التنفيذي، كانا من شباب الهواة المترددين على المهرجان في بداياتهما. ثم عملا بدوام جزئي لسنوات، قبل أن ينضما بشكل كامل للعائلة. وبالتدريج تسلما قيادة المهرجان منذ عقد ونصف العقد تقريبًا، تحت إشراف وتوجيهات ونصائح “الأبوين” المخضرمين، بارتوشكا وزورالوفا.

الاستعداد تجري في محيط فندق “تيرمال” مقر انعقاد أغلب الفعاليات.

الأمر ذاته ينسحب على الأطقم العاملة في المهرجان، إذ يوجد اليوم نحو 1500 من العاملين في الوظائف الأساسية والفرعية، من السائقين إلى التقنيين ورجال الأمن والضيافة وغيرهم. معظمهم بدأت علاقتهم بالمهرجان منذ 15 إلى 20 عامًا. ورغم امتهان الغالبية لمهن أخرى، منهم الأطباء والمحامون والمهندسون، فإنهم يأخذون إجازة للتواجد خلال فترة المهرجان. في هذا يتجلى المعنى الكامل والنموذجي للمهرجان، وروح فريق العمل، ما يُسهِّل جدًا قيادة الأمور وسلاسة الإدارة. والأهم أنه يجعل المهرجان أقرب إلى مفهوم العائلة حقًا، وينزع عنه الكثير من الرسمية والبيروقراطية والتراتبية والفوقية، وغيرها من التعقيدات أو حتى الانتهازية الموجودة في غيره من المهرجانات. ولهذا أيضًا نجد أن الإدارة متفرغة في الأغلب للتطوير والتجديد والابتكار، وبناء السمعة، وهذا ما نلمسه فعلًا، لا سيما السمعة الطيبة، والعلاقات الإنسانية الدافئة، والعمل على ترك أفضل الانطباعات المُحفِّزة على العودة عامًا تلو الآخر، وبالأخص عودة الجمهور، فهو العائلة الأكبر الحاضنة والداعمة للمهرجان.

تغييرات برمجية جذرية

من خلال متابعتنا السنوية المتواصلة منذ أكثر من عقد، يمكن القول إن المهرجان لم يشهد تغيّرات جذرية إلا في السنوات الأخيرة. تغيّرات لم تكن مبتغاة لذاتها بقدر مجاراتها للراهن عالميًا، وسينمائيًا بالأخص، بدون الإخلال كثيرًا بما تميّز به المهرجان منذ عقود، أي كونه القلب النابض والعقل المُستكشِف والمُصدِّر لكل ما هو مميّز وفارق وجديد في سينما شرق ووسط أوروبا تحديدًا. لكن تلك البقعة، بعدما طاولتها رياح الرأسمالية وجنون العولمة، وتأثرت هويتها وثقافتها وإبداعاتها، وانتفت خصوصياتها إلى حد كبير، لم يعد منطقيًا الانغلاق على القادم منها دون سواها. ترتب على هذا قرار الإدارة الفنية، في عام 2022، بإلغاء مسابقة “شرق الغرب”، المتخصصة حصرًا في أفلام شرق ووسط أوروبا، بعد تقديمها لأفلام كثيرة لافتة، والتعريف بمخرجين لمعت أسماؤهم لاحقًا. وقد سبق هذا، وتحديدًا في عام 2019، إلغاء مسابقة “الأفلام الوثائقية” الطويلة، وكانت الجناح الثالث للمسابقات الرسمية التنافسية بالمهرجان.

سرعان ما أُعلن عن إطلاق القسم التنافسي الجديد، “بروكسيما”. التغيير والاسم ظلا محل غموض، إذ لم يكن الغرض الفني واضحًا تمامًا. لكن، مع الوقت، اتضح الغرض إلى حد بعيد، وتبددت غرابة الاسم “بروكسيما”، المأخوذ عن اللاتينية، ويعني “القريب” أو “التالي”. أي إنه القسم “القريب” أو “التالي” في الأهمية بعد مسابقة “الكرة البلورية” الرئيسية، والمُكمِّل أو المُتمِّم لها. وتهدف مسابقته إلى اكتشاف مخرجين جدد أو معروفين نوعًا ما، لكنهم يسعون إلى إعادة التعريف بأعمالهم الجديدة أو التجريبية أو المختلفة. أما الاختلاف المحوري، ففي كون المسابقة، على عكس سابقتها “شرق الغرب”، مفتوحة للأفلام من أنحاء العالم. أما الأفلام الوثائقية، فبات المختار منها ينافس في كلا القسمين: “الكرة البلورية” أو “بروكسيما”. بخلاف هذا التغيير الجذري، لم يطرأ الجوهري على الأقسام الأخرى، وإن لوحظت زيادة وتيرة ما بات يقدمه المهرجان من أفلام قائمة على التنوع والاختلاف الشديدين، أو لنوعيات يصعب تصور مشاهدتها في غير مهرجانات، إلا في كارلوفي فاري، لما تتسم به من تجاوز لحدود المعتاد في التجريب والتجديد والشطح الفني، وحتى صعوبة التلقي أو الغرابة أو الجرأة.

تغييرات هيكلية لافتة

أيضًا، كان من الأمور المُفاجئة جدًا إقدام المهرجان، بعد 24 عامًا، على تغيير النِّسَب الخاصة بتمثاله الأيقوني المميّز والفريد والشهير، “الكرة البلورية”، الذي يمنحه المهرجان للفائزين بجوائزه، فقد صار التمثال الكريستالي الشفاف، كلون المياه، لشابة رشيقة متطلعة إلى السماء وتحمل بين ذراعيها كرة بلورية ضخمة، أصغر حجمًا وأقل وزنًا في نسخته الجديدة. إذ كان وزنه 4.5 كغم، وارتفاعه 42 سم، وقد بات الآن، وفقًا للنِّسَب الجديدة، 2.6 كغم، وارتفاعه 34.5 سم.

كما شهدنا منذ عامين إلغاء مكتبة الأفلام التي اعتدنا لسنوات طويلة على حجز مواعيدها، على امتداد اليوم، لمشاهدة ما فاتنا من أفلام، أو إعادة مشاهدة ما نود التركيز عليه، وذلك ضمن الخدمات المخصصة للصحافة. المكتبة متاحة الآن على شبكة الإنترنت فقط، عبر كود خاص، ما يعني إمكانية مشاهدة الأفلام في أي وقت، حتى في غرفة الفندق. يأتي هذا ضمن مواكبة المهرجان، الذي قد يبدو للبعض شديد الكلاسيكية أو بالغ العتاقة أو به مسحة شيوعية باقية، للتكنولوجيا والتطورات الحديثة الموجودة بمختلف المهرجانات.

من “كيس” للبريطاني كين لوتش، “برنامج 80/60″، الجائزة الكبرى للمهرجان عام 1969.

وفقًا للإحصاءات والأرقام المعلنة، والتجديدات الملموسة فعليًا عامًا تلو الآخر، استطاع المهرجان التغلب على أكبر عقبة تواجه أي مشروع كان، أي التحديات المالية. إذ، على عكس السائد، حتى في مهرجانات كبرى، لم يشتكِ طاقم المهرجان من مشكلة التمويل، المستقر على مر السنين، بل والآخذ في الازدياد من عام لآخر. مثلًا، قبل سنوات قليلة، كانت الميزانية 6 ملايين يورو، ووصلت العام الماضي إلى 8.5 ملايين يورو. اللافت أن 75–80% من تمويل المهرجان يأتي من الأموال الخاصة. إذ يدفع الرعاة وشركاء المهرجانات، وبعضهم تتجاوز شراكته ورعايته للمهرجان عدة عقود، أكثر من 50% من إجمالي الميزانية. إلى جانب هذا، ثمة بعض الدعم من الدولة والإقليم والمدينة، لكن هذه الجهات الحكومية الثلاث ليست المصادر الرئيسية أبدًا كما يظن البعض، أو كالمعتاد في مهرجانات أخرى كبرى، ولهذا ثمة استقلالية كبيرة يتمتع بها فريق المهرجان.

إن التطورات السنوية لا تتوقف تقريبًا، ولذا يصعب حصرها في هذه المساحة، إذ دائمًا ثمة الجديد الذي يرغب أفراد هذه العائلة المتكاتفة، منذ سنوات طويلة، في تقديمه للجميع، وعلى رأسهم الجمهور، فالمهرجان من أكبر المهرجانات المفتوحة للجمهور. وكان من بين أبرز ما جرى تقديمه مؤخرًا، وضمن إطار يجمع بين الفني والتجاري، والقيمة والمكسب، توسيع منظومة المهرجان بإطلاق منصة الفيديو عند الطلب. وتدريجيًا، حصل المهرجان على ترخيص تشغيل قناة تلفزيونية في جمهورية التشيك تابعة له، متخصصة فنيًا في عرض أهم وأبرز الأفلام والمسلسلات، القديمة والحديثة، المعروضة به أو بغيره، تُسمى KVIFF.TV، ما أتاح له الوصول إلى قاعدة جماهيرية أوسع، وتعزيز دوره الرائد أكثر كمنصة فنية وثقافية وتوعوية.

أما أبرز التغييرات المعلن عنها حتى الآن، فتتمثل في إقدام المهرجان على تجربة غير مسبوقة. إذ، بالتعاون مع شركة رائدة في مجال إنتاج عروض الطائرات المُسيَّرة (الدرون)، ودعم مجموعة من الرعاة، تقرر استبدال عرض الألعاب النارية الافتتاحي التقليدي، الذي ينطلق في تمام الثانية عشرة مساء ليلة الافتتاح، بأكبر عرض طائرات مُسيَّرة في تاريخ جمهورية التشيك وسلوفاكيا معًا. سيحوّل هذا العرض المذهل متعدد الوسائط سماء المدينة إلى شاشة عرض هائلة، وذلك لمرتين خلال فترة المهرجان، ليتمكن أكبر عدد ممكن من الزوار من الاستمتاع به. العرض الأول مساء 3 يوليو/تموز، ليلة حفل الافتتاح، والإعادة يوم الثلاثاء 7 يوليو/تموز، الساعة 10:30 مساءً.

يُعَدّ عرض الطائرات المُسيَّرة الأكبر في تاريخ المنطقة، ويحمل عنوان “نجوم وفائزون بقصصهم الخاصة”، من تصميم إحدى شركات الإنتاج الفني البارزة، حيث ستقوم بتنفيذه 1300 طائرة مُسيَّرة. وسيروي العرض حكايات عن العزيمة البشرية، والصدفة، والشجاعة، والإبداع، والحظ، في السينما والرياضة والحياة اليومية، بتصميم خاص يتناسب وأجواء المهرجان، ويربط بين معالم كارلوفي فاري الشهيرة، والمؤثرات البصرية والموسيقية والتعليق الصوتي. وهكذا، ستتحول سماء كارلوفي فاري ليلًا إلى أكبر شاشة عرض “سينمائية” في المدينة، إذ يصل عرض بعض الصور إلى 220 مترًا، أي ما يعادل تقريبًا طول ملعبي كرة قدم متجاورين.