كانّ – محمد هاشم عبد السلام
الإمعان في مخالفة المُعتاد والسائد والمنطقي، وإن أفضى إلى أخطاء ومشاكل وتذمّر، بات من السمات السلبية التي لن تتغير في مهرجان “كانّ”، كما يبدو. فرغم أن نظام الحجز المسبق لبطاقات الأفلام من أبجديات المهرجانات الدولية، في السنوات الأخيرة، لم تُسمع احتجاجات أو شكاوى أو تذمرات متعلقة به، وبمواعيده وآلياته، كما بسوء برمجة الأفلام ومواعيد عروضها وقاعاتها، بين يوم وآخر، طوال مدّة كل دورة.
الأصعب أن هذا، مع البرمجة المتبدّلة سنوياً، يمسّ عروض أفلام المسابقة، التي يبدأ عرضها الثاني متأخّراً، فينتهي قبيل الفجر: “أمل” للكوري الجنوبي نا هونغ ـ جين انتهى عرضه عند الواحدة والربع بعد منتصف الليل. “وحش رقيق” للنمساوية ماري كرويتزر أيضاً. هذا يعني أن العودة إلى المسكن تحصل بعد الواحدة والنصف، إذا كان المرء محظوظاً بإقامة بجوار مقرّ المهرجان، وإلاّ فانتظار الباص الليلي، الذي مواعيده مضطربة، والراغبون في العودة إلى مساكنهم كثيرون، فيكون الوصول عند الثانية تقريباً. مع هذا، هناك الاستيقاظ الباكر، السابعة صباح اليوم التالي، لحجز/تأمين بطاقات اليوم، وبطاقات أيامٍ أخرى لاحقة، إذ يحقّ الحجز لأربعة أيام مقبلة، وإلا يفقد الناقد/الصحافي فرصة مشاهدة أفلام يريد مشاهدتها، ويتعيّن عليه اختيار قاعات أخرى، ومواعيد أخرى، إذا عثر على بطاقات. هكذا تتداخل الأمور بعضها ببعض، وترتبك برمجة الأيام اللاحقة، وربما يفوته عرض أو أكثر.
واضح أن نظام الحجز لم يعد له علاقة بتراتبية أنواع البطاقات الصحافية. فحاملو البطاقات الأعلى بدأت شكاويهم تتصاعد لصعوبة الحصول على بطاقات.
مشاكل كهذه ليس مردّها النظام السيئ لحجز البطاقات فقط، بل رغبة شرهة لإدارة شرهة في اجتذاب أغلب المتاح، بينما تزعم العكس، قائلة إن هذا يُلبّي رغبة المتكالبين على عروض أفلامهم. في النهاية، يصبّ الأمران في خانة الحقيقة الجلية: رغبة في إرضاء أكبر عدد ممكن من الموزعين والشركات.
لكن، ما الحاجة إلى اجتذاب كل هذا الكَمّ، إذا كانت هناك صعوبة مشاهَدة، أو تضحية ببعضها، في مقابل مشاهَدة أخرى، نتيجة تضارب المواعيد، وضيق الوقت؟
هذا يستحيل وجوده في مهرجانات دولية أخرى، كبرلين وفينيسيا. مقارنة نضطرّ إليها بسبب مسؤولي “كانّ”. الأهم أن البرمجة في مهرجانات أخرى منطقية، والتنظيم المتّبع يسير وواضح، إذ يُعرف منذ الآن تخطيط العروض وأوقاتها، وهذا ثابت منذ سنوات، ولسنوات مقبلة، بينما يستحيل معرفته في “كانّ” مؤخّراً. إضافة إلى ضرورة اعتماد آلية برمجة يومية (كل يوم بيومه)، أو بناء على بطاقات متاحة، ربما تتوفر قبيل العرض بقليل.
في مهرجانات أخرى، يستحيل أن يسمح تصميم النظام بحجز أكثر من بطاقة لأكثر من فيلم، تُعرض في الوقت نفسه. لكن، في “كانّ”، احجز ما تشاء، في الأوقات نفسها، من دون أن ينبّهك النظام إلى تضارب/تداخل أوقات العروض. كما أنه يُمكنك حجز بطاقة لفيلم واحد أكثر من مرة، في اليوم نفسه، أو لأيام تالية، وهذا ليس معتاداً في مهرجانات أخرى.
هذا لا يحتاج إلى اختراع أو معجزة، بل برنامجاً آلياً لضبط آليات الحجز، وضمان الحق العادل للجميع. لكن، أي حقوق وأي عدل في “كانّ”، في ظل تراتبية مبهمة، طابعها “الهيراركي” فاشي، في بلد يدّعي الحرية والمساواة والإخاء؟ تطبيق المبادئ الفرنسية السامية اليوتوبية هذه يستحيل توفّرها في الديستوبية الـ”كانّية”، مردّها الكارثي يربك أهل المهنة، ويُثير عشوائية برمجة أفلام وتضاربها، وعدم المساواة بينها. مثلاً: للأفلام الـ22 بالمسابقة، تخصَّص قاعات صغيرة جداً لأفلام مهمة للغاية (صالة بازان)، أو مقاعد محدودة جداً مع العرض الجماهيري (مسرح لوميير). بينما يتاح لأفلام أخرى صالتا “بازان” و”دوبوسي”، إضافة إلى مقاعد في “لوميير”. كما يمتد الجور إلى عدد عروض أفلامٍ عدّة: “حياة امرأة” للفرنسية شارلين بورجوا ـ تاكي له تسعة عروض في ثماني صالات مختلفة، بينما لـ”خروف في الصندوق”، للياباني هيروكازو كوري ـ إيدا، ستة عروض فقط.
الأمثلة كثيرة. فعدد عروض أفلام المسابقة يتراوح بين ستة وتسعة، من دون معرفة السبب. إلى ذلك، كان يفصل بين أول عرضين لفيلم ربع ساعة أو نصفها. هذه الدورة، عرض “خروف في الصندوق” أول عرض عالمي مع الجمهور في “لوميير” الثالثة عصراً، ثم الثامنة والربع مساء في “بازان” الصغيرة.
يُمكن تخمين الدافع إلى برمجة سخيفة ومتضاربة كهذه: “العروض الأولى لكانّ” قسم كارثيّ، غير معروف غرضه وهويته وتسميته، ويتناقض مع بقية العروض الأولى بالمهرجان. قسم له مساحة كبرى، وصالات أكبر، ومواعيد أبكر. بهذا، “تُرحَّل” أفلام المسابقة إلى أوقات متأخرة، وقاعات أصغر، ما يُسبّب “قتل” عروض تظاهرة “نظرة ما”، واستحالة تغطيتها نقدياً، بعكس الحاصل سابقاً (برمجة منتظمة). أيعقل عرض “عربة قطار الليل أحادي الاتجاه”، أول إخراج لجون ترافولتا، في وقت أبكر، وقاعة أكبر، وفي الوقت نفسه يؤخّر عرض فيلم بالمسابقة إلى موعد لاحق عليه، فينتهي بعد الواحدة ليلاً، “كرمى لعينيّ ترافولتا“؟
المعطيات والعقل والمنطق والعدل والحرفية والذوق، إلى مراعاة النقاد والصحافيين، كل هذا يقول بحدوث العكس. مشكلات ليس غرض استعراضها تصيّد مهرجان كبير وضخم وعريق كـ”كانّ”. لكن، يصعب التغاضي عن مشكلاته لجوهريّتها في العمل المهنى، ولتمرّس ومهنية وحرفية القائمين عليه. هذا يدفع إلى تكرار التساؤل: أهناك من يفكّر جدّياً في النقاد والصحافيين، ويكترث بعملهم، وبكيفية تأديته في ظلّ استحالة المتابعة وفقاً لجدول منضبط، ومُخطّط مسبق، ومن دون تداخل المواعيد لكثرة الأفلام؟ هذا يُضاف إلى استحالة التفكير في إيجاد وقت لإجراء حوار، أو متابعة دروس ومحاضرات ومؤتمرات صحافية.