فينيسيا – محمد هاشم عبد السلام

اختتمت مساء السبت 12 سبتمبر/ أيلول فعاليات الدورة الـ83 لـ”مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي“، والتي بدأت يوم 2 سبتمبر/ أيلول الماضي، وذلك بحفل قدّمته الممثلة والمخرجة الإيطالية جريتا سكارانو، والممثل الفرنسي الإيطالي نيكولا موباس.

بعد إعلان جوائز المسابقات الفرعية، وكان أبرزها فوز الفيلم العربي القصير “لحظات قليلة من السعادة” للمخرجة المغربية اللبنانية شادن صفي الدين تازي بجائزة قسم “آفاق للأفلام القصيرة”، أعلنت لجنة التحكيم جوائز “المُسابقة الرئيسية”. ترأست اللجنة هذا العام المُخرجة والممثلة والمنتجة الأميركية ماجي جيلينهال، وشارك في عضويتها المخرجة التونسية كوثر بن هنية، والمخرج الصيني جوني تو، والمخرجة الأفغانية شهربانو سادات، والمؤلف الموسيقي دانيال بلومبرج، والمخرج والكاتب الفرنسي كزافييه جانولي، والناقد والباحث الإيطالي الأميركي فرانشيسكو كازيتي. واللافت في هذه التشكيلة التحكيمية، الجامعة بين السينما العربية والآسيوية والأوروبية والأميركية، غلبة المخرجين والمخرجات، والغياب التام لأي ممثل أو ممثلة، على غير المعتاد.

التوقعات التي سبقت انطلاق فعاليات الدورة الـ83، بناء على الأسماء الكبيرة المشاركة، والاعتقاد بأن المنافسة ستكون حامية، انتهت كلها بعد أسبوع أول بالغ القوة إلى انخفاض في المستوى، واختتمت بخيبات أمل كبيرة، وربما الكثير من الإحباط، سيّما مع فيلم “قليل من الضوء” للإيراني علي عسكري. تقارب الأفلام الجيدة أو الممتازة، من حيث الموضوعات والتمثيل والاشتغال الإخراجي، خلق حيرة بعض الشيء، لكن نتائج لجنة التحكيم استطاعت موازنة الأمور، ووضع كل الجوائز تقريبًا في محلها.

إجمالا، يمكن وصف دورة هذا العام بأنها واحدة من الدورات القوية فعلًا خلال السنوات الأخيرة في عمر المهرجان. خاصة لو أخذنا في الاعتبار العديد من الأفلام المهمة والمؤثرة والمُجددة، المعروضة في أقسام أخرى فرعية، وأغلبها اشترك تقريبًا في تناول مواضيع واحدة، آثرت عدم الاشتباك مع الأحداث الآنية المعاصرة، والاهتمام أكثر بقضايا مثل الإعلام والفرجة وتأثيرهما على توجهات الجمهور، والذكريات والماضي خاصة عندما يعودان ليُنغِّصَا على المرء حاضره، والسلطة والمؤسسة انطلاقًا من البيت الصغير ووصولًا إلى الدولة. وضمن ذات الإطار، جاءت موضوعات قصص الحب غير منفصلة بالمرة عن مقاربة التحكم والسلطة والمؤسسة والماضي والذكريات.

كسر قواعد وترسيخ أخرى

اللافت أن لجنة التحكيم لم تتأثر قط بأسماء مخرجين كبار شاركوا في المنافسة، وأنها تسلحت ببعض الجرأة، خاصة فيما يتعلق بالميل أكثر نحو الأفلام السياسية الفنية، وحتى أنها كسرت بعض القواعد أو الأعراف المتبعة عادة، والمتجلية في منح جائزتي “الأسد الذهبي” و”أحسن ممثلة” لنفس الفيلم. إذ جرت الأعراف، سواء في فينيسيا أو غيره من المهرجانات، على ألا تمنح أكثر من جائزة لفيلم واحد.

كتبنا سابقًا، قبل انطلاق المهرجان، عن رهانات المدير الفني للمهرجان ألبرتو باربيرا، وأوضحنا حيثيات اختياره لمخرجة واحدة فقط في مسابقة هذا العام، وآلية اختياراته لأفلام المخرجات في “مهرجان فينيسيا” بصفة عامة. وأوضحنا أن ذوقه في هذه الاختيارات كان دائمًا على صواب، وأن أغلب المخرجات فزن بجوائز مُستحقة. بسرعة شديدة، وربما في نوع من “الكارما” السينمائية المُؤَكِّدة على ذوق باربيرا، ذهبت أرفع جائزة إلى المخرجة المصرية الدانماركية مي الطوخي، وفيلمها الرائع “امرأة مجهولة”، لتكون بهذا المُخرجة الثامنة التي تحصل على جائزة “الأسد الذهبي” المرموقة، بعد مارجريت فون تروتا، وأنييس فاردا، وميرا ناير، وصوفيا كوبولا، وكلوي تشاو، وأودري ديوان، ولورا بويتراس.

المدير الفني للمهرجان ألبرتو باربير والمخرجة المصرية الدانماركية مي الطوخي.

الأمر الذي يدعو إلى التأمل في رهانات باربيرا النسائية، تحديدًا، وكيف يُثبت، مع كل دورة، أنه لا يتأثر بهجوم أو حملات أو اعتراضات على خياراته الفنية، الواثق منها، والمبنية إلى حد بعيد جدًا على ذوقه كناقد سينمائي مخضرم، واحترامه للإبداع والفن، وتقديره للمرأة. إذ أعلن، أكثر من مرة، عن تقديره لإبداع المخرجات شريطة أن يتسم بالفنية والمستوى الرفيع، ورفضه الخضوع للابتزاز أو الانصياع لمبدأ الكوتة أو المساواة، فكلها مُهينة، في رأيه، للمرأة والإبداع عمومًا. وبهذا نجح باربيرا، لعام آخر، في ترسيخ قاعدة الانحياز للجدارة والإبداع والأصالة، الجديرة بالتأمل والاحتذاء فعلا، ليس في مهرجانات السينما واختيارات الأفلام فحسب، بل في مُختلف أوجه الحياة.

جوائز المسابقة الرئيسية

بعمق وجرأة وفنية طرح فيلم “امرأة مجهولة”، الحاصل على جائزة “الأسد الذهبي”، أسئلة جد شائكة، أبرزها لماذا المرأة تحديدًا؟ أي، لماذا النساء وحدهن اللاتي تعرضن للعنف والوصم والإذلال والتنكيل، بعد انتهاء أحداث الحرب العالمية الثانية، في الدانمارك وغيرها من البلدان، بذريعة الشك في تعاونهن أو حتى تعاونهن أو اتصالهن الفعلي بأفراد في جيش الاحتلال الألماني، بينما العكس تمامًا بالنسبة للرجال؟

تنطلق الأحداث بعد انتهاء الحرب في عام 1945، واحتفاء الدانماركيين بانتهاء سنوات الاحتلال الألماني. مع تطور السرد، نتعرف على الخادمة والمُرَبِّيَة ماري (ماتيلدا أرسيل) التي على وشك الزواج من الثري ورجل الأعمال الأرمل كريستيان (كارستين بيورنلوند). عودة الماضي الأليم إلى حياة ماري يُهدد بتقويض أسس تلك الحياة المستقبلية المُرتجاة. إذ تُصادف ماري، ذات يوم، حبيبها السابق، ويتضح أنه أحد الجنود الألمان، وكانت بينهما علاقة عميقة، وجنينًا لم يكتب له الحياة. الأمر الذي يضع ماري في موقع تضطر فيه لبذل أقصى الجهود للحفاظ على عالمها المستقبلي من الدمار.

جائزة “الأسد الفضي” أو “لجنة التحكيم الكبرى”، التالية في الأهمية لـ”الأسد الذهبي”، نالها فيلم “حب مُمكن” للكوري الجنوبي المرموق لي تشانج دونج. على غير المعتاد في أفلامه، تحضر الدولة والسلطة المؤسسية والقمع والقيود، بالموازاة مع العلاقات العاطفية وقيودها وسلطتها وارتباكها. وذلك في محاولة مرهفة وهادئة، وغير زاعقة، لمقاربة مشاكل المجتمع الكوري المعاصر، ومعضلاته المسكوت عنها، المرتبطة بالزواج والرغبة والطبقية والقمع والعمل والسلطة والوحدة وتقدم العمر والأنانية والنجاح والفشل. مثل أغلب أفلام المخرج، لا يمنح الفيلم نفسه بسهولة أبدًا، ويحتاج إلى نَفَس طويل، وتركيز وتأمل شديد العمق، لأن دونج يبني عوالمه عبر التراكم البطيء، ويسرد الأحداث ويُضَفِّرها معًا على مهل، من خلال شخصيات وأحداث محدودة، وحوارات مقتضبة جدًا وحتى شبه عادية.

جون مالكوفيتش في لقطة من فيلم “الحصان البري التاسع” للبريطاني مارتن ماكدونا، الحاصل على جائزة “كأس فولبي لأحسن ممثل”.

أما جائزة “أفضل إخراج” فقد ذهبت للروسي إيليا خرجانوفسكي، عن رائعته “داو” الأصيلة والجديدة، ومشروع حياته، إن جاز التعبير، الذي يعمل عليه منذ عشرين عامًا. ويعتبر العمل من أفضل أفلام المهرجان، وحتى الأفضل خلال العقود الأخيرة في تاريخ السينما، فنية وابتكارًا وإبداعًا وتجديدًا وأصالة ومونتاجًا، وتحليقًا وجنونًا. تتناول الأحداث الفيزيائي السوفياتي ليف لانداو، أو الملقب بأبي القنبلة الذرية الروسي. بالفعل، يصعب اختزال الفيلم في كونه مجرد سيرة حياة، أو رصد لمحطات في حياة العبقري السوفياتي الفذ في تاريخ علوم الفيزياء، عبر عدة عقود، منذ شبابه وحتى كهولته، أو في كون الفيلم يرصد جوانب من شخصية هذا الكائن المليء بالتناقضات والدناءة والحب والطيبة، كما بتركيبة شاذة حربائية، إذ ثمة الكثير ليقال عن مشاهد بعينها، غير مسبوقة جماليًا، ومن التحف الفنية فعلًا.

وذهبت جائزة “لجنة التحكيم الخاصة” هذا العام أيضًا إلى فيلم وثائقي، وهو “نازا” للإسرائيلييْن يوفال أفراهام وراحيل شور. وقد فاز بها العام الماضي مخرج الوثائقيات الإيطالي جيانفرانكو روسي عن فيلمه “بومبي: تحت السحاب”. سينمائيًا، “نازا” عبارة عن مجموعة من اللقاءات الحوارية المعقودة في الظلام فوق أسطح البنايات في تل أبيب، يتحدث فيها 24 شخصًا من الاستخبارات والجيش الإسرائيليين، السابقين أو العاملين في منظومة الاستهداف، مع إخفاء ملامحهم، وتغيير أصواتهم. تكمن أهمية الفيلم في فضحه، بالتفصيل والدقة، للآليات المنهجية المتبعة من جانب هؤلاء الجالسين خلف الشاشات في استهداف الغزاويين، كأنهم يمارسون، ليس عملًا روتينيًا بناء على الأوامر المعطاة كما يحاولون التبرير، بل تسلية، أو ما يُشبه الألعاب، على حد وصف أحدهم. وكأن استهداف البشر مجرد تسلية لتمضية الوقت.

يمكن وصف جائزة “أفضل سيناريو” بأنها الجائزة الأدق بنسبة مائة بالمائة من حيث أحقية ذهابها إلى الفيلم الرائع والمُحكم والمُكثف “الجندية المطيعة” للمخرج وكاتب السيناريو الفرنسي استيفان بريزيه، والذي كتبه بالاشتراك مع كورالي أميديو وأوليفييه جورسيه. الفيلم من بطولة ألبا رورفاخر وفانسان لاندون، في دورين من أهم أدوارهما، وخاصة ألبا رورفاخر، التي أدت فيه دور كارلا موريتي، وهو الأهم والأكثر إقناعًا وإتقانًا وعمقًا في مسيرتها حتى الآن.

الممثلة الدانماركية ماتيلدا أرسيل والمخرجة شادن صفي الدين تازي.

في فيلمه الحادي عشر لا يحيد بريزيه كثيرًا عن انشغاله الدائم بعالم العمل، والعمال، والسلطة، والمؤسسة، والكرامة العمالية والإنسانية المهدرة، لكنه في جديده ينشغل، بعمق أكثر، بالعالم الداخلي المصغر، من دون العالم الواسع الأكبر. إذ بواقعية سلسة يرصد، عبر مديرة ناجحة تُعيَّن كمسؤولة للموارد البشرية في شركة تأمين كبرى، مدى قدرة النظام على تحويل الأشخاص العاديين إلى أدوات له. ويفجر أسئلة كثيرة، منها مثلًا، متى يصبح الحفاظ على الوظيفة والمكانة خيانة للذات والآخرين؟

بين أفلام المسابقة، التي ضمت 21 فيلمًا، لم يبرز في الأداء الذكوري من أمكنه التفوق على أداء الممثل المخضرم جون مالكوفيتش الذي أدى دور عمره فعلًا، حتى اللحظة، في فيلم “الحصان البري التاسع” للبريطاني مارتن ماكدونا. ولذا، كان متوقعًا بقوة، منذ بداية المهرجان، حصوله على جائزة “كأس فولبي لأحسن ممثل”، إلى جانب التوقع بفوزه بجائزة “أوسكار” العام القادم. لم يحضر مالكوفيتش لتسلم الجائزة بنفسه، وأرسل كلمة مُسجلة أعرب فيها عن أسفه لعدم العودة إلى فينيسيا لتسلم الجائزة، نظرًا لقيامه بتصوير فيلمه الجديد في مدينة مونتريال.

يؤدي مالكوفيتش دور كريس، وهو ضابط مخضرم في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، يعمل مرشدًا وناصحًا وشريكًا للعميل لي (سام روكويل). شخصية ساخرة ومريرة وعدمية، وعلى وشك الموت بسبب السرطان، لكنه في الوقت نفسه أكثر تعقيدًا وعمقًا وإشكالية، كرجل تربى وسط المؤامرات والأكاذيب وعدم الثقة، وفي بيئة عالم الاستخبارات، حيث تسود الأسرار والأكاذيب والشكوك فيمن حولك. تدور أحداث الكوميديا السوداء السياسية قبيل انقلاب تشيلي عام 1973، حيث يذهب الرجلان معًا إلى جزيرة القيامة.

المخرج الكوري الجنوبي لي تشانج دونج/ المخرجان يوفال أفراهام وراشيل شور.

أما جائزة “كأس فولبي لأفضل مُمثلة”، فحصلت عليها بجدارة، الدانماركية ماتيلدا أرسيل، عن دورها في فيلم “امرأة مجهولة” لمي الطوخي. لم تبرز من تنافس ماتيلدا سوى ألبا رورفاخر، لكن الأخيرة حصلت سابقًا على نفس الجائزة، في عام 2014، عن دورها في فيلم “قلوب جائعة” للإيطالي سافيريو كوستانتسو. ولذا، كان من الصعب جدًا منحها نفس الجائزة، مجددًا. ويمكن القول إنه كان من الذكاء أن تتجاسر لجنة التحكيم وتسند جائزة التمثيل إلى بطلة فيلم “امرأة مجهولة”، الفائزة أصلًا بـ”الأسد الذهبي”. إذ لولا تمثيلها المتقن وتقمصها البارع للشخصية لما كان ممكنًا للفيلم أن يخرج بهذا القدر من القوة والمصداقية والإقناع. وذلك رغم أن بطلته ليست ممثلة محترفة أو حتى معروفة أوروبيًا، وهذه أول مشاركة لها على الإطلاق ليس في “مهرجان فينيسيا” فحسب، بل في أي مهرجان كبير.

أخيرًا، حصلت على جائزة “مارشيلو ماستروياني لأفضل مُمثلة صاعدة” الفرنسية مالو خبيزي عن دورها في فيلم “15/18 أو مكان للشفاء” للفرنسي سيدريك كان. وذلك عن أداء شخصية المراهقة لوسيا، نزيلة دار الرعاية النفسية الخاصة بالمراهقين. عودة لوسيا البالغة من العمر 17 عامًا، إلى الدار بعد هروبها يثير الكثير من المشاكل في هذا المجتمع الهش أصلًا، الباحث عن بعض التوازن والسلام النفسي. إجمالًا، الفيلم تنويعة على أفلام فرنسية قاربت مرارًا موضوعات مرحلة المراهقة، ومشاكل المراهقين، وعوار المؤسسات العلاجية تحديدًا، لكن صدق الأداء، وتنوع الشخصيات وثرائها، وتشابك خيوطها معًا، خلق الكثير من التشويق والتوتر، وأكسب الفيلم الكثير من المصداقية والأهمية. ويمكن القول إن منح الجائزة للشابة مالو يعد تتويجًا لدور وقدرات ومجهود لطاقم الشباب المشاركين في الفيلم.

فيلم الختام

عقب توزيع الجوائز، عُرض فيلم الختام الإيطالي “الرب يضحك” للمخرج جيوفاني فيرونيسي، بطولة النجمين الرائعين بييرفرانشيسكو فافينو وسيلفيو أورلاندو. ينتمي الفيلم إلى نوعية الدراما التاريخية، ويسلط الضوء بقوة وعمق ووضوح، عبر إخراج سينمائي قوي واشتغال بصري لافت، على قضية غاية في الخطورة: هل تستطيع السلطة إسكات فكرة بمجرد إخراس وقمع صاحبها؟ أيضًا، يطرح الفيلم قضايا فرعية عديدة، مهمة وملحة وآنية، عن حرية التعبير، والحقيقة، وعلاقة الفرد بالسلطة، وحدود المؤسسة الدينية أمام الصوت المختلف. وهل عدنا إلى زمن محاكم التفتيش، و”حرق” المختلفين في الآراء أو والتصرفات؟ هنا تكمن قوة الفيلم الذي يُلمح، مُواربة، إلى مسلك البابا أوربان الثامن إزاء “هرطقات” غاليليو غاليلي. وكيف نجح في “تصويب” الأمور حتى وفاة غاليليو قيد الإقامة الجبرية. لكن الأمر لم يمض بنفس الكيفية فيما يتعلق بالراهب ليوبولدو دا كازاماكيا (ييرفرانشيسكو فافينو).

لقطة من فيلم الختام “الرب يضحك” بطولة بييرفوانشيسكو فافينو.

تدور أحداث الفيلم في توسكانا، خلال القرن السابع عشر، حول الراهب البسيط ليوبولدو دا كازاماكيا، الذي يشرح قصص الإنجيل للناس، خاصة الأطفال، بطريقة مختلفة جذريًا عن الجدية والصرامة المعتادين. إذ يتبع الرجل الخمسيني لغة بسيطة، ويروي القصص بروح مرحة، وأداء تمثيلي فكاهي ومشوق ومسل، ما جعل الناس تُقبل عليه، وتنصت له، وتحبه، وتدافع عنه. الأمر الذي جعل كلماته تنتشر من قرية إلى أخرى، جاذبة آلاف البسطاء، لدرجة أن الكنائس بدأت تفقد روادها، حتى وصل الأمر إلى بابا روما. تتدخل الكنيسة بقوة وصرامة وقسوة معهودة ومتوقعة. كما تُسند القضية إلى الكاردينال الداهية ماكولاني (سيلفيو أورلاندو)، أحد أقوى رجال محاكم التفتيش.

يتحول الأمر إلى تعذيب، ثم محاكمة، لكن المواجهة بين الراهب والسلطة الدينية لا تبقى مجرد قضية عقائدية. إذ تبدأ أفكار ليوبولدو في زعزعة قناعات حتى أولئك الذين يحاكمونه، وتدريجيًا يجذب تعاطف ماكولاني الذي يحاول مساعدته فعلًا، قدر استطاعته. لكن ليوبولدو الجاهل، المؤمن بحق، والذي يرى أن الإيمان يمنح الإنسان الأمل والراحة وحتى الضحك، والذي لا يتزحزح عن قناعته بأن الرب يضحك، يصمم على رأيه، ويرفض التخلي عن معتقداته الدينية وطريقته الحياتية. ما يضطر البابا والقضاء، أمام الإحراج، وبغرض الدفاع عن السلطة المهددة من جانب ذلك الصعلوك، إلى حرقه حيًا، في النهاية. وذلك، على العكس تمامًا من تراجع غاليليو رسميًا عن معتقداته، وإعلان “توبته” أمام محكمة التفتيش الكاثوليكية. وكان هذا التراجع السبب الرئيسي الذي أنقذه من الإعدام حرقًا، وتخفيف الحكم إلى الإقامة الجبرية مدى الحياة. وفي هذه النقطة، يؤكد المخرج، وإن عبر الخيال والأحداث غير الحقيقية، على أن الإنسان الأمي والفطري، سواء في تصرفاته أو عقيدته وأخلاقياته، ربما يكون أكثر علمًا وثقافة وثورية وإخلاصًا من المثقف أو العالم.