محمد هاشم عبد السلام
عقب الإعلان يوم الخميس 23 يوليو/ تموز عن برنامج الدورة الـ83 لـ”مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي“، التي ستنعقد فعالياتها في الفترة من 2 وحتى 12 سبتمبر/ أيلول 2026، كان الانطباع الأول، استنادًا إلى أسماء المخرجين المعلنة أفلامهم، أن المهرجان يراهن بقوة على سينما المؤلفين الكبار. ولكن مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على حضوره كمنصة تجيد الجمع بين السينما الفنية، والجاذبية الجماهيرية، والنجومية العالمية.
يضم البرنامج مجموعة من الأسماء ذات الثقل التاريخي والفني، من بينها فيرنر هيرتزوج، وهيروكازو كوري إيدا، ولي تشانج دونج، ومارتن ماكدونا، وناني موريتي، وفلوريان زيلر، وتساي مينج ليانج، ولوكا جوادانينو، وفيم فيندرز. منهم عشرة مخرجين أصحاب جوائز “أوسكار”: كيسي أفليك، وداني بويل، وجيمي تشين، وراسل كرو، وأليكس جيبني، وباربرا كوبل، ومارتن ماكدونا، ولورا بويتراس، وإليزابيث تشاي فاسارهيلي، وفلوريان زيلر. وخمسة حصلوا على “الأسد الذهبي”: جياني أميليو، ولاف دياز، ولورا بويتراس، وتساي مينج ليانج، وفيم فيندرز. ومن الحاصلين على جائزة “لجنة التحكيم الكبرى”، ماريو مارتوني، وتساي مينج ليانج. وجائزة “أفضل إخراج”، لوكا جوادانيينو، ولي تشانج دونج. وجائزة “لجنة التحكيم الخاصة”، ناني موريتي. و”أفضل سيناريو” ماجي جيلينهال، ومارتن ماكدونا، ويونفان. وأخيرًا، المكرمين بـ”الأسد الذهبي لإنجاز العمر”: فيرنر هيرتزوج، وبول شريدر.
وهذا إلى جانب تأكيد حضور مجموعة من النجوم العالميين، من بينهم روبرت باتينسون، وبينيلوبي كروز، وخافير بارديم، وروني مارا وشقيقتها كيت، وجورج كلوني، وسوزان ساراندون، وأليسيا فيكاندر، وجون مالكوفيتش. ما يُؤكِّد على قدرة المهرجان على استقطاب كبار المخرجين والنجوم العام تلو الآخر.
تحت مقصلة النقد
فور إعلان البرنامج، لم تسلم الاختيارات، لا سيما في “المسابقة الرئيسية“، من توجيه اللوم، وكثير من الانتقادات المُنصَبَّة بالأساس على المدير الفني، الناقد المخضرم ألبيرتو باربيرا، صاحب الاختيارات الاستثنائية، والذوق الفني الرفيع، والنقلة غير المسبوقة في تاريخ المهرجان. إذ جرى لوم باربيرا لكون البرنامج أقل اعتمادًا على السينما الهوليوودية والاستوديوهات الكبيرة، مقارنة بالسابق. وفي تلك النقطة تحديدًا، أثنى بعضهم على التخفف من القبضة المهيمنة لهذه الاستوديوهات ذات الحضور المتكرر والمتكرس في “فينيسيا”، ما أتاح للسينما الدولية التواجد، على نحو أكبر، خاصة أصحاب سينما المؤلف، إضافة إلى وافدين جدد على المسابقة وعددهم تسعة مخرجين.

أما أكثر ما أثارته برمجة المسابقة من انتقادات، ظلت تلاحق مديره حتى أيام قليلة مضت، ووصل الأمر لدرجة إصدار وتوقيع بيانات شجت وإدانة، فكانت بسبب ضعف تمثيل المخرجات في “المسابقة الرئيسية” تحديدًا. الأمر الذي يعد من أبرز نقاط الضعف هذا العام. وذلك، في مقابل طغيان المخرجين على المسابقة، التي سيعرض فيها 20 فيلمًا، ليس من بينها سوى مخرجة واحدة هي المصرية الدانماركية مي الطوخي بجديدها “امرأة مجهولة”. ما فتح الباب لهجوم شرس، أظنه سيستمر حتى انتهاء هذه الدورة التي قد توصف بأنها “دورة المخرجة الواحدة”، رغم المشاركات الكبيرة للمخرجات في بقية الأقسام والفعاليات.
غياب أفلام واستوديوهات
بخصوص الانتقاد الأول، فقد كان ملحوظًا منذ بداية العام عدم حضور الاستوديوهات والأفلام الكبرى في مهرجانات عريقة مثل “برلين”، و”كانّ”. ولذا، فإن غيابها عن “فينيسيا” هذا العام لم يشذ عن القاعدة. وإن كانت التخمينات قد راهنت على حضور أفلام ونجوم أكثر في “فينيسيا”. أبرز الأفلام المتكرر ذكرها في التوقعات السابقة لإعلان البرنامج “مغامرات كليف بوث” لديفيد فينشر، وهو أكثر الغائبين إثارة للاهتمام، نظرًا لمكانته وارتباط الفيلم ببراد بيت. أيضًا “صرخة إلى السماء” لتوم فورد، الذي كان من شأن حضوره أن يضيف كثيرًا إلى البرنامج. أما المفاجأة فكانت في غياب الفيلم المُنتظر “الحفار” لأليخاندرو جونثالث إينياريتو. كذلك “عالم خاص بهم” لكارمن كوردوبا جونثالث، و”بهيموث” لتوني جيلروي، و”الحساب الاجتماعي” لآرون سوركين. عدم حضور هذه الأفلام قد يُعزى إلى عدم جاهزيتها، أو يخص استراتيجيات العرض والتوزيع والترويج، أو التأجيل أصلًا للعام المقبل.
بخلاف هذا، فالملاحظ خلال السنوات الأخيرة في المهرجانات الكبرى أن الحضور المهرجاني، لا سيما مع التحولات السريعة في الصناعة والإعلام ووسائل التفاعل والترويج وجنون العصر، لم يعد مكسبًا دعائيًا أو ترويجيًا للأفلام كما كان سابقًا. خاصة إن لم يفز الفيلم بجائزة، أو حتى جوائز مُعتبرة في هذا المهرجان أو ذاك. ومن ثم، فإن العرض المهرجاني الأول قد لا يمنح الفيلم الهيبة، أو الدفعة الترويجية المطلوبة. وربما يؤثر سلبًا في حال كانت آراء النقاد والصحافيين والإعلاميين، وهم الأكثر حيادية وصرامة وانتقادًا، من دون أي اعتبارات، أو تحيزات، أو مصالح، ضد الفيلم. ما قد يؤثر على مسيرة الفيلم طوال موسم عرضه في السينمات، أو على ترشحه للجوائز. ولذا، مثلًا، انقلبت برمجة مهرجان “كانّ” رأسًا على عقب، قبل سنوات قليلة، بحيث لم تعد العروض الصحافية، والكتابات النقدية، تتم أو يسمح بها قبل العرض الأول للفيلم.

اللافت أيضًا أن استوديوهات كثيرة باتت تفضل الذهاب إلى غير مهرجانات. أي، لا تتسم بالتنافسية، وتسليط الأضواء عليها بقوة، أو مهرجانات مفتوحة للجمهور أكثر من غيرها. أو حتى التوجه للجمهور العريض مباشرة، بعيدًا عن أية أحكام نقدية في المهرجانات. وربما لهذا السبب، مثلًا، ذهب فيلم “شتاء طويل” لأندرو هاي، وفيلم “رعاية محبة عطاء” لمايك لي، إلى مهرجان “تورنتو” وغيره، بدلًا من “فينيسيا”. أو اختار “الحفار” لأليخاندرو جونثالث إيناريتو التوجه مباشرة إلى دور العرض، وعدم المشاركة ولا المنافسة في أي مهرجان.
أما الأكثر لفتًا للانتباه في برنامج “فينيسيا” هذا العام، فهو تقليص حضور “نيتفليكس“، الشبكة العالمية الأكبر والأضخم والأكثر انتشارًا الآن، والمتعاونة مع المهرجان بشكل يفوق غيره، وبمعدلات غير مسبوقة، كمًا وكيفًا، كما لاحظنا خلال السنوات العشر الأخيرة تقريبًا. لدرجة أنه ليس لدى الشبكة هذا العام سوى فيلم واحد فقط في المسابقة من إنتاجها، وهو “حب محتمل” للي تشانج دونج. وآخر، هي الموزعة له، وهو فيلم الافتتاح “حبر” لداني بويل، ما يشكل سنة من التراجع الكبير في حجم حضورها الفينيسي.
هذه التحليلات قد تفسر، جزئيًا، الغياب الملحوظ للاستوديوهات والشركات الكبرى وشبكات الإنتاج والبث. ويضاف إليها ما ذكره مديرو المهرجانات عن كون السبب الرئيسي في هذا العزوف، أو قلة الحضور، هو ضعف الإنتاج، وصعوبات التمويل، وعمليات الدمج، أو الاستحواذ، وغيرها، من إعادة الجدولة، وترتيب الخطط الإنتاجية بالاستوديوهات والشركات الكبرى، ومشاكل الصناعة عمومًا، وكلها تصادفت خلال هذه الفترة. عمومًا، سوف يتضح مدى صدق هذه التبريرات خلال العام المقبل، مع انعقاد دورات المهرجانات الرئيسية الكبرى في عام 2027. عندئذ سيتضح إن كانت الاستوديوهات الأميركية والشركات الكبرى وشبكات التوزيع ستعود إلى هذه المهرجانات، أو سيظل ضعف الحضور هو السائد.
دورة المخرجة الواحدة
اختيار مخرجة واحدة في “المسابقة الرئيسية” لأعرق مهرجان في العالم أثار كثيرًا من اللغط، كما ذكرنا، وأفضى إلى أحاديث معيبة عن التحيز واضطهاد المرأة… إلخ. من دون إدراك أن ضرر هذه الاتهامات أكبر من نفعه، وأنه سيأتي بنتائج عكسية تمامًا. وأنه محض تكرار لنقاش شائك وعقيم عن نظام الكوتة، أو المُحاصصة، وضرورة ترسيخ وتفعيل اتفاقية التوازن الجندري التي جرى التوقيع عليها قبل سنوات بخصوص الاختيارات الرسمية بالمهرجانات. وهو أمر عارضه باربيرا بشدة خلال السنوات الماضية، مبديًا انحيازه فقط إلى الإبداع، ومستوى الأفلام، وجودتها الفنية، وليس جنس المخرج، أو المخرجة.
وهذا، مع الأسف الشديد، لم يفتح الباب لنقاش جدي وعميق وفني عما إن كان باربيرا، أو غيره، على حق فعلًا؟ وهل المهم هو جنس المخرج/ المخرجة، أو ما يقدمه/ تقدمه من فن؟ أظن أن أي منحاز للفن والقيمة والجمال، وحتى أبسط قواعد المنطق والعقل، سيؤكد أو يُرجح ما دفع به باربيرا. حيث الانحياز إلى الفن، والجودة الفنية، أولًا وأخيرًا. والدليل أنه خلال السنوات الخمس الماضية، مثلًا، كان عدد المخرجات ثلاث فقط في عامي 2022 و2023، وارتفع إلى خمس مخرجات في عامي 2024 و2025، أي أن حضور المخرجات تضاعف تقريبًا، وإن ظل بعيدًا عن تحقيق مبدأ التكافؤ، أو المحاصصة، المُنادى به.

لكن المثير للانتباه وبشدة، بخلاف قلة عدد المخرجات، وهنا نعود إلى الجانب الفني والجودة، أنه في عام 2022، في الدورة الـ79، كانت المخرجة الفرنسية السنغالية أليس ديوب أول امرأة سمراء البشرة تفوز بجائزة “لجنة التحكيم الكبرى” عن فيلمها “سانت أومير”، إضافة إلى جائزة “لويجي دي لورينتيس”، والتي تمنح لـ”أفضل عمل أول”. بينما فازت المخرجة الأميركية لورا بويتراس بجائزة “الأسد الذهبي” عن الوثائقي “كل هذا الجمال وسفك الدماء”، وكانت أول مخرجة تفوز بـ”الأسد الذهبي” عن فيلم وثائقي.
في الدورة التالية الـ80، فازت البولندية أجنيشكا هولاند بجائزة “لجنة التحكيم الخاصة” عن فيلمها “الحدود الخضراء”. بينما حصلت كايلي سبيني على “كأس فولبي لأفضل ممثلة” عن دورها في فيلم “بريسيلا” للمخرجة الأميركية صوفيا كوبولا. وفي الدورة الـ81 فازت الإيطالية الشابة ماورا ديلبيرو بجائزة “لجنة التحكيم الكبرى” عن فيلمها “فيرميليو“. بينما نال فيلم “أبريل” للجورجية دِيَّا كولومبيجاشفيلي جائزة “لجنة التحكيم الخاصة”، وكانت أول جورجية تشارك في المسابقة أصلًا. كما فازت نيكول كيدمان بـ”كأس فولبي لأحسن ممثلة” عن دورها في فيلم “بيبي جيرل” للمخرجة الهولندية هالينا راين. وأخيرًا، فازت التونسية كوثر بن هنية عن فيلمها “صوت هند رجب” بجائزة “لجنة التحكيم الكبرى”، كما حصل فيلم “في العمل” للفرنسية فاليري دونزيلي على “جائزة أفضل سيناريو” في الدورة الماضية الـ82.

هذا الاستعراض السريع للجوائز، على قلة المشاركات النسائية، ضمن مسابقة تضم على الأقل 20 فيلمًا كل عام، يؤكد أن انتزاع المخرجات لهذه الجوائز لم يكن مجاملة، أو اعتباطًا. صحيح أن للجان التحكيم، المتغيرة كل عام، أذواقها الخاصة، لكن مستحيل أن تتفق الأذواق، لدورات متتالية، على منح أرفع جوائز المهرجان لمخرجات غير جديرات بها. ما يعيدنا مجددًا إلى النقطة الأهم، وهي أن المدير الفني يُعلي من شأن الجودة، كي يتغلب أصلًا على نقص عدد المخرجات، وهو أمر لا دخل له فيه بالمرة. فقد استقبل المهرجان هذا العام، مثلًا، 3095 فيلمًا لمخرجين، بينما استقبل 1545 فيلمًا لمخرجات، أي النصف تقريبًا. وهذه النسبة تكرّرت تقريبًا خلال السنوات الخمس الماضية. ما يؤكد أن الأزمة ليست أزمة مهرجانات أصلًا، بل أزمة صناعة لا تدعم المخرجات. وتلك، أيضًا، من النقاط المسكوت عنها، أو غير المناقشة بعمق وصراحة، ومن المفترض تحليلها ومناقشتها وحتى مهاجمتها، وليس مهاجمة سياسات المهرجانات واختياراتها، لأن المهرجانات، في النهاية، تتتبع الصناعة القائمة. ومن ثم، فإن جل ما يمكن لباربيرا، وغيره، التعويل عليه هو ذائقته في اختيار، أو عدم اختيار، أرفع وأجود الأفلام الفنية التي تستحق المنافسة فعلًا. والدليل أن أغلب المخرجات المختارات في “فينيسيا” حصلن على أرفع الجوائز. ما يدل على حسن الاختيار، وبُعد الرؤية، والإنصاف، والذوق الفني الرفيع.
الجغرافيا السينمائية للدورة الـ83
تأتي فرنسا، كالعادة، في الصدارة، بفضل انخراطها العريض في الإنتاج والتمويل، وذلك بفارق واضح، إذ تظهر في 39 مشاركة إنتاجية. ويشمل حضورها عددًا كبيرًا في أفلام “المسابقة الرئيسية”، وغيرها. تليها أميركا في المركز الثاني بـ35 مشاركة، وحضورها يمتد أيضًا لمعظم أقسام المهرجان. أما إيطاليا، الدولة المضيفة، فتأتي ثالثة بـ30 مشاركة إنتاجية متنوعة. المركز الثالث لا يعني حضورًا هامشيًا، فإيطاليا حاضرة بقوة في مختلف الأقسام، خاصة “المسابقة الرئيسية”، المشاركة فيها بستة أفلام دفعة واحدة كإنتاج. وإن كانت هناك أربعة أفلام بتوقيع أربعة مخرجين إيطاليين، والفيلمين الخامس والسادس من الإنتاج المشترك، وهما “بعض الضوء” للإيراني علي عسكري، و”العودة إلى بوينس آيرس” للإيطالي التشيلي ماركو بيتشيس. ما يعني أن فرنسا وأميركا وإيطاليا ممثلة بأكثر من ثلث إجمالي المشاركات الإنتاجية.

أما الدول ذات الحضور المحدود فهي، بنغلاديش، وبنين، والكاميرون، وكولومبيا، ولايات ميكرونيزيا المتحدة، وجورجيا، ولاتفيا، ولبنان، وموريتانيا، والجبل الأسود، ونيبال، والفلبين، ورومانيا، وصربيا، وسنغافورة، وجزر سليمان، والإمارات، وفيتنام. مشاركة بنغلاديش تعد من المشاركات الجديدة واللافتة، نظرًا لكونها أول مشاركة بفيلم روائي طويل، في قسم “آفاق”، وهو “العروس العنيدة” للمخرجة روبايات حسين.
وفي القسم نفسه يظهر اسم الكاميرون وبنين معًا، من خلال “بيت الريح” للكاميروني أوجوستي بيرنار. كما تحضر موريتانيا وجزر سليمان في فعاليات قسم “الواقع الافتراضي”، للمرة الأولى. وجود هذه البلدان في “فينيسيا” لا يعني بالضرورة أن لها صناعة سينمائية وطنية قوية، لكنها تخدم تشكيلة متنوعة من المشاركات. خاصة لو أضفنا إليها الجزء الآسيوي، فاليابان، مثلًا، لديها 8 مشاركات، والصين والهند وتايلاند وهونج كونج ثلاث مشاركات لكل منها، بينما تظهر كوريا الجنوبية وإيران وتركيا وغيرها بمشاركتين، وتحضر بنغلاديش ونيبال والفلبين وسنغافورة وفيتنام بمشاركة واحدة. أما الشرق الأوسط، فتظهر فلسطين بثلاث مشاركات، وقطر والسعودية بمشاركتين، بينما يظهر العراق والإمارات ولبنان بمشاركة واحدة، أو اثنتين.