كان – محمد هاشم عبد السلام

انطلقت فعاليات الدورة الـ79 لـ”مهرجان كانّ السينمائي الدولي” يوم 12 أيار/ مايو الحالي على مسرح “لوميير الكبير”، وذلك بعد حفل افتتاح يحمل بعض التجديد والتميّز، برعت في تقديمه آي هايدارا، الفرنسية ذات الأصول المالية، وهي ممثلة سينما ومسرح وتلفزيون من مواليد عام 1983، ترشّحت لعدة جوائز فرنسية مرموقة. اللافت في اختيار آي هذا العام كونها الشخصية السينمائية الأولى صاحبة البشرة السمراء التي تضطلع بتقديم حفلَي الافتتاح والختام على الإطلاق. وهذا وفقًا للأرشيفات المتاحة للمهرجان خلال العقود الأربعة الأخيرة، على الأقل.
يأتي اختيار آي كخطوة رمزية مهمة تعكس تنوّع السينما الفرنسية، وحضور الممثلين ذوي الأصول الأفريقية والعربية فيها من ناحية. كما يأتي، من ناحية أخرى، في إطار التصويبات التي ينتهجها المهرجان خلال السنوات الأخيرة. وذلك بعدما أُسندت رئاسة لجنة تحكيم المهرجان للمخرج الأميركي، صاحب البشرة السمراء، سبايك لي، في عام 2021، ليصبح أول رئيس أسمر البشرة. صحيح أنه ازدادت وتيرة مشاركة أصحاب البشرة السمراء، خلال السنوات الأخيرة، كأعضاء في لجنة التحكيم، لكن كان سبايك لي أول من ترأسها. وربما كان الدافع، أيضًا، وراء هذا الاختيار فوزَ المخرجة الفرنسية- السنغالية ماتي ديوب في عام 2019 بـ”الجائزة الكبرى”، عن أول فيلم روائي طويل لها، وكأول سمراء تفوز بهذه الجائزة، عن فيلمها “أتلانتيك”.

اللافت للانتباه، ضمن ذات الإطار أيضًا، اختيارُ الإدارة الفنية للمخرج بارك تشان ووك لرئاسة لجنة تحكيم “المسابقة الرئيسية”، ليكون بهذا أول كوري جنوبي يترأس لجنة تحكيم المسابقة في تاريخها. لكن، الغريب فيما يتعلق بهذا الاختيار، والذي ربما يكون باعثًا على الإحراج جدًا، ومثيرًا للتحفظ بعض الشيء، أن المشاركة الآسيوية في المسابقة هذا العام هي الأكبر، بواقع 3 أفلام يابانية، وفيلم من كوريا الجنوبية، ولأسماء غاية في الأهمية والقوة، فكيف سيتصرف بارك تشان ووك؟!

نجوم وتكريمات

خلال حفل الافتتاح، مُنح المخرج النيوزيلندي السير بيتر جاكسون جائزةَ “السعفة الذهبية الفخرية”، تقديرًا لمسيرته الحافلة في صناعة الأفلام، بمفهومها العريض في العصر الحديث، ليس في بلده فحسب بل عالميًا أيضًا، وجعلِه نيوزيلندا قطبًا سينمائيًا ينافس هوليوود. ورغم هذا، فإن مسيرة بيتر جاكسون، مواليد عام 1961 والحاصل على ثلاث جوائز “أوسكار” وعدة ترشيحات، عادةً ما تختزل في كونه مخرج واحدة من أشهر سلاسل الأفلام التجارية الناجحة في تاريخ السينما، ثلاثية “سيد الخواتم” التي ألهمت العديد من صناع السينما وعشاقها وروّادها، والتي حصدت (الثلاثية) 17 جائزة “أوسكار”، وجوائز وترشيحات أخرى مهولة. رغم أن لجاكسون عدة أفلام قصيرة وطويلة، وحتى ثلاثية أخرى. وقد التقاه جمهور المهرجان في اليوم التالي للافتتاح في جلسة حوارية، وذلك ضمن برنامج الجلسات الحوارية في المهرجان. وقد تناولت الندوة المُقامة أساسًا بمناسبة مرور 25 عامًا على “سيد الخواتم” كواليسَ صناعة المؤثرات الخاصة والخِدَع البصرية، وغيرها من التقنيات السينمائية الاحترافية.
وكانت إدارة المهرجان الفنية قد أعلنت سابقًا، قبل انطلاق المهرجان، عن منح المغنية وكاتبة الأغاني والممثلة والمخرجة الأميركية باربرا سترايسند، مواليد عام 1942، “السعفة الذهبية الفخرية” أثناء مراسم حفل الختام، يوم 23 الشهر الحالي. وذلك تكريمًا لمسيرتها السينمائية والغنائية الحافلة. وبهذا تنضمّ سترايسند إلى جملة من النجوم الأميركيين الذين جرى تتويجهم خلال السنوات الخمس الأخيرة فحسب، دون غيرهم، بأرفع جوائز المهرجان، وكان آخرهم النجم روبرت دي نيرو العام الماضي، بعد مايكل دوجلاس، وميريل ستريب، على سبيل المثال.

يُذكر أن المهرجان يشهد حضور نجوم ونجمات أغلبهم من الأوروبيين والأوروبيات، في ظل غياب كبير ولافت لنجوم ونجمات هوليوود. ومن بين الحضور هذا العام، ساندرا هولر، وإيزابيل أوبير، وفيرجيني إيفيرا، وفنسنت كاسل، وكاترين دونوف، وخافيير باردم. إلى جانب حضور النجوم رامي مالك، وآدم درايفر، وسكارليت يوهانسون، وجون ترافولتا الذي يحضر كمخرج لأول مرة بجديده “عربة قطار الليل أحادي الاتجاه”.

افتتاح فرنسي

منذ مطلع هذا العقد والأفلام الفرنسية هي المختارة لتدشين دورات المهرجان. إذ منذ عام 2020 وحتى هذا العام لم تزاحم الأفلام الأميركية تحديدًا نظيرتَها الفرنسية في افتتاح المهرجان العريق. وبينما تنوّعت الاختيارات بين الرديء والمتوسط والمعقول، تباينت أيضًا من حيث النوعية؛ الغنائي والكوميدي والرعب والرومانسية والزومبي والتاريخي. إذ الأساس كونها جماهيرية الطابع، أو بقيادة نجوم من الصفوف الأولى أو لمخرجين معروفين عادةً.
يمكن القول إن فيلم الافتتاح هذا العام، “فينوس الكهربائية” (La Vénus électrique) أو “القبلة الكهربائية” للفرنسي بيير سلفادوري، يشذّ عن قاعدة فيلم الافتتاح العابر. صحيح أنه ينتمي لنوعية الأفلام الجماهيرية، إلا أن انطلاقته فنية بالأساس. أو تحاول الجمع والتوازن بين الجماهيري والفني، استنادًا إلى طابع الكوميديا الجادة والدراما الإنسانية السوداوية الطابع. وإن لم يخرج الفيلم كثيرًا عن النهج المعتاد في أفلام المخرج، وضمن سياق أفلامه العشرة السابقة، خلال مسيرة بيير سلفادوري المتنوعة، والممتدة لأكثر من ثلاثة عقود.
تدور أحداث الفيلم في باريس، خلال عشرينيات هذا القرن، ونتعرّف فيه على أنطوان (بيو مارماي)، الرسام الموهوب، المحبط والمحطَّم لاعتقاده بالتسبب في وفاة زوجته، الذي يحاول ذات ليلة التواصل مع روحها عبر وسيطة روحية. لكنه يتعرّض لخداع على يد سوزان (أنايس ديموستيه)، وهي عاملة متواضعة في كرنفال أو سيرك متنقل، تؤدي فيه فقرة “فينوس الكهربائية” أو “القبلة الكهربائية”. تتورط سوزان في جلسات متواصلة لا تستطيع تجنّبها لأسباب عديدة. وتتعلّم مهارات الخداع، وتبرع في الاحتيال على أنطوان. تدريجيًا، تتطور الأمور بينهما على نحو متوقَّع. وصولًا إلى نهاية سعيدة جاءت مجسِّدةً لعيوب طفيفة، وغير مقنعة في السيناريو، كان من الممكن تلافيها سعيًا لمصداقية وواقعية أفضل وأعمق. وكان بإمكان المخرج تحقيق الكثير من التوازن، المتحقق بصريًا بالفعل، في فيلم كان واعدًا ومن الممكن أن يكون تتويجًا لأعماله السابقة.

عروض أفلام المُسابقة

بدأت عروض “المسابقة الرئيسية“، التي تضمّ هذا العام 22 فيلمًا، بفيلم ياباني بعنوان “يوميات ناجي” للمخرج كوجي فوكادا. وتدور الأحداث في بلدة ناجي الريفية النائية. ورغم السكون والروتين والرتابة اليومية للحياة في تلك البلدة، فإن الكثير يدور تحت السطح، ويُفجّره زيارةٌ سريعة تقوم بها أرملة إلى البلدة لزيارة شقيقة زوجها الراحل.

في فيلم “سيرة امرأة” للفرنسية شارلين بورجوا- تاكيت، وبطولة النجمة ليا دروكير، وميلاني تيري، نتعرّف على جابرييل، التي تكرّس وقتها وروحها وراحتها لعملها كجرّاحة ورئيسة قسم في مستشفى عام، من دون أن يتبقى لها سوى القليل تُكرِّسه لحياتها الخاصة، لكن هذا الإيقاع يختلّ توازنه فجأةً.
في فيلم “الوطن” للبولندي باڤو باڤليكوڤسكي، تدور الأحداث بالأبيض والأسود كعادة المخرج، في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. ويستعرض المخرج لمحةً من حياة وشخصية الأديب الألماني الشهير توماس مان وابنته إريكا، العائد في زيارة إلى وطنه من منفاه الأميركي، ليشهد أحوال بلد مقسَّم بين سيادة أميركية وأخرى روسية.

في فيلم “حكايات موازية” للإيراني أصغر فرهادي، نجد أنفسنا إزاء تأكيد المخرج على كونه حكّاءً بارعًا، وأستاذًا في نسجه لخيوط دراما واقعية وصادقة، متعددة الطبقات ومتشابكة، لدرجة مُدوِّخة فعلًا، ومشوِّقة للغاية بالقدر ذاته. نتعرّف فيها على سليفي، الروائية والشاعرة الباريسية الباحثة عن الإلهام لروايتها الجديدة عبر تجسّسها على جيرانها في البناية المقابلة. ومع تطوّر الأحداث يقلّب هذا الفعلُ حياتَها وعملَها على نحو لا تتخيّله، وبدرجة تنزاح فيها الحدود الفاصلة بين الشخصيات المتخيَّلة والواقعية.
حتى الآن، يُعتبر الفيلمان الأخيران، “الوطن” و”حكايات موازية”، من أهم وأقوى ما عُرض في أفلام “المسابقة الرئيسية”، وذلك في مستويات فنية وجمالية وفكرية مختلفة.

أجواء هادئة

حتى اللحظة، يمكن القول إن أجواء المهرجان يسودها طابع هادئ، بعيدًا عما يحدث في العالم، باستثناء ذكر سريع لكون المهرجان والسينما ليسا بعيدين أبدًا عن السياسة والأحداث الجارية في العالم. وذلك من دون الغوص في تفاصيل أو نقاشات أو جدالات، على غرار ما حدث في “مهرجان برلين” الأخير، المنعقد في شباط / فبراير هذا العام. أيضًا جرى التأكيد على الخطورة التي يشكّلها الذكاء الاصطناعي على السينما، وغيرها من الأمور المتعلقة بالصناعة بشكل أساسي والخوف من المستقبل وتأثير شبكات البث على دور العرض.
ومع هذا، لم تخلُ الأجواء حتى الآن من حدث عابر لم يلفت الانتباه كثيرًا، وإن أدى إلى احتجاج ووقفة تنديدية نظّمها العاملون في مجال السينما والتلفزيون في فرنسا ضد رجل الأعمال والملياردير الفرنسي فانسان بولوريه، صاحب الإمبراطورية الإعلامية، والمجموعة المالكة لقنوات Canal+، القناة الرسمية للمهرجان والناقل الإعلامي الرسمي منذ سنوات. وضمن هذا الإطار، قام البعض بوقفة ورفعوا فيها لافتات على السجادة الحمراء، ونددوا أيضًا بغياب الاستوديوهات الكبرى، وتزايد الضغوط السياسية. كما وقَّع 600 من أهل الصناعة على عريضة تهدف إلى التنديد بتزايد نفوذ اليمين المتطرف في الصناعة والثقافة عمومًا في فرنسا، وضد فانسان بولوريه الذي يُعتبر أيضًا أحد أصحاب النفوذ في المهرجان واختياراته، كما يُقال.