محمد هاشم عبد السلام

يُمكن أن تكون المراعي الجبلية نقاط تقاطع، تُحَدِّد سلوك البشر وتفكيرهم ومصائرهم، وغير البشر أيضاً، من دون الاكتفاء بكونها مناظر خلابة، أو طبيعة وعرة فقط، إذْ تنطوي على معانٍ متضاربة، كالعزلة والانفتاح والحرية والمنفى والبقاء والترحال، وغيرها. هذا يؤكده “المراعي الجبلية الصيفية”، أول روائي طويل للبلجيكيَّين نائل خليفي وليزا دوبوش، المعروض في منافسات قسم “مخرجي المستقبل”، في الدورة الـ79 (5 ـ 15 أغسطس/آب 2026) لـ”مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي“.

مشهد الافتتاح خلاب: كاميرا تمسح مرتفعات جبال الألب الفرنسية الإيطالية، ثم تهبط إلى بقاع مقفرة، لمعاينة كيف أنه وسط كل هذا الانقطاع هناك بقعة صغيرة تنبض بالحياة، وإن على نطاق صغير، قوامها هانا (منال عيسى)، شابة في ثلاثينيات عمرها، ترعى قطيع أغنام هائل. الأغنام، وحرفة الرعي، والمراعي الجبلية، مفاصل الفيلم، والثيمات المُحرّكة للأحداث، التي تُفسّر عنوانه، الغامض والملتبس: إنها فترة معينة من العام، تُنقَل فيها القطعان إلى المراعي الجبلية الصيفية، لتعيش حياة المنفى، أو الحرية البرية، قبل العودة إلى مصيرها الحتمي.

وسط هذا الانقطاع الكلّي، والصمت المخيّم، وانتفاء البشر، هناك بطء قاتل لروتين الحياة الواقعية، وتكرار النشاط اليومي، والعمل اليدوي المتطلّب، والعناية بالأغنام في جبال ومنحدرات. هذا ليس إيقاعاً يعتمد على كثافة الأحداث، وتعدّد الشخصيات، وتصاعد الدراما. فالفيلم يرتكز على بطء واقعي للحياة، ورصد ملل وتكرار ومراقبة. هذا يعني تعاملاً مع الطبيعة، بصفتها قوة تُحترم ويُصغى إليها، أو تستحق الانفتاح عليها. هانا موجودة في مكان، يفترض به أن يكون محطة مؤقّتة للبشر، ولغير البشر، تحوّله إلى إقامة شبه دائمة لها، بينما يقطعه الآخرون سريعاً، بحثاً عن الاستقرار والحرية. لذا، يصبح الجبل مكاناً للعيش والعبور، وللحرية والمنفى.

عبر أحداث فرعية بسيطة، ينكشف سرّ هانا، ودافعها إلى اختيار هذا العمل الشاق، وتصميمها على الانقطاع عن البشر، والانفصال عن العالم برمته. وذلك في رهان المخرِجَين ومخاطرتهما، بالتعويل على المكان والزمن والتمثيل، أكثر من أي شيء آخر، وخلق دراما مشوّقة ومؤثّرة وعميقة، تقارب بصدق قضايا محورية، بتناول فني جديد ومغاير لما قُدّم سابقاً، وتحديداً مسائل الهجرة والمهاجرين، والهروب عبر الحدود. بهذا، دمج المخرجان خليفي ودوبوش أكثر من ثيمة معاً: العبور والهوية والحدود والانتماء والحرية والذاكرة.

تدريجياً، تكشف شخصية هانا، الممزقة بملامحها الحزينة، عن سؤال مُعقّد للغاية: ماذا يحدث، عندما يصير الابتعاد عن الوطن دافعاً إلى الانشغال به، لا نسيانه؟ تتبيّن عزلتها كمحاولة لتأجيل مواجهتها حاضرَ عالمٍ ترفضه، والهروب إلى أطول فترة ممكنة من ماضٍ لا فكاك منه. هانا بعيدة عن لبنان، لكن ليس عمّا يحدث فيه. تعيش في أوروبا، لكنه عيش منفى، يشبه الفرار إلى حد كبير، كالمهاجرين الذين يختبئون في الجبال الوعرة خوفاً من الشرطة، بأمل الاجتياز إلى موطن آمن.

المهاجر ينشغل بالمستقبل، ولا يعلق بالذاكرة كهانا. ينفتح على الجديد والحرية والمغامرة والعيش، وهذا تدركه هانا في النهاية، بعد حديثها مع المهاجر المغربي الشاب (الكبير بلفاطمي)، فتبتسم وتضحك لأول مرة، وشخصيتها تبدّلت تماماً. يتبيّن هذا بفضل ممثلة متمرّسة، عبر تعبيرات وجه وصمت وملل وعزوف عن الكلام. بالكاد تعيش الحياة، ثم تنتقل إلى شخصية أخرى تكاد لا تُعرف. مراكمة هذه الحالة، والتعبير الأخير عن الانفعالات، يصل بالفيلم، عبر ممثلة واعية وصادقة، إلى الذروة المطلوبة، من دون مباشرة أو افتعال. ربما لهذا، جائزة أفضل ممثلة لمنال عيسى بلوكارنو الـ79 مستحَقّة، لما أضافته إلى هذه الشخصية المعقدة من حضور أدائي ونفسي وانفعالي ملموس للغاية. والربط بين الصمت والحركة والعمل والنظرات، وجعل التجربة الداخلية محسوسة، حتى في اللحظات المستعصية على الشرح، التي امتدت تقريباً إلى نهاية “المراعي الجبلية الصيفية”.

في وثائقيّه “الألب” (2021)، رصد نائل، ابن المخرج ميشال خليفي، البقعة نفسها بصفتها طريقاً يستخدمها مهاجرون عديدون. لذا، ليست الهجرة والحدود والفرار والحرية مواضيع طارئة عليه. الجديد رصدها كأثر نفسي وذاكرة وتجربة ذاتية، أي الابتعاد عن الحدود السياسية والطبيعية، والاقتراب أكثر من الحدود النفسية. هكذا يُفهم تقبّل هانا لهذه الحدود الموحشة، صحبة الحيوانات، والتمنّع عن البشر، حتى عن والدتها، والعزوف عما يدور ببلدها، رغم صعوبة الانفصال، وإبطال ذاكرتها.

صحيح أن الجبال والعزلة والاختباء تمنح مسافة فاصلة مطلوبة، لكنها لا تمنح النسيان والسكينة والطمأنينة. توفر مأوى، وابتعاداً عن الهموم والغرق في اليومي، ومعايشة كائنات بكماء ومداواتها، لكنها لا تمحو التاريخ والذاكرة والآلام، وتؤكّد الفشل، أو العجز عن رعاية الذات، والاعتناء بالنفس، ومداواة جراحها بالقدر نفسه.

أكَّد حضور ليزا (سيبيل باتاي) في عالمها المغلق، وهذا اختيار درامي ذكي، أن أثره ليس كبيراً، وإن اضطرّت إلى الكلام والاحتكاك والعمل المشترك. صحيح أنها أحدثت حراكاً في المياه الراكدة، لكنها لم تكسر العزلة كنظام مغلق، وتردّ هانا إلى طبيعتها، فيتأكّد أن المشكلة ليست ببساطة في أن هانا غادرت لبنان، بل في أن الرحيل لم يُنهِ علاقتها به. بينما صار العكس تماماً، بفضل المهاجرين وأرواحهم وأفكارهم ومغامراتهم.

في نهاية “المراعي الجبلية الصيفية”، المُكثّف والمشحون، لا توجد عودة نهائية، أو مصالحة، أو شفاءً كلّياً، أو خروجاً من الحالة الذهنية والنفسية، فهانا تتعلّم كيفية التعايش مع الماضي، من دون أن يبقى سجناً وعذاباً.