كارلوفي فاري – محمد هاشم عبد السلام
افتتحت مساء الجمعة الماضية فعاليات “مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي” (3 – 11 يوليو/تموز 2026)، الذي يشهد هذا العام الاحتفال بدورة مزدوجة في عمر المهرجان العريق، تتزامن مع ستة عقود في عمر المهرجان، وثمانية عقود بالتمام على تأسيس وإطلاق أولى دوراته، وذلك في دورة استثنائية تحمل عنوان “سنة مميزة جدًا 60/80”.
حفل الافتتاح والتكريمات
بدأت مراسم الافتتاح، كالمعتاد، على مسرح فندق “تيرمال” العريق، بعرض استعراضي موسيقي راقص، رائع ومتميز وموجز، تمحور حول محطات تاريخية مهمة في عمر المهرجان، عبر لمحات لأبرز الأفلام المعروضة والحضور من النجوم والنجمات. ترافق هذا مع عزف حي لمجموعة من الأغاني الشهيرة المرتبطة بأفلام عالمية فارقة. بعد العرض، جرى التعريف بالأفلام المشاركة في المسابقتين الرئيسيتين بالمهرجان، “الكرة البلورية” و”بروكسيما”، بواقع 12 فيلمًا في كل قسم. ثم التعريف بأسماء أعضاء لجان تحكيم المسابقتين، وهم خمسة لكل قسم. واللافت أن المهرجان، خلال السنوات الماضية، يحرص على عدم إسناد رئاسة وعضوية لجان التحكيم لنجوم ونجمات معروفين، بل بالأساس لنجوم الصف الثاني في الصناعة، من كتاب، ومنتجين، ومديري مهرجانات، ومبرمجين، ونقاد.
بعد التعريف بالنجوم والنجمات من ضيوف دورة هذا العام، مثل جيسي أيزنبرج وهارفي كايتل، جرى منح جائزة “الإسهام الفني المتميز” للممثلة والمخرجة وكاتبة السيناريو الأميركية ماجي جيلينهال، تكريمًا لمسيرتها كأحد أبرز الوجوه المعاصرة في هوليوود. أعربت جيلينهال عن سعادتها بالحضور والتكريم في المهرجان، بعدما صادفها سوء حظ بالغ قبل عشرين عامًا، عندما فازت بجائزة “أحسن ممثلة” عن دور “شيري سوانسون” في فيلم “شيري بيبي” (2006) للمخرجة لوري كاليار، وفوز الفيلم، أيضًا، بالجائزة الكبرى للمهرجان “الكرة البلورية”. لكن جيلينهال لم تتمكن، آنذاك، من الحضور لتسلُّم الجائزة بسبب تعرضها لحادث طارئ. وأوضحت جيلينهال أن حضورها إلى كارلوفي فاري هذا العام ليس الأول، إذ قامت بزيارة المدينة من قبل وهي في العشرينيات من عمرها، أثناء إعدادها للدراسات العليا في العاصمة براغ. وفي إطار تكريمها، يعرض المهرجان أحدث أفلامها كمخرجة، “العروس!”، وهو إعادة اقتباس حديثة فانتازية معاصرة لعالم “فرانكشتاين”، بطولة جيسي باكلي وكريستيان بيل وبينلوب كروز.

بعدها، تسلم الممثل الأميركي القدير داستن هوفمان جائزة “الكرة البلورية الفخرية” تقديرًا لمسيرته السينمائية الحافلة. وبعد مداعبة طريفة من هوفمان للجمهور الذي استقبله بتصفيق حار وطويل، ألقى كلمة استوحاها من الشريط الذي عُرض لمختارات من أهم أدواره السينمائية. اتسمت كلمة داستن هوفمان، 88 عامًا، بالامتنان للمسيرة التي أنجزها، وكيف أن متعة السينما بالنسبة له تكمن بالأساس في الانغماس الصادق في الإبداع، من دون الانشغال كثيرًا بالمردود، وحصيلة الإنجازات والتكريمات. واختتم كلمته بأن تجربة التمثيل منحته الإحساس بالمرور السريع للزمن وثقله، بعدما أدرك مبكرًا أنه وجد طريقه الذي طالما بحث عنه.
فيلم الافتتاح
في اختيار ذكي للغاية، يتناسب وأجواء انعقاد فعاليات كأس العالم هذا العام 2026، عُرض فيلم الافتتاح الوثائقي، المهم للغاية، “المباراة”، للأرجنتينيين خوان كابرال وسانتياجو فرانكو. يتناول الفيلم بالتحليل الرصين كواليس مباراة ربع النهائي الشهيرة في كأس العالم لعام 1986 بين الأرجنتين وإنكلترا، ليس فقط كحدث رياضي خالد، بل كإعادة قراءة وتأمل في المباراة الخالدة بوصفها ذاكرة سياسية، وساحة لاستعراض التاريخ الاستعماري الشائك الذي امتد لأكثر من قرنين من العلاقات المتوترة بين إنكلترا والأرجنتين. وما انطوت عليه المباراة من عقدة تاريخية، تشابكت فيها الذاكرة الوطنية مع الاستعمار، والحرب، والتعصب، والأسطورة الشعبية.
يتسم الفيلم ببنية غير تقليدية، ومعالجة بصرية غير معتادة، خاصة في الأفلام الرياضية الوثائقية المعهودة. إذ نجدنا إزاء سرد متعدد الطبقات، تتجاور فيه اللقطات الأرشيفية التاريخية لحرب الفوكلاند، مع شهادات للاعبين مهمين على قيد الحياة، مثل كارلوس بيلاردو، وبوبي روبسون، وجاري لينيكر، وبيتر شيلتون، وخورخي فالدانو، وأوسكار روجيري، وخورخي بوروتشاجا، وغيرهم من المعلقين والسياسيين. وقد اعتمد تصوير المقابلات على اللونين الأبيض والأسود، من دون بقية الفيلم، مع التركيز على التقاط كادرات قريبة للغاية، ترصد وجوه اللاعبين وتفاعلاتهم مع الحدث المستعاد. ويتوازى هذا مع مونتاج شديد الحيوية وسريع الإيقاع يتنقل بين أرشيف المباراة، والخرائط التاريخية، وصور حرب الفوكلاند، وغيرها من الوثائق واللقطات الأرشيفية والصور الفوتوغرافية النادرة، من دون أن يفقد تماسكه البنائي، إلا قليلًا. وذلك في ابتعاد تام عن المعهود في الريبورتاجات أو البرامج والوثائقيات التلفزيونية.
دراميًا، وعلى نحو مشوق وجديد، نجح الفيلم أيضًا في تفكيك أسطورة المقولة الشهيرة، “لقد كانت يد الله”، من دون تبسيطها أو تحويلها إلى إدانة أخلاقية خالصة. فالهدف الشهير للأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا، بيده التي لمست الكرة ووجهتها صوب المرمى، يحمل دلالات تاريخية وسياسية وثقافية تفوق قيمة هدف في مباراة. ودون تقديم هذا الهدف الشهير باعتباره مجرد مخالفة تحكيمية صارخة، بقدر كونه علامة ثقافية تحمل خلفها الكثير، مثل الشعور الوطني بالرغبة في الانتقام الرمزي بعد حرب الفوكلاند، وكنوع من انتفاء العدالة، ليس في الملعب فحسب بل في الحياة عمومًا. وكيف أنه يمكن للرياضة أن تتحول إلى مساحة لإعادة إنتاج الصراعات أو تجاوزها في الوقت نفسه. ولذا، يُعد الفيلم من أكثر الوثائقيات الرياضية طموحًا في تاريخ تلك النوعية من الأفلام، لأنه يعيد تعريف مفهوم وطريقة صناعة الفيلم الرياضي، كأداة تتجاوز كرة القدم، في هذا السياق، وتقديمه كمحاولة لفهم العلاقات المتشابكة بين الذاكرة والسياسة والأسطورة.

ولذا، جاء الفيلم، الذي يتزامن مع إحياء ذكرى مرور أربعين عامًا على المباراة التاريخية، على قدر كبير من الطموح في ربط التاريخ السياسي بالحدث الرياضي، بدون التحول إلى محاضرة في التاريخ الاستعماري أو الإخلال بين التاريخ السياسي والرياضي. وعلى امتداد زمن الفيلم البالغ 91 دقيقة، وهي الدقائق ذاتها التي استغرقها زمن المباراة الفعلي، نجدنا أمام وثائقي مشوق جدًا عن ملابسات مباراة فارقة، ودراسة عميقة في رصد العلاقة الغريبة بين اللعب والحرب، وكيف يصير شيء بسيط، كتسديد كرة في الشبكة والفوز بمباراة، جزءًا من هوية وثقافة وتاريخ شعبين.
بعض الأفلام المعروضة
بخلاف المسابقتين الرئيستين في المهرجان، ثمة 12 تظاهرة فرعية غير تنافسية، تعرض تشكيلة مختلفة وثرية من الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والوثائقية، الحديثة والكلاسيكية والمرممة، بإجمالي 130 فيلمًا من مختلف بلدان العالم. وضمن تشكيلته العريضة، يبدو أن المهرجان لا يزال يضع في اعتباره الانفتاح أكثر على مختلف الثقافات والمناطق الجغرافية. وذلك عبر عرض مجموعة من الأفلام التي تكسر الحواجز الجغرافية والثقافية في تاريخه للمرة الأولى. مثلًا، تُعد مشاركة فيلم “جمع الفاكهة” للمخرج البورمي أونج فايو، في مسابقة “الكرة البلورية”، أول فيلم روائي طويل من ميانمار يُعرض في برمجة المهرجان. وذلك في تسليط للضوء على بقعة تعج باضطرابات سياسية واجتماعية وعرقية معقدة. ينسحب الأمر نفسه على فيلم “خمس سنوات وأربعة أشهر” للمخرج إستيبان هويوس جارسيا، المنافس في مسابقة “الكرة البلورية”، فهو أول مشاركة كولومبية في تاريخ المهرجان. ومن خلاله، نعاين بقعة أخرى زاخرة بذاكرة مليئة بالصراعات المسلحة الدامية.
أما المشاركة السويسرية الأولى في مسابقة “الكرة البلورية”، فتأتي عبر فيلم “عائلة سعيدة” للمخرج يان إريك ماك، وذلك بعد ثمانين عامًا على مشاركة أول فيلم سويسري في المهرجان. ورغم بعض الإطالة في الفيلم، فإنه يتناول بمصداقية علاقة بين أم تجد نفسها، بسبب ظل ضغوط الحياة وبعض الإهمال غير المقصود، في صراع مرير من أجل لمّ الشمل مع طفليها، اللذين جرى انتزاعهما منها، ومنحهما لعائلة أخرى.
“الضيف” للدانماركي مادس مينجل، المعروض في ثاني أيام المهرجان، يتناول علاقة مركبة بين أم مضطربة نفسيًا، بعض الشيء، وابنها المبتعد عنها، عمدًا، منذ سنوات طويلة بسبب تصرفاتها. لكن ظهورها في حفل تعميد طفله، بدعوة مفاجئة من شقيقته الصغرى، يقلب الأمور، ويفضح الكثير من الأسرار والعلاقات المضطربة والمتشابكة بين أفراد هذه الأسرة.
وفي تأكيد على أن العلاقات الأسرية ستكون محورًا بارزًا في أفلام دورة هذا العام، وفي ظل الابتعاد الملحوظ في المسابقتين، حتى الآن، عن الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة، تعددت حبكات الأفلام المتناولة للعلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة بمختلف تعقيداتها. وهذا ملاحظ، مثلًا، في الفيلم التشيكي “تشيكا تشيكا”، حيث العلاقة المتأرجحة بين أم وابنها الشاب المهاجر إلى فرنسا، ابتعادًا عن المجتمع شبه الريفي في بلدة تشيكية. ومع عودة الشاب، تتضح تدريجيًا ملامح العلاقة المتوترة، المؤكدة على انفتاح الحاضر المعاصر في مقابل الماضي، وذلك من خلال اعتراف الابن لوالدته بكونه مثليًا، والرغبة في التخلص من منزل الجدة القديم بعد رحيلها، ومحاولته دفع والدته للتخلص من إرث الماضي والعيش معه في فرنسا.
المشاركة العربية
وقع الاختيار على فيلم “قساطل”- أو “أنابيب”- (Pipes) للبناني المتميّز كريم قاسم، إنتاج ميتافورا ومؤسسة الدوحة للأفلام، للمنافسة في مسابقة “الكرة البلورية”. وكانت آخر مشاركة عربية في ذات القسم من خلال الوثائقي اللبناني للمخرج سيريل عريس، “الرقص على حافة بركان” (2023). وحصل الفيلم آنذاك على “تنويه خاص” من لجنة تحكيم المسابقة، في الدورة الـ57.

تدور أحداث فيلم “قساطل” حول حسن الذي، رغم تقاعده من العمل في هيئة المياه، لا يزال جيرانه ينشدون مساعدته فيما يتعلق بأمور المياه وانقطاعاتها وإصلاحها. هذه المرة، القرية كلها تقريبًا على حافة خطر محدق، نظرًا لانقطاع تام للمياه، وتصاعد للتوترات بين السكان، وتحول الأمور على نحو غير متوقع إلى مأساة تتكشف خيوطها تدريجيًا.
بخلاف “قساطل”، تخلو المنافسات من أي فيلم عربي آخر. وإن كانت الأفلام العربية المعروضة من قبل في مهرجانات دولية كبرى حاضرة، كالعادة، في قسم “آفاق”. ويُعرض فيه هذا العام الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج اللبناني سيريل عريس “نجوم الأمل والألم”، والمعروض في “مهرجان فينيسيا” العام الماضي. ومن “مهرجان صندانس” يُعرض فيلم “مياه ساخنة” للمخرج السوري رمزي بشور. ومن “مهرجان كانّ” هذا العام يُعرض فيلم “المحطة” للمخرجة اليمنية سارة إسحاق، و”البارح العين ما نامت” للمخرج الفلسطيني راكان مياسي.