كارلوڤي ڤاري – محمد هاشم عبد السلام
مساء ليلة السبت، 11 يوليو/ تموز الجاري، اختُتمت فعاليات الدورة الاستثنائية في تاريخ “مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي“، المتزامنة مع الاحتفال باليوبيل الماسي لانعقاد الدورة الـ60، ومرور 80 عامًا على تأسيس المهرجان. كانت فعاليات دورة هذا العام قد انطلقت في مساء 3 يوليو/ تموز، في مدينة كارلوفي فاري، مدينة الينابيع الحارة الشهيرة في دولة التشيك، بتكريم النجمين الأميركيين: الممثل القدير داستن هوفمان، والممثلة والمخرجة ماجي جيلينهال.
تكريمات حفل الختام
شهد حفل الختام منح الممثلة الفرنسية جولييت بينوش جائزة “الإسهام الفني”، وهي جائزة شرفية تُمنح للعاملين أو العاملات في الصناعة، تقديرًا لمسيرتهم العريضة ومساهماتهم المتميزة في تاريخ السينما. وقد أعربت بينوش عن سعادتها بالجائزة وبحضور المهرجان كنجمة وممثلة، في حين أنها تتطلع إلى الإخراج السينمائي وإنجاز أول فيلم روائي طويل لها. وكانت بينوش قد عقدت، قبل تكريمها، لقاءً مع الجمهور والإعلام، تحدثت فيه عن تجربتها وهواجسها وطموحها وآخر أدوارها الذي لم تنتهِ منه بعد.
حصلت الممثلة السلوفاكية المخضرمة ماجدة ڤاشاريوڤا على جائزة “رئيس المهرجان الشرفية”، التي تُمنح لعلم من أعلام سينما منطقة شرق ووسط أوروبا، وذلك تقديرًا لأدوارها في تاريخ سينما المنطقة. وفي إطار تكريمها، عرض المهرجان فيلم “طيور وأيتام وحمقى” (1968)، إخراج يوراي ياكوبيسكو. لكن، نظرًا لما واكب هذا التاريخ من أحداث، فقد تم منع الفيلم آنذاك، وظل ممنوعًا لما يزيد على عشرين عامًا. وبعد أكثر من عقدين، وتحديدًا في عام 1990، عُرض في “مهرجان كارلوفي فاري” لأول مرة في دورته الـ27، وفاز الفيلم بجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما (الفيبريسكي).
كما حصل على ذات الجائزة، “رئيس المهرجان الشرفية”، الممثل الأميركي المعروف جيفري رايت، صاحب الأدوار المتعددة في السينما والمسرح والتلفزيون، والذي بدأت مسيرته في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يلمع نجمه وينال ترشيحات مرموقة. وأعرب جيفري عن سعادته البالغة بالعودة إلى المهرجان بعد أكثر من 29 عامًا، عندما عُرض له، من بطولته كممثل شاب واعد، فيلم “باسكيا” (1996) للمخرج جوليان شنابل، عن حياة الفنان الأميركي الراحل جان ميشال باسكيا.

خلال أيام المهرجان، جرى تكريم الممثل والمخرج والمنتج وكاتب القصص القصيرة والمسرحيات، الأميركي البولندي الأصل، جيسي آيزنبرغ، لكونه أحد أبرز الأميركيين تنوعًا في الأدوار والشخصيات. وبهذه المناسبة، عرض المهرجان فيلم الإثارة والكوميديا السوداء “القرين” (2013)، أحد أبرز أعماله، والمأخوذ عن رواية للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي. وفي لقائه مع الجمهور، أعرب الممثل عن كراهيته للكثير مما يحدث في أميركا واختلافه مع الرئيس ترامب، لكنه نفى نيته أو رغبته في الهجرة والعيش في بولندا.
المثير للانتباه، ليس فقط في “مهرجان كارلوڤي ڤاري“، بل أيضًا في مهرجانات مثل “كانّ” و”فينيسيا” و”برلين”، تحديدًا، سيل التكريمات المنهمر، على نحو لافت ويثير الاستفزاز أحيانًا، على العاملين والعاملات في صناعة السينما الأميركية بالأخص.
عن جوائز المهرجان
عقب الإعلان عن جوائز المسابقتين الرئيسيتين للمهرجان، مسابقة “الكرة البلورية” و”بروكسيما”، وقد عُرض في كل واحدة 12 فيلمًا طويلًا، لم يكن من بينها أفلام الرسوم المتحركة، ولا الأفلام الوثائقية الخالصة، ساد الكثير من الجدال بشأن جودة الأفلام التي حصدت الجوائز، مقارنة بأخرى كانت تستحق، وعن جدارة. لكن، يبدو أنه كانت هناك نية لدعم الوافدين الجدد على المهرجان، إضافة إلى مساندة الأفلام التشيكية السلوفاكية التمويل، ما حسم أمر منح الجوائز أكثر من أي شيء آخر. من ناحية أخرى، كانت الغلبة في المسابقتين للأفلام الروائية الطويلة، واتسم أغلبها بالتجديد والتجريب، في مستويات عديدة، أبرزها الاشتغال على الشكل أكثر من المضمون، مع الاهتمام البالغ بالإيقاع المتمهل. ويمكن، ضمن هذا الإطار، أن ننسب أكثر من فيلم إلى ما بات يُطلق عليه عالميًا تيار “سينما البطء”. وذلك في دورة يمكن وصف أفلامها، إجمالًا، بالتأرجح الواضح بين المعتاد الكلاسيكي والتجريبي الطموح.
المثير فيما يتعلق بأمر الجوائز أن أغلب الأفلام المعروضة يصعب تصنيفها بشكل قاطع وحاسم، وفقًا للأجناس والأنواع التصنيفية المعتادة، سواء باعتبارها روائية طويلة أو وثائقية طويلة أو دراما وثائقية (دكيودراما) أو هجينة أو حتى فيديو. وتلك من أهم وأبرز السمات المميزة لبرمجة أفلام المهرجان واختياراته، خاصة في السنوات الأخيرة. كما يصعب فعلًا إيجاد مثل هذه البرمجة، المنفتحة والجريئة والمجنونة، في مهرجانات أخرى عديدة. وإن كنا هذا العام، مقارنة بأعوام سابقة، إزاء جرعة أقل من الأفلام المتسمة بالتجريب والتجديد، والحريصة على تقديم كل ما هو غريب وغير مألوف فكريًا وفنيًا وسينمائيًا، فمن ثم يمكن القول إن الوجبة السينمائية في المسابقتين كانت سهلة نسبيًا، وأمكن استيعابها وهضمها والتفاعل معها، وإن اختلفت أو تفاوتت درجات الاستفادة أو التشويق والإثارة أو الاستمتاع والتحفيز بالطبع. لكن، المؤكد أنه لم يكن من بين الأفلام المُمعن في الاستفزاز أو الغرابة أو الإزعاج أو التحذلق والافتعال.
جوائز مُسابقة “الكرة البلورية“
كان الفوز بالجائزة الكبرى، “الكرة البلورية”، ومبلغ 25 ألف دولار أميركي (مناصفة بين المخرج والمنتج)، من نصيب فيلم “جمع الفاكهة” للمخرج البورمي أونج فايو، وهو أول فيلم روائي طويل من ميانمار يُعرض في برمجة المهرجان على الإطلاق. وكان هذا الفوز من الأمور غير المتوقعة بالمرة. صحيح أن العمل على قدر كبير من الجودة، رغم أنه الروائي الأول لمخرجه، ما مكنه من المنافسة في مهرجان دولي كبير — وهذا يستحق التأمل والتوقف عنده طويلًا، خاصة وأنه لا يمكن القول إن ثمة سينما أو صناعة أصلًا في بورما أو ميانمار — لكن هذا كله ليس مقنعًا تمامًا ولا مبررًا لاقتناصه الجائزة الكبرى.
كان الفيلم قد لفت الانتباه عند عرضه خلال النصف الثاني من المهرجان، نظرًا للأداء الرائع للبطلتين، اللتين استطاعتا ببراعة تجسيد الحدود الحرجة بين الصداقة والحب، الرغبة والكراهية، الغيرة والحنان، وغيرها من التناقضات في علاقة شدّ وجذب، وحب وكراهية، متأرجحة على مدى الفيلم بين فتاتين وحيدتين تعملان في نفس المصنع، وتنتميان لنفس الطبقة الكادحة.
أما جائزة “لجنة التحكيم الخاصة”، وقيمتها 15 ألف دولار أميركي (مناصفة بين المخرج والمنتج)، فذهبت إلى الفيلم الدانماركي “الضيفة” للمخرج مادس مينجل. المثير للدهشة أن الفيلم فاز أيضًا بجائزة “أفضل إخراج”، وذلك في مفاجأة جدّ غريبة، نظرًا لوجود عدة أفلام أفضل وأهم كانت تستحق أي جائزة من الجائزتين. ولن نبالغ لو قلنا إن خروج فيلم “الضيفة” من دون جوائز لم يكن ليثير الانتباه كثيرًا. لكن، ربما مردّ الأمر لتناوله، بمصداقية وجرأة وحِدّة، لعلاقة جدّ مركبة ومحيّرة ومثيرة للشفقة بين أم مضطربة نفسيًا، بعض الشيء، وابنها المبتعد عنها عمدًا منذ سنوات طويلة بسبب تصرفاتها الغريبة. لكن ظهورها المباغت في حفل تعميد طفله، بدعوة مفاجئة من شقيقته الأصغر، يقلب الأمور ويفضح الكثير من الأسرار والعلاقات المضطربة بين أفراد هذه الأسرة المفككة التعيسة، العاجزة عن إيجاد وسيلة للتواصل الصحي، ناهيك عن التفاهم والانسجام معًا.
في مفاجأة غير مسبوقة في “مهرجان كارلوفي فاري”، ذهبت جائزة “أحسن ممثل” إلى الممثل اللبناني غسان سعد، ليكون أول ممثل عربي يحصل عليها، وذلك عن الأداء الصادق في تجسيد شخصية “حسان” في فيلم “قساطل” (أو “أنابيب”) للمخرج كريم قاسم. ونعاين فيه أحوال ويوميات ومخططات حسان بعد خروجه إلى التقاعد من شركة المياه وخروج الأمور عن نطاق اختصاصه. لكن لا يزال حسان، في نظر الجميع، هو المسؤول الذي يلجأون إليه في كل ما يتعلق بأمور المياه، وحسان بدوره لا يتردّد أبدًا في المساعدة، غير أن تطوّر الأحداث يكشف عن بعض الغموض بشأن وفاة أحد العاملين المغتربين العاملين في البلدة.

أما جائزة “أحسن ممثلة”، فذهبت إلى الممثلة السويسرية أنا شاينز، وذلك عن دور “نيكي” في الفيلم السويسري الجيد “عائلة سعيدة”. وتناول الفيلم، وهو أول مشاركة سويسرية في المسابقة منذ ثمانين عامًا على أول مشاركة سويسرية في المهرجان، علاقة أم بطفليها. من الخارج، تبدو صحية بعض الشيء، لكن في عمقها، وبسبب ضغوط الحياة، يتعرض الطفلان للإهمال غير المقصود، ما يدفع بدائرة الرعاية الاجتماعية لحمايتهما والتحفظ عليهما بالطبع. ومن ثم نرى، على امتداد النصف الثاني في الفيلم، صراع نيكي المرير للمّ شمل الأسرة.
جوائز مُ سابقة “بروكسيما“
كالعادة، ركزت النسخة الخامسة من مسابقة “بروكسيما” على الاتجاهات التقدمية والتجريبية والتجديدية في صناعة الأفلام. وإن كان الجانب الأكبر من الاهتمام قد انصبّ على الشكل، ثم التنفيذ، وأخيرًا الصورة المرئية، مع عدم الاكتراث كثيرًا بالعمق الفكري أو الطرح الفلسفي أو الاجتماعي.
ذهبت “الجائزة الكبرى”، 15 ألف دولار أميركي (مناصفة بين المخرج والمنتج)، إلى الفيلم التشيكي السلوفاكي “حبيب، وليس مقاتلًا” للمخرجة مارتينا بوخيلوفا. يهتم الفيلم أكثر بطريقة التنفيذ والشكل السينمائي، وتوظيف التليفون، والكتابة على الشاشة بطريقة جديدة ومبتكرة بعض الشيء. بخلاف هذا، يُعتبر الفيلم، الذي يتسم ببعض الطرافة، مجرد حبكة تقليدية عن علاقة انجذاب ثم تعارف حقيقي وحب، فخلاف فهجر فانفصال، بين مراهقين، يقرران في النهاية خوض معركتهما معًا في ظل عالم غريب ومجنون.
أما “جائزة لجنة التحكيم”، البالغ قيمتها 10 آلاف دولار أميركي (مناصفة بين المخرج والمنتج)، فحصل عليها الفيلم الياباني “محرقة” للمخرج شنتارو شيدا، وهو من أفلام سينما البطء الجيدة بامتياز. يتناول الفيلم يوميات وتسكع وكسل وخمول صبية في العاشرة مهووسة بالمحرقة، سواء الموجودة في مدرستها أو في الحي الذي تسكنه. الصبية الصامتة الصموتة طوال الوقت تنجذب إلى شاب جامعي، تشعر معه بالانفتاح والانطلاق أكثر مما تشعر حتى مع والديها، وذلك في علاقة غريبة بعض الشيء ترصد فترة المراهقة عند الصبية، والنضج عند الشاب، والصداقة الجامعة بينهما.
مُنح المخرج اليوناني إفثيميس كوسيموند سانيديس جائزة “أحسن إخراج” عن فيلمه “شخص كامل تقريبًا”. وفيه يصل أحد المراهقين إلى جزيرة يونانية مجهولة للبحث عن ميراث والده الراحل. ورغم تصوره أنه سينجز الأمور بأسرع ما يمكن، لكن التطورات تمضي على عكس توقعاته، بل ويدهش ليس فقط بما يكتشفه عن ماضي والده وما يجهله عنه، بل كونه لم يترك أي شيء خلا بضعة يوروهات، وحاوية كان يعيش فيها في أواخر أيامه.
أما الفيلم السلوفاكي التشيكي “33 خطوة” للمخرجين أنا وسيمون دوميتشيك، الغريب والمخيف والتجريبي بعض الشيء، فحصل على “تنويه خاص” من لجنة التحكيم. يتناول الفيلم قصة حقيقية جرت وقائعها للبطل الغجري الذي تعرض، خلال سنوات نضجه، إلى هجوم وحشي من جانب نازيين جدد، ما أدى إلى غيبوبة وموت سريري وتشوهات. ورغم تفكيره ومحاولته الابتعاد عن الانتقام والعيش مع زوجته وابنيه في سلام وأمان، فإنه يعلم أن أحد مهاجميه السابقين على وشك إطلاق سراحه، فتعاوده الصدمة وتداعياتها، والرعب من المستقبل، ومحاولة التفكير في كيفية التصرف.
بعض إحصائيات الدورة 80/60
حضر المهرجان في دورته الاستثنائية هذا العام أكثر من 11 ألف زائر معتمد، كان من بينهم 469 من المخرجين والممثلين، بخلاف 1250 من المتخصصين في مختلف جوانب الصناعة، و598 صحافيًا وناقدًا سينمائيًا. أما عدد العروض فبلغ مجموعه 472 عرضًا سينمائيًا، وجرى بيع 133 ألف تذكرة تقريبًا. وتم عرض 180 فيلمًا تقريبًا، بما في ذلك 119 فيلمًا روائيًا، و21 فيلمًا وثائقيًا/روائيًا طويلًا، و39 فيلمًا قصيرًا. وكان عدد الأفلام التي شهدت عرضها العالمي الأول 42 فيلمًا، في حين تم عرض 5 أفلام لأول مرة دوليًا. وبلغت العروض المخصصة لأهل الصحافة والنقد والإعلام 78 عرضًا.
شارك تقريبًا 1250 منتجًا وموزعًا ومبرمجًا وبائعًا ومشتريًا وغيرهم، من ممثلي المؤسسات السينمائية والشركات والتخصصات السينمائية المختلفة. وحضر 505 تقريبًا من محترفي الأفلام. وعُرض إجمالي 38 فيلمًا ومشروعًا قيد التطوير أو الإنتاج، عبر 5 منصات، وذلك على 398 منتجًا و97 موزعًا و138 مبرمجًا سينمائيًا.
أخيرًا، وبخلاف مهرجانات كبرى عديدة لا تعلن عن مواعيد دوراتها القادمة إلا بعد فترة طويلة، أعلنت الإدارة الفنية للمهرجان، قبل انقضاء 24 ساعة على حفل الختام وتوزيع الجوائز، عن مواعيد الدورة القادمة، والتي من المقرر أن تنعقد فعالياتها في الفترة بين 2 – 10 يوليو/ تموز 2027.