فينيسيا – محمد هاشم عبد السلام

إنها المرة الأولى التي يحضر فيها البريطاني داني بويل إلى الليدو، بجديده “حبر” (Ink)، الذي يفتتح الدورة الـ83 (2 ـ 12 سبتمبر/أيلول 2026) من “مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي“. حضور مهم وحيوي، إذْ سيتنافس 20 فيلماً على جائزة الأسد الذهبي بالمسابقة الرئيسية.

مقتبس عن مسرحية بالعنوان نفسه (2017) لجيمس غراهام، يرصد “حبر” كيفية بزوغ الإمبراطورية الإعلامية الشعبوية لروبرت مردوخ (جاي بيرس)، عبر لحظة مثيرة للجدل والالتباس في تاريخ الصحافة البريطانية، باستحواذه الجريء والمجنون والمجازف على صحيفة “ذا صن” عام 1969، وتكليفه المحرّر الذكي والطموح والجسور لاري لام (جاك أوكونل) بإعادة صياغتها كلياً، لتتحول في أشهر قليلة من صحيفة متعثرة إلى الأكثر مبيعاً في بريطانيا، على حساب منافسين تاريخيين، كالـ”ميرور”. المنافسة شعواء وغير أخلاقية ولاإنسانية، ومع هذا باتت في ثمانينيات القرن الـ20 الصحفية الأكثر توزيعاً في العالم.

يستعرض بويل، بأسلوبه المعتاد، السريع والحيوي والمشوق، في فيلم ليس سيرة حياتية ولا تاريخيّا، ويخلو من التعقيد والعمق النفسي للشخصيات، ما يُعتبر أكبر من لاري ومردوخ: كيفية تشكيل صحافة التابلويد وتأسيسها وانطلاقها، واكتشاف / انتهاج مبدأ / مدرسة مختلفة في الصحافة، لا يكفيها أن يكون الخبر صحيحاً، بل من ضروري أن يكون قابلاً للبيع، ومُثيراً للانفعال والتفاعل. كما يتناول كيف أن الحقيقة لا تصل إلى الجمهور إلا بالقدرة على صياغتها وحكيها بطريقة جذّابة ومشوّقة وصادمة.

بهذا، يصنع بويل فيلماً مهماً عن رجال صحافة، اكتشفوا كيف تجعل القصة الناس يشترون الصحيفة، بتوظيفه الموازي لمهارته وأدواته السينمائية، كي يجعل المتفرّج يندفع إلى متابعة قصته، والتفاعل معها.

المحرر لاري لام تأتيه فرصة ذهبية لاقتحام الصحافة رئيساً للتحرير، لا تعوقه أي كوابح أخلاقية واجتماعية وإنسانية واضحة. حضور الأسترالي مردوخ، أحد أكثر الشخصيات الإعلامية نفوذاً وإثارة للجدل في القرن الـ20، يبلور الصراع المستجد في الوسط الإعلامي، بين الستينيات والثمانينيات الماضية، ليس بين رجل أعمال وصحافي فحسب، بل بين فكرتين عن وظيفة الصحافة: هل مُهِمَّة الصحافة الحديثة إخبار الناس بما ينبغي أن يعرفوه، أمْ منحهم ما يريدون قراءته؟ هذا يفجّر معضلة أخلاقية ومهنية مثيرة للاهتمام.

التوقيت الراهن لـ”حبر”، والرؤية الأخلاقية والفكرية والإنسانية، تحيل إلى ظواهر إعلامية لاحقة أضخم، بدءاً من صحافة التابلويد، فالصحافة الصفراء أو الخفيفة، وأخبار التضليل والتلفيق عبر منصات التواصل. والفيلم، المختار بذكاء لافتتاح مهرجان فينيسيا، ليس سيرة لصحيفة بريطانية محلية، بل محاولة لتفكيك لحظة تأسيسية لصناعة إعلامية، قامت وترسّخت على مبدأ مُعوج، بهدف تكريس مبدأ: منح الجمهور ما يريده لا ما يحتاجه، بل حتى إعادة تشكيل الجمهور لا توجيهه فقط.

المفارقة أن “حبر”، الذي يتناول عالم ما قبل الإنترنت، يتحدث عملياً عن عالم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي: العناوين المثيرة، الصُور الفوتوغرافية الصادمة، التسطيح، الاستفزاز، استثارة الفضول، وتحويل الجمهور إلى رقم في معادلة التوزيع والأرباح. هذه كلها لم تختفِ بانقراض الصحيفة الورقية، إذ انتقلت بشكل مسعور إلى شاشات أجهزتنا.

اختيار بويل هذا الموضوع ليس مفاجئاً، استناداً إلى مسيرته المهنية. فمنذ “رصد القطارات” (1996) إلى “بعد 28 يوماً” (2002)، يركز على التحولات الاجتماعية والثقافية والإنسانية، عبر الإدمان والوباء والفقر المدقع والصحافة. في هذا، يأتي “حبر” امتداداً أيضاً لتجربته في تناول شخصيات حقيقية مثيرة للجدل، كما في “ستيف جوبز” (2015).

رغم خطورة النوع المرتبط بسِيَر المشاهير، والسِيَر الصحافية عامة، خاصة مع اسمين ليس هيّنين، كان ممكناً أن يقع بويل بسهولة بين فخّين: التبسيط الأخلاقي، بتحويل مردوخ ولام إلى شريرين واضحين أفسدا الصحافة، أو جعلاها، بجزء كبير منها، على ما هي عليه؛ أو التبرير الضمني، عبر الانبهار بعبقريتهما وشجاعتهما المهنية والتجارية، وتقديمهما نموذجين، على حساب النقد، والتأكيد على العوار الإنساني والسلوكي لهما.

نجا داني بويل من هذا بمحاولته المضي إلى الأبعد، بطرحه الجوهري لما يتجاوزهما، مهنياً وشخصياً، والتساؤل عما يحدث عندما يكتشف أحدهم، بدقة وحرفية، ما يريده الجمهور أو يلهث خلفه. بهذا، أصبح الفيلم بحثاً أعمق في مغزى العلاقة بين الإعلام والجمهور، وليس عن مردوخ ولام وحدهما. ما يطرح أسئلة أهم: هل استطاع هذا الإعلام الشعبي، الذي يبيع ملايين النسخ من الجريدة، تغيير الجمهور من تلقاء نفسه؛ أمْ أنه احتاج إلى جمهور لديه الاستعداد أصلاً؟ هل السلطة بين يدي “الحبر” الصحافي وحده؛ أم أن العلاقات متشابكة ومتشعبة بين الرغبة والفضول، ومتطلبات السوق والتجارة؟

رغم لمسة الإدانة شبه الصريحة، عبر لقطات خاطفة، لمشاهير اليوم، مثلا، إيلون ماسك، أو شعار موقع “تويتر”، في الخاتمة، أكَّد بويل على الصلة بالراهن، في فيلم صاغه سينمائياً بنجاح يخلو من ثرثرة الحوار المسرحي، وبإخلاص أكبر للغة بصرية سينمائية لافتة، وأداء رائع ومقنع، رغم البقاء طويلاً أسير الحيّز المكاني الضيق، والديكورات الداخلية، وغرف التحرير والطباعة والاجتماعات. لكن هذا كله لم يكن مزعجاً بتاتاً.