محمد هاشم عبد السلام
إلى تيمة الحب المحورية في “جمع الفاكهة” للبورمي أونغ فْايو و”حبيب، وليس محاربًا” للسلوفاكية مارتينا بوخيلوفا، الفائزين بالجائزتين الكبريين لمسابقتي الكرة الكريستالية وبروكسيما، بالدورة الـ60 (3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) لمهرجان كارلوفي فاري، هناك عنصران آخران مشتركان بينهما، رغم اختلاف الجغرافية واللغة، وتفاوت الخلفيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، والتباين اللافت للانتباه في أسلوبي الطرح والمعالجة الفنية: إنهما أول روائيين طويلين للمخرِجَين، وأول مشاركة لهما في المهرجان.
ظاهرياً، ينتمي الفيلمان إلى الواقعية الاجتماعية الرومانسية النفسية. صحيح أن تفاصيل الحبكتين تختلف إحداهما عن الأخرى، لكن الفارق الأكبر والأبرز يكمن في المعالجة، وتقديم دراما بنوعية سينمائية مختلفة. فـ”جمع الفاكهة” تبنّى الواقعية الحسية، عبر بنية شبه كلاسيكية، تقوم على تشكّل الأحداث وتعاقبها، بتراكم التفاصيل اليومية، وجماليات سينما البطء، واختيارات لونية بارزة ومقصودة. بينما اعتمد “حبيب، ليس محارباً” على نهج بنائي أكثر عصرية وجنوناً وتشعباً وسرعة، وفوضوية إن جاز القول. كما يتعلق الأمر ببنية الصورة وجمالياتها، الجامعة بين الوثائقي والروائي، ومقاطع فيديو ووسائل تواصل، والمتقافزة زمنياً. ما يلفت الانتباه في تلك البنية الحيوية المربكة، أنها نابعة من صميم السرد، ومصدر قوّته أيضاً.
لا يُقدّم الفيلمان الحبَّ بصفته غاية أو طوق نجاة، بل فعلاً ومساحة يتيحان للإنسان رؤية نفسه ومحيطه والعالم بوضوح أكبر. مع التأكيد لا على استحالة الحب، بل على صعوبة توفر بيئة صحية، يمكن له التنفّس فيها. والأهم، عدم اختزال العلاقة بكليشيهات ممجوجة، وتصنيفات جاهزة، والابتعاد عن أي إدانات وتفسيرات، والنأي كلّياً عن اتخاذ مواقف أخلاقية واجتماعية، وترك العلاقات مفتوحة على احتمالات عدة.
في مصنع بائس وخانق للغزل والنسيج (جمع الفاكهة)، تتشكّل تدريجياً علاقة تعارف فتقارب فصداقة، ثم تورّط حميمي غير محسوم، بين عاملتين شابتين: سان كيي (ناندار ميات آنغ) وثَيِنْت ثَيِنْت أو (ناندار مينت لوين). الرائع أن تطوّر العلاقة بينهما يصل في النهاية إلى اللايقين وعدم التحديد والغموض، رغم معاينة رغبات مكتومة تتشكّل، بنعومة ورقة، عبر نظرات عرضية، وحركات أيدي، وملاطفة ومداعبة، وغضب وصمت طويل، من دون التبلور في كلمات صريحة. لكن، هل أن علاقتهما علاقة حب فعلاً، أم مجرد بحث عن الحماية، أم محاولة عابرة لتخفيف وطأة الوحدة، والهروب من واقع يضيق أفقه؟
بخلاف التباس العلاقة والإجابات المعلّقة، تبرز صعوبات عمل وبيئة محيطة، تزيد من عمق الأسئلة وفداحة الواقع، وما يثيره هذا من حيرة وتخبّط وهشاشة مشاعر. وذاك عبر أداء رائع للممثلتين الرئيسيتين، واعتماد المخرج على حضورهما الهادئ، وقدراتهما التعبيرية البسيطة والعفوية عن أدقّ الانفعالات.
الأبرز فنياً في “جمع الفاكهة”، الانسجام بين الجماليات البصرية والاقتصاد السردي والتقشف البنائي والدرامي والإيقاع البطيء، عبر كاميرا غير لافتة للانتباه، وإخراج تحاشى الاستعراض البصري، ومنح الأفضلية إلى لقطات طويلة، وتكوينات ثابتة غالباً، وتوظيف إضاءة طبيعية، واعتناء بالغ بألوان تمنح النسيج الفيلمي حسية رهيفة وملموسة. لكن، رغم التوازن الاحترافي بين التقشّف السردي والثراء البصري، والابتعاد عن الإثارة والأحكام النهائية، والتأمّل العميق في موضوعات الجسد والعمل والرغبة والحرية وغيرها، كانعكاس لأسئلة إنسانية عويصة، يصعب استيعاب خاتمة الفيلم، تحديداً تلك الرقصة الفولكلورية المتصنّعة والمُقحمة والطويلة، في كوميديا رومانسية، تعبّر بعمق عن عزلة جيل اليوم، بخلط الفكاهة بالحزن، وتلافي الميلودراما.
نوع آخر من هشاشة علاقات الحب، وما تنطوي عليه من تعقيدات، في “حبيب، وليس محاربًا”: أندريه (آدم كوبالا) مراهق يُقرّر الانسحاب من العالم والانعزال، بعد إخفاقات شخصية. لكن لقاءً عابراً بميشا (ميخايلاّ كوستكوفا)، بعد عام على لقاء آخر عابر بينهما بمحطة حافلات، يفتح باباً غير متوقّع لعلاقة عاطفية، تتطوّر في واقع معقّد. عدم النضج يخلق صعوبة في التقارب بين الحبيبين، ومشكلات جمّة، بما يحملانه من وحدة واضطراب، وعجز عن فهم النفس والعالم، ما يزيد صعوبة معرفتهما بماهية الحب وكيفيته، ومنح أحدهما الأمان إلى الآخر.
تحضر عوامل أخرى: الإدمان، والتفكّك الأسري، والخوف من الالتزام، وصعوبة التعبير عن المشاعر، وافتقاد البوصلة في عالم يلفّه الجنون. لذا، يبدو الفيلم ظاهرياً مجرد حبكة عادية، عن تجربة الحب الأول بين مراهقين. بينما في العمق، هناك فراغ اجتماعي وعاطفي، وعجز عن بناء علاقة مستقرة مع الذات والآخرين.
إخراجياً، وهذا الأكثر تميّزاً فيه، يتوفّر الفيلم على لغة بصرية ذات بنية هيكلية غير معتادة، وتركيبة مونتاجية طازجة. والمعالجة تبدو إجمالاً مزعجة أو مفتعلة أو مُنفّرة منه برمّته، وبما يُسمّى بالسطحية، لا سيما بإضافة كوميديا تبدو ثقيلة، أو غير مضحكة، وإن يتماشى هذا كله مع الشخصيات، والجو الشبابي العصري، والإطار العام للاغتراب والتشتت، والإيقاع الراهن.
يؤكّد هذا حضور الكاميرا المحمولة، والتصوير القريب بالهاتف، واللقطات الطُولية الضيقة، والإيقاع شبه المرتجل، والخيوط الفرعية بمشاهدها شبه المنفصلة عن الدراما الرئيسية. كذلك، حضور لقطات مقاطع من الهاتف ومنصات التواصل، واعتماد الكتابة على الشاشة بخطوط وأشكال. توظيف هذه الأدوات ابن عصره بامتياز، لا لغرض التوظيف، أو الاستعراض البصري، وجذب الانتباه فقط.
لذا، يُعدّ الأمر امتداداً طبيعياً لطريقة عيش شباب اليوم، وجزءاً من عوالم الشخصيات، وطريقتها في رؤية نفسها والمجتمع والعالم حولها، إذ تتداخل الحياة الحقيقية بالرقمية، إلى حدّ يصعب معه الفصل بينهما.