محمد هاشم عبد السلام

في جديده “دراكولا”، الصادم في مستويات عدّة، ابتعد الروماني رادو جود عن المعروف والمُستهلك فنياً عن الشخصية الشهيرة، في تناقض كبير وخادع مع العنوان. كما تجنّب إرث الشخصية وعوالمها، وثقلها الفلسفي والتراثي والجمالي، بطريقة تشكل قطيعة مع ما أُنجز عنها سابقاً.

من ركام الأسطورة والحقائق التاريخية، وما أبدعته المخيلة الأدبية، وأعمال كثيرة في وسائط مختلفة، استفاد جود من تيمة امتصاص الدماء الخالدة، فقط. ولولا هذه والعنوان، لشوهد الفيلم كغيره من أفلام المخرج، خاصة العصيّ منها على التصنيف. استخدم هذه التيمة والشخصية بطريقة جريئة وغير مسبوقة، انطوت على جسارة تنفيذ، وتصوّر فني فذّ، ورؤية طرحت نقاشاً جمالياً وسياسياً وأخلاقياً في قوالب فنية عدّة. إذ هناك نهج إخراجي متعدّد الوسائط، فكّك المعتاد من هياكل منطقية للحبكة السينمائية، وانتهكها عمداً.

مخرج شاب محبط (أدونيس تانتا) يعاني أزمة أفكار، تعيقه عن كتابة فيلم عن دراكولا. لفرط عجزه عن الإتيان بجديد، يلجأ إلى تطبيق ذكاء اصطناعي لمساعدته. لكن كل نسخة يأتيه بها التطبيق لا ترضيه. لذا، عوضاً عن سرد واحد، هناك سلسلة فواصل قصصية، شبه سينمائية ومسرحية، تتنقل بين مشاهد مختلفة، مُستلهمة أو غير مُستلهمة من أسطورة دراكولا: قصص مصاصي دماء، قصص حب فاشلة، شخصيات تاريخية وأخرى غريبة. كلّها تتّخذ من دراكولا ذريعة لتقديم نقد عصري جريء لقضية الإبداع، في عصر هيمنة التكنولوجيا، المنتجة لـ”محتوى” أسرع من أن يُعالج ويُستوعب، عقلياً وجمالياً. يُمعِن جود في فضح الثقافة الرقمية الرثة، وفي نقده واستهزائه بالذكاء الاصطناعي بوصفه ظاهرة عامة مُهدّدة.

يعتبر جود أن الذكاء الاصطناعي رمز لمصاصي الدماء المعاصرين. تحركه قوى اقتصادية وسياسية وتكنولوجية تتبنّاه وتدعمه لتزيّف المرئي، وتغشّ المعنى، وتهدم القيم، وتفرّغ الروح من كل ما تُقدمه وتستقبله. وأيضاً امتصاص حيوية الإبداع، وسلب الموهبة، واستنزاف الفكر، وسيادة التنميط والاستهلاك. هذا يقود إلى التعليق على الاستهلاك الجماهيري للفن في عصر التسليع، والمقاطع القصيرة، والفوضى الرقمية المكتسحة كل شيء، وأساسها الإنتاج الفني الذي بات عاجزاً عن إنتاج معنى. في خضم هذا، تحضر السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين، كعادة جود، فتظهر مشاهد إضرابات عمالية، وأخرى عن البيروقراطية، وأزمة الهوية، خاصة في أوروبا الحديثة.

استفاد جود من الهيكل السردي المُجزّأ، لينسج فصولاً وقصصاً، منفصلة تقريباً، في إطار رئيسي عريض، ما أعطاه حرية التنقل بين الأزمنة، والأنواع السينمائية، والتيمات والأساليب الفنية، ليكون “دراكولا” خليطاً عصرياً جداً من كل شيء، متجاوزاً الراهن الإبداعي، رغم استلهامه من تاريخ السينما، والمسرح تحديداً. هذا كلّه أفضى إلى تجربة فريدة، تُقدّم الدراما والتاريخ والأسطورة والتراجيديا والكوميديا والهزل والفروسية والمسخرة والمجون والفحش والبذاءة والدماء، والابتذال والتفاهة، عن قصد.

هذه ليست حبكة أو سرداً أو أحداثاً متماسكة بالمفهوم التقليدي، بل حكايات ومشاهد قصيرة، وحوارات، ومواقف، ولقطات رقمية، ومشاهد متقطعة، تتداخل وتتقاطع لتعكس تشتّت الانتباه المعاصر، مُستعرضة الجنس والعنف والحب والتاريخ والسطحية والابتذال. يتحدّى الفيلم الطريقةَ التي تُستهلك بها القصص، وحدودَ الاستخدام الفني للتقنيات الحديثة، وقبول/رفض ما يفرضه العالم الرقمي على ثقافتنا. هناك أيضاً سخرية من الأشكال التقليدية للرعب، ونقد لمفاهيم العنف والسيطرة والجنس وزيف التاريخ، وهشاشة المنتج الثقافي المتكرر والمستنسخ، والخالي من الروح.

اتساقاً وخطابه، يزخر “دراكولا” بتسلسلات سينمائية خالصة، وبأخرى شبه تسجيلية مُصوّرة بكاميرا وهاتف محمولين، أو مرسومة ومصنوعة ومولّدة آلياً بالذكاء الاصطناعي، إلى الكوميكس والرسوم الكرتونية والغرافيك، في تداخل مُدوّخ وبارع في مزجه الوسائط الفنية معاً. يضاعف من هذا مبالغته الإبداعية في كل وسيط منها، وتبنّيه بنية فيلم أقرب إلى تجربة أداء فني منها إلى فيلم تقليدي. المحصّلة النهائية ليست بالتأكيد فيلماً تجريبياً ولا سوريالياً ولا عبثياً، بل أقرب إلى مسرح بصري، يستلهم تجارب الرائدين المسرحيين، البولندي تادوش كانتور، والفرنسي أنتونان أرتو.

لا يكتفي جود بما سبق، إذ يوظّف عمداً الصورة واللغة بطريقة غير مريحة، في جزء من مقاربته النقدية، ويسبقهما شريط صوت يعجّ بأصوات لا تُخيف بل تُضحك. إلى جانب الأصوات المُضخمة والمُطوّلة، والأصوات العالية، والصراخ، وخليط من الضجيج المستفزّ. وتتّسم المقاطع التمثيلية بأداء متباين لممثلين معهودين في أغلب أفلام جود، إذ يتراوح بين الواقعي والمبالغة المتعمّدة، لتعزيز طبيعة الفيلم كعمل انتهاكي لكل المتعارف عليه خارج حدود الدراما الواقعية، والأداء التقليدي، بما فيها تعليقات على التمويل، وظروف إنتاج الأفلام المستقلة خارج هوليوود، وحرب روسيا وأوكرانيا وغزة. والحضور الشخصي لجود، سائحاً في متحف دراكولا، يلتقط الصُور بهاتفه، ويصوّر شخصية دراكولا التي تزور متحفها، وتُكَذِّب ما يُقال عنها للسائحين.

ليس غرض جود جعل الجمهور متشوّقاً إلى معرفة ما سيحدث، بل فهم ماذا يحدث أصلاً، وملاحقة مكوّنات “دراكولا” وعناصره، وربطها معاً، لتكوين صورة متّسقة أو غير متسقة، لكنها ذات معنى، تتماس مع الفكرة الأساسية.

يُذكر أن أغلب خيارات المخرج نجحت، بمهارة وفنية، في خلطة “دراكولا”. وكانت في صلب جنون الفيلم، الذي أضعفه المقطعان الطويلان الأساسيان، المتكامِلَان كفيلمين قصيرين مستقلين. لكن، في صميم الفيلم تسبّبا في بطء الإيقاع، وخروج السرد عن جنونه وعبثيته ولوثته.