برلين – محمد هاشم عبد السلام
رغم التصريحات المتتالية من إدارة مهرجان برلين السينمائي الدولي، خاصة في دورته الأخيرة الـ76 (12 – 22 فبراير/ شباط)، بأنه لا علاقة له بالسياسة، أو أن المهرجان ليس سوى ساحة فنية للأفكار الفنية الحرة، بمعزل عن السياسة، لكن من المعروف للقاصي والداني أن “مهرجان برلين”، منذ نشأته تقريبًا، هو الأكثر سياسةً بين جميع مهرجانات السينما العالمية الكبرى، والأدلة والمواقف والكتابات المؤكدة على هذا أكثر من أن تُحصى.
ورغم أن المديرة الفنية الجديدة للمهرجان، الأميركية تريشا تاتل، استطاعت المرور بدورة العام الماضي بسلام، قدر الإمكان، ومن دون إثارة الكثير من المشاكل أو الجدال الصاخب، وكذلك فيما يتعلق بالمؤتمر الصحافي المنعقد خلال شهر يناير/ كانون الثاني الماضي للإعلان عن برنامج المهرجان وتفاصيل الدورة الجديدة، لكن لم يكد المهرجان يُدشِّن انطلاقته، إلا وتَتالت المشاكل أو الضجة أو حتى الانسحابات الناجمة عن أسباب سياسية بالتأكيد. الأمر هنا ليس معقودًا على فلسطين أو غزة، كما يُخيَّل لأول وهلة، وإن تمحور حولهما تحديدًا، لكنه ينطلق أساسًا من اختلال واختلاط المعايير والقيم والأخلاقيات في عالمنا برمته. وكان آخرها تلك الشعارات القائلة أو الراغبة في الفصل بين السياسة والفن، وضرورة إبعاد السياسة عن الفعاليات الثقافية واللقاءات الأدبية والسجادة الحمراء في المهرجانات السينمائية… إلخ. خاصة عندما لا تكون الأمور متعلقة بشؤون أوروبية أو غربية، أو من تلك المُغرِق في تبنيها والدفاع عنها، مثلما حدث ولا يزال مع أوكرانيا أو إيران. ومن ثم، فالأمور الآن متجاوزة للبرليناله، ولأي مهرجان سينمائي عُقِدَ أو سيُعقد، ولأي فنان كان، وتتمحور بالأساس حول من لم يزل لديه بعض المصداقية، أو الضمير، أو الحس الإنساني، أو فِطرة التفريق بين الخير والشر، وتلك أبسط الأمور، بعيدًا عن استدعاء المذابح والمجازر والتطهير العرقي والحقوق التاريخية… إلخ.
تفجر الأوضاع
تفجر الأمر في أول أيام المهرجان، خلال المؤتمر الصحافي للجنة التحكيم التي يترأسها المخرج الألماني فيم فيندرز، وعضوية المخرج والمنتج النيبالي مين بهادور بهام، والممثلة الكورية الجنوبية باي دونا، والمخرج والمنتج والمؤرخ الهندي شيفيندرا سينج دونجاربور، والمخرج والكاتب والمنتج الأميركي رينالدو ماركوس جرين، والمخرج والكاتب والمنتج الياباني هيكاري، والمنتجة البولندية إيفا بوشتشينسكا، والذي تخلله حدوث انقطاع للبث، يُقال إنه ليس متعمدًا، وذلك أثناء قيام أحد الصحافيين بالسؤال عن الإبادة الجماعية في غزة، وطلب معرفة رأيهم في الأمر، ما جعل المهرجان في مرمى الاتهام بالرقابة والحجر على حرية الرأي والتعبير، الأمر الذي نفاه المهرجان وعلله بوقوع خلل فني. وكان من الممكن أن يمر هذا الحدث مرور الكرام، لولا الجُمل الكاشفة التي قيلت من جانب رئيس اللجنة والأعضاء. إذ تمحور الجدل برمته، واشتعلت الأمور أكثر، للتركيز على ما قاله فيندرز: “لو أنتجنا أفلامًا سياسية الطابع، فإننا ندخل معترك السياسة، وإننا نمثل ثقلًا موازنًا للسياسة، بل نحن نقيضها، وعلينا أن نخدم مصالح الشعب، لا مصالح السياسيين”. رغبةً منه في الخروج من فخ الأسئلة الشائكة، أو محاولة الهروب بـ”ذكاء”، وعدم توريط المهرجان بقول ما قد يُحسب عليه كرئيس للجنة تحكيم، وعدم الزج بنفسه وتاريخه أيضًا، سيما في حال الإعلان عن تعاطفه، ما قد يجلب عليه تهمة معاداة السامية، على غرار ما حدث مع تيلدا سوينتون العام الماضي في البرليناله، حاول فيندرز أن يكون دبلوماسيًا قدر الاستطاعة، لكنه أخطأ بلا جدال وخسر كثيرًا، وكان من الأفضل له أن يصمت.

المثير أكثر مما قاله فيندرز أنه فيما يتعلق بدعم الحكومة الألمانية ومساندتها لإسرائيل، اعترضت البولندية، عضوة اللجنة، إيفا بوشتشينسكا، قائلة: “ثمة حروب أخرى كثيرة تُرتكب فيها جرائم إبادة جماعية، ولا نتحدث عنها، لذا فهذا سؤال معقد للغاية، وأعتقد أنه من غير العدل أن نُسأل عن رأينا، وكيف ندعم أو لا ندعم، وهل نتواصل مع حكوماتنا أم لا؟”. والكلام لا تعليق عليه، سلبًا أو إيجابًا، ما دامت قائلته ترى، برغم كل ما حدث ويحدث حولنا من أهوال، أنه ليس عدلًا مجرد سؤالها عن رأيها أو موقفها بشأن قضية من صميم الأخلاق والفن والثقافة والإنسانية، قبل أن تكون سياسية بحتة أو متعلقة بالشؤون الداخلية لدول أو حكومات أصلًا! إذ بات من البديهيات أن قضية غزة وفلسطين إجمالًا لم تعد مجرد سياسة أو شؤون داخلية، بل حالة إنسانية كونية فارقة بين الضمير وانعدامه، والإنسانية وموتها، وأنها في أبسط صورها هي التمثيل الجلي في عصرنا للصراع بين الخير والشر. وأنه بعيدًا عن أي شيء، إن ضاعت البوصلة المتعلقة بالتفرقة بين الخير والشر، والتفرقة بينهما، ناهيك بالاصطفاف، فليس ثمة داعٍ لأي شيء.
آراء كهذه لا شك أنها مرت مرور الكرام بالنسبة للكثيرين، خاصة في ظل انشغال غالبية الإعلاميين والنقاد والفنانين بالأفلام والفعاليات وسوق الإنتاج وغيرها من الأمور، أكثر من السياسة والاحتجاج والدعم والمنع والحظر والحرية، وما إلى هنالك. أو انشغال المواطن البرليني البسيط بسياسات مدينته المتسببة في مشاكل أدت إلى ارتفاع نسبة الجرائم وقطع الكهرباء وعدم انتظام المواصلات والإضرابات، وليس انتهاءً بالطقس المتقلب ما بين الممطر والمشمس والعاصف والمثلج، وتأثير تراكم الثلج على السير في الشوارع، والناجم عن صراعات الحكومة وأنصار البيئة بشأن رش الملح في الشوارع لمنع الانزلاق، في حين يعارض أنصار البيئة ذلك لأضراره البيئية. وأخيرًا، لكون المواطن الألماني، ومن يعيشون في هذا البلد منذ عقود، يدركون جيدًا كيف ومن هو فعلًا الذي يدير الأمور ويتخذ القرارات، فلم يتوقف الكثيرون عند ما حدث ويحدث في البرليناله، لا هذا العام ولا العام الماضي أو السابق عليه ولا حتى القادم، ولن تتغير الأمور قريبًا فيما يبدو.
ومن ثم، فلم يكن قرار الكاتبة الهندية المعروفة والناشطة السياسية أرونداتي روي (65 عامًا)، الانسحاب من المهرجان مفاجئًا لا للجمهور العادي، ولا للمتابعين وجمهور المهرجان، ولا للمشتغلين بالمهنة، والذين اعتادوا على هذا، خاصة في البرليناله، في السنوات الأخيرة. وعليه، فإن تراجعها عن تقديم أحد أفلامها ضمن قسم “الكلاسيكيات”، فيلم “حيث تُعطي آني تلك الأشياء” إخراج براديب كريشن، الذي كتبت له السيناريو ومثّلت أرونداتي فيه قبل 38 عامًا، تأكيدًا على استهجانها لـ”التصريحات غير المعقولة” التي أدلى بها أعضاء لجنة التحكيم عندما طُلب منهم التعليق على غزة، لم يبدل الأمور كثيرًا، ولا تزال فعاليات المهرجان تتوالى، ونُسي الأمر تقريبًا. إذ باتت حقيقة مواقف الحكومة الألمانية ووزارة الثقافة ومختلف المؤسسات الثقافية الألمانية بشأن فلسطين تحديدًا جليةً للأعمى، فحتى بعيدًا عن السينما، وعلى مدى عامين وأكثر مُنع وانسحب الكثيرون في محافل ثقافية مختلفة، وأُلغيت فعاليات وورش ومعارض وعروض وغيرها الكثير. ورغم ضغوط المثقفين الألمان أصحاب المواقف، لم يتغير أي شيء البتة، بالعكس، ربما ازدادت الأمور سوءًا، وستزداد أكثر لاحقًا.

وقد تزامن عدم حضور أرونداتي مع إعلان مؤسسة “سيماتك – مركز الفيلم البديل”، بالتنسيق مع ورثة المخرجة المصرية عطيات الأبنودي والمخرج السوداني حسين شريف، واستجابةً لدعوة “مؤسسة الفيلم الفلسطيني” لصنّاع السينما، بمقاطعة المهرجان، وبناءً عليه لم تُعرض النسختان المرممتان لفيلمي “أغنية توحة الحزينة” للراحلة عطيات الأبنودي و”انتزاع الكهرمان” للراحل حسين شريف، رغم الإعلان عنهما وبرمجة مواعيدهما في جداول العروض ونقاط بيع التذاكر.
وبعيدًا عن فيندرز والمؤتمر الصحافي وعدم حضور أرونداتي وسحب الأفلام، وبعيدًا حتى عن بعض الاحتجاجات الطفيفة التي شهدتها السجادة الحمراء ضد ما يحدث في إيران، ودفاعًا عن حرية الرأي والتعبير هناك، ومن جانب بعض أعضاء حزب “الخضر” الألماني ضد سياسات الحكومة، عندما سُئلت النجمة الماليزية ميشيل يوه، المكرَّمة بجائزة “الدب الذهبي الفخري” عن مسيرتها المهنية والتي سلّمها لها قبل أيام المخرج الأميركي شون بيكر، عما يحدث في أميركا من سياسات مستفزة وفضائح وتصرفات مستهجنة من الرئيس دونالد ترامب، رفضت الإدلاء بأي تصريحات تخص هذه النقاط، وأعربت صراحةً عن أنها ليست في موقع يمكنها من التحدث عن الوضع السياسي هناك، بجانب أنها لا تعتقد أنها تفهم في هذه الأمور بما فيه الكفاية، وأضافت: “من الأفضل ألا أتحدث عن شيء لا أعرفه”. وهذا الأمر لا يختلف كثيرًا عما فعله فيندرز، بعدم توريط المهرجان ونفسه فيما يمكن أن يُحاسب عليه لاحقًا. الجميل والمفيد في الأمر، ومهرجان مثل برلين وأسئلة مثل هذه، أنها تبين لنا من الصادق فعلًا والمتسق مع نفسه وفنه وضميره، ومن يؤثرون السلامة ويعلون شأن المصلحة الخاصة.
اللافت للانتباه، وبعيدًا عن الأسئلة المباشرة أو حتى الفخاخ الصحافية لأغراض الإثارة والفرقعة الإعلامية، أو الزلة القائلة بالابتعاد عن السياسة وانفصال الفن عنها، وأن السينما تغيّر العالم والبشر وليس السياسة، وغيرها من التصريحات المواكبة لهذه الدورة، أننا نجد ولفرط دهشتنا أن الحجر الصريح الذي بات المهرجان يفرضه علانية في السنوات الأخيرة بحجة السياسة، يسمح بنقيضه، بل ويرحب بما هو سياسي معارض في أفلام كثيرة معروضة في مختلف الأقسام، بما فيها “المسابقة الرئيسية”. أفلام يستحيل القول إنها ليست سياسية أو تفصل بين الفن والسياسة، بل ويمكن القول إن المهرجان تغاضى عن الكثير جدًا فيها، مثل جودة الاشتغال الفني والسينمائي والفكري، والاشتباك الحقيقي، الصادق والأصيل، مع الواقع السياسي، لصالح تناول سياسي سينمائي رديء، صريح أو مبطن، يهاجم من منطلق سياسي بالأساس، الكثير من الأمور الخاطئة أو المسكوت عنها في أكثر من دولة ومجتمع.
السياسة حاضرة في الأفلام
تجلى هذا الأمر منذ بداية المهرجان، وعلى مدى الأيام المنقضية، في فيلم الافتتاح “لا رجال صالحين” للأفغانية شهربانو سادات، المعروض أيضًا في قسم “العروض الخاصة”. ولولا رسالة الفيلم السياسية بامتياز، والمعارضة للبطريركية في المجتمع الذكوري الأفغاني وسيطرة السلطة الدينية، وصعود طالبان وغيره من القضايا، وكونه قادمًا من تلك البقعة تحديدًا وبتوقيع مخرجة أفغانية، ربما لم يكن هذا الفيلم ليُعرض في أقسام البرليناله أصلًا.
كما شهد المهرجان عرض الفيلم التركي السياسي بالأساس، والفني إلى حد كبير “رسائل صفراء” لإلكير شاتاك. وتدور الأحداث حول داريا وعزيز وهما من أعلام الفن التركي، المسرحي تحديدًا، لكنهما يجدان نفسيهما فجأة بلا شهرة أو جاه أو حتى عمل أو بيت، وذلك بعدما انتقدا السلطات ورئيس الدولة. ومن ثم اعتُبرا من أعداء الدولة، والهادفين لقلب النظام، والخائنين، والمحضرين… إلخ من هذه الاتهامات المعروفة. وعليه، فإن الفيلم الجيد للغاية، سيما على مستوى التمثيل، يؤكد إجمالًا على أن المواجهة السياسية مع النظام أو السلطة التركية عواقبها غير محمودة بمعنى الكلمة.

وضمن نفس الإطار يأتي فيلم “بيت الحس” للتونسية ليلى بوزيد، والذي ينطلق بالأساس لينتقد أوضاع المثلية الجنسية في تونس، والقانون التونسي المعارض لها، وأحكامه غير المتماشية مع العصر، وتشدّد الشرطة في الأمر. ينكشف المسكوت عنه مع عودة ليليا من فرنسا لحضور مراسم دفن وجنازة خالها، الذي نتفاجأ بملابسات موته، ونكتشف تاريخه المثلي. في حين تتأكد لنا تدريجيًا علاقة الحب التي تجمع بين ليليا وصاحبتها الفرنسية، وصدمة والدتها وردة فعلها تجاه هذا الموضوع، وتقبلها للأمر من عدمه. على امتداد فيلمها، أغرقتنا المخرجة في تفاصيل ومشاهد وحوارات وأداء لم يكن له أي داعٍ بالمرة، وكان ممكنًا جدًا مناقشة ذات القضية بعمق ووعي وصدق وأصالة، واستغلال الأداء المدهش لهيام عباس بالتركيز فقط على اكتشاف الأم لميول ابنتها، وفوق هذا معرفة والدها بالأمر منذ فترة طويلة، وتقبله له، وهذا في حد ذاته كان كافيًا لصنع دراما راقية.
من بين الأفلام التي خاضت فيما هو سياسي أيضًا، سواء عبر مدخل اجتماعي أو غرائبي أو أنثروبولوجي تاريخي وغيرها، نجد أكثر من فيلم، مثل “داو” للسنغالي الفرنسي آلان جوميز، وفيلم “خلاص” للتركي أمين البر، وفيلم “تقليم الشجيرة” للمخرج الجزائري البرازيلي كريم عينوز، وكذلك الفيلم الألماني بالأبيض والأسود “روز” لماركوس شلاينتزر. إلى جانب هذه الأفلام، وهي لأسماء معروفة عرضت في المسابقة، ومن باب الميل السياسي المتعذر اجتنابه في المهرجان من جانب كافة المدراء الفنيين، وأيضًا إحداث التوازن والتمثيل الجغرافي، حرص المهرجان على عرض فيلمين عربيين بخلفية سياسية صريحة جدًا.
الأول وثائقي من سورية بعنوان “الجانب الآخر من الشمس” لتوفيق صابوني، عن خمسة سجناء يعودون إلى سجن صيدنايا البشع، للتحدث وإعادة تمثيل البشاعات التي حدثت لهم، وبالطبع الإتيان على ذكر جرائم النظام وما حدث في هذا السجن حاضر دون مواربة. والثاني روائي طويل بعنوان “وقائع زمن الحصار” للفلسطيني عبد الله الخطيب. والأخير يؤكد على التواجد الفلسطيني في مسابقة “وجهة نظر” المخصصة للأعمال الأولى، وبالتحديد على حضور غزة، وإن مواربة. صحيح أن الأحداث تتمحور حول أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المحاصرة، في مدينة مجهولة، ومحاولة سكانه المعزولين النجاة من أهوال الحصار المضروب حولهم ومواصلة العيش بكافة السبل الممكنة، لكن الطائرات والقاذفات والقصف المتواصل، وإهداء الفيلم في النهاية، يؤكد على أن غزة هي المقصودة. وإن كان ما تسرده الأحداث، المتصلة والمنفصلة، يمكن أن ينطبق كذلك على تصرفات البشر في أي مكان وزمان في ظل أي حصار.