كانّ – محمد هاشم عبد السلام

“فيورد” (Fjord، يعني حرفياً: مضيق بحري)، الفائز بجائزة “السعفة الذهبية” ضمن فعاليات الدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان “كانّ، أول فيلم لمخرجه الروماني كريستيان مونجيو خارج بلده، بلغة غير لغته، وفريق تمثيل دولي متنوّع. وضمن هذا الإطار يلفت للانتباه وبشدة أن مونجيو، عكس المخرجين الآخرين العاملين مؤخراً خارج بلدانهم، هو المخرج الوحيد الذي شَكَّل اختياره لإخراج فيلم خارج بلده وبلغة غير لغته وجاهة كبيرة جدًا، غير مبنية على المتطلبات الراهنة للإنتاج ذي التمويل المشترك، بل على متطلبات فنية ودرامية بحتة.

ميهاي (سيباستيان ستان)، مهندس إلكترونيات روماني، وزوجته النرويجية ليزبيت (ريناته رنسيفه)، انتقلا مؤخّراً للعيش في النرويج. يُربّيان أولادهما الخمسة وفق قيم دينية محافظة، بل متشدّدة قليلاً. تبدأ الأزمة عند اكتشاف كدمات على جسد الابنة الكبرى، فتتدخّل مؤسّسات الدولة النرويجية في المدرسة، ويأتي متخصّصون اجتماعيون وقضاة، ويُسحب الأطفال من الوالدين لشبهات عنف أسري (أداء رائع وهادئ ومقنع جداً لستان ورينسفه).

تساؤلات عدّة يثيرها “فيورد” كعادة أفلام مونجيو: هل يتّسم الفيلم بالبرود والنمطية؟ أهناك وعظ كثير، أم درجة من خطابية أخلاقية ومباشرة؟ هذا صحيح في جوانب، بحسب أذواق البعض. لكن، بالتمعّن في البرود والنمطية، يظهر أنهما يتّسقان تماماً مع دراما الفيلم، حيث طبيعة البشر والعلاقات الاجتماعية والبيئة المحيطة، وانطلاق هذا من الطباع الاسكندنافية المعروفة وانسجامه أيضًا مع أجواء الطبيعة الشتوية والغيوم المسيطرة على الفيلم كلّه تقريباً. ومن ثم، لم يبتعد مونجيو كثيراً عن الجذور الواقعية، ولم ينقل ما ليس موجوداً. بالعكس، لو كان نمط الإيقاع أسرع أو أكثر ديناميكية، والكاميرا حيوية لا ثابتة، واللقطات قصيرة وليست طويلة، وتمّ الاستغناء عن الضوء الطبيعي (هذه من السمات السينمائية المميزة عند مونجيو)، لربما أفسد “فيورد” كثيراً، وأفقده مصداقيته الفنية.

وصْفُ البعض “فيورد” بالمباشرة يُمكن تفهمه، من دون الموافقة على أنه شديد الخطابية، أو يصل بخطابه الأخلاقي إلى الوعظ، وغيرها من الأمور ذات الصلة. حتى في هذا الصدد، لا ضير طالما رجحت كفة المصداقية والفنية والإقناع، فنحن في حضرة مخرج يعرف ما يفعله، وكيف يحافظ على الحدود الفاصلة، من دون السقوط في فخاخ ساذجة، كالمباشرة والوعظ. سلاحه في هذا ليس استناده إلى سيناريو محكم وعميق ودقيق فقط، بل أيضاً أداء مُمثّلين منحا الفيلم عمقاً إنسانياً حَال دون تحوّله إلى مناظرة فكرية جامدة، أو إلى أداء ميلودرامي. تجلى هذا في لحظات عدّة، لا سيما المشهد الرائع لدفاع الأب عن نفسه في المحكمة، أو عندما أُخبرت الأم بأمر التحفّظ على الأطفال، بما في ذلك رضيعها، في مشهد تَعَمَّدَ المخرج أن يُرينا العلم الفلندي وهو يُرفرف بوضوح، في الخلفية، خارج النافذة.

هذا يؤكّد العودة إلى أفلام سابقة لمونجيو، يمكن وسمها بالأوصاف نفسها، لكنها ليست كذلك. بالعكس، لم يخرج جديد مونجيو من أسلوبه المعتاد، كتابة وإخراجاً، فنحن مجدداً في حضرة المنطقة الرمادية، التي يصعب فيها كثيراً، بشكل حاسم، إدانة طرف ضد آخر، أو الانحياز إلى أحدهما، أو التعاطف مع واحد منهما، بضمير مرتاح. نحن في حضرة السياسي والاجتماعي، وحِرفية دائمة للمخرج في المزج البارع بينهما، وإظهار كيف أن أحدهما صنو الآخر وانعكاس له دائماً. لم ينس مونجيو الدين أيضاً، الحاضر في أفلامه مُباشرة أو مُواربة. حضوره في “فيورد” محوري، بل طاغ ومفجّر للدراما، اجتماعياً ونفسياً وسياسياً. ورغم أن الظاهر لوهلة أولى أن المخرج ضد التشدّد الديني، الأصولية المسيحية تحديداً، يبدو الأمر أعمق من هذا.

يمكن تأمّل “فيورد” أيضاً في ضوء أنه يلقي ضوءاً على مفهوم السلطة، في جوانب عدّة منها، بجلاء وجرأة شديدين. عامة، هناك ضمنياً التلميح إلى أن النرويج، دولة ومجتمعاً وأفراداً، أقوى وأكثر تحضّراً وديمقراطية وعلمانية من رومانيا المتأخرة، الفقيرة والمتديّنة وشبه الديمقراطية. ثمة قدر كبير من التعالي والجلافة تجاه الآخر، لا يمكن إغفالهما أبداً. كذلك، تحضر السلطة على مستوى الأسرة الصغيرة: علاقة الأخ بالأخت، الأشقاء الأكبر بالأصغر، الأب بالأم، الأب في تربيته أولاده، مفهومه للصحيح والسليم والملائم لتربيتهم وتقويمهم، من دون الالتفات إلى أي شيء. وتلك نابعة من صميم تديّنه وانغلاقه وصرامته وعدم ليونته، وكلها تنكسر، أو تُخضع أمام قوة القانون القاهرة والصادمة، له ولزوجته. وإنْ حاول بدوره مغالبة المجتمع، الغريب عنه وعن قوانينه، عبر سلطة الدين تارة والاختلاف الثقافي تارة أخرى. تجلى هذا في توضيحه كيف أن الضرب الخفيف للأطفال، لتنبيههم أو تحذيرهم أو توعيتهم، ليس خطأ في ثقافته، ولا غضاضة فيه.

حبكة “فيورد” ليست جديدة، إذْ ظهرت بوصفها خيطاً جانبياً في أفلام روائية عدّة، وتناولها بالتفصيل أكثر من فيلم وثائقي. اللافت للانتباه أن غالبيتها متعلقة بالمهاجرين من خارج أوروبا، وتدور ضمن إطار عدم فهمهم للقوانين، وصعوبة التأقلم والاندماج في المجتمع المتحضّر الموجودين بين أفراده. هنا، يخطو مونجيو خطوة أبعد باتجاه إدانة الخطاب الأوروبي ضد الآخر الأوروبي ذاته، وصاحب البشرة نفسها.

بهذا، يُعتبر الفيلم استعارة لأوروبا المعاصرة. فرغم اتحادها، ثمة استحالة في التعايش بين أنظمة وقيم وعادات وثقافات مختلفة، حتى في الداخل الأوروبي المتجاور أو المتحد في اللغة. لذا، الفضح هنا فضحٌ للأوروبي ضد الآخر، أياً كان، وليس لغير الأوروبيين فقط، أو أصحاب البشرة المغايرة. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار الفيلم دعوة إلى تفهّم الآخر أولاً، ثم تَقَبُّله. دعوة إلى التَعَدُّدية والتَقَبُّل، في ظلّ ما يحيطنا من حروب وتعصب وكراهية للآخر.