محمد هاشم عبد السلام
بعد انقطاع طويل، حقّق الكوري الجنوبي لي تشانج دونج “حب ممكن”، الفائز بالجائزة الكبرى للجنة تحكيم الدورة الـ83 (2 ـ 12 سبتمبر/أيلول 2026) لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. فيلم أهدأ، لكنه لا يقلّ قسوة في نقده الإنسان والمجتمع والسياسة ببلده، إذ يستعرض ملابسات تجمع بين الحب والطبقية والاشتهاء، في ظلّ بيئة محكومة بالثراء والذاكرة، وبالرغبة والسلطة.
هوو ـ سيوك (سول كيونج ـ جو) فَقَد وظيفته، بعد إعادة هيكلة المصنع، فأصيب بجراح تتجاوز فقدانه إلى راتبه، وإصابات بدنية ونفسية راكمت إحساساً بفقدان القيمة والجدوى، وخلقت مأساة وجودية متكاملة. زوجته، العاملة الكادحة مي ـ أوك (غيون دو ـ يون)، تضطلع بكل شيء، وهذا يُعيدنا إلى شخصيات هائمة في عالم لا يمنحها بسهولة مساحة لتكون مفهومة أو محبوبة أو مرئية أو مرتاحة.
هناك زوجان أكثر ثراء واستقراراً: رجل أعمال يُدعى سانج ـ وو (زو إن ـ سونج)، وزوجته يي ـ جي (تشو يو ـ غيونج)، المخرجة الوثائقية، التي تحاول تصوير حياة العمال الذين فقدوا وظائفهم. يتقاطع العالمان، بسبب الكاميرا. لكن الكاميرا، بصفتها أداة اقتراب من الآخر، وتفاعل معه وتفهّم، تُصبح تدريجياً أداة مراقبة وسيطرة. هنا، تُطرح أسئلة: متى يتحول التعاطف مع معاناة الآخرين إلى عملية استهلاكية أو استغلالية أو نفعية؟ هل الكاميرا بريئة، أم أنها تقتات من مآسٍ قابلة للاستهلاك، عبر وثائقيات ومنصات ووسائل تواصل؟
اللافت للانتباه أن المخرج، بتوظيفه فكرة التصوير، جعل الكاميرا أكثر من مجرد وسيلة رصد، وحضورها لا ينفصم كثيراً عن التلصّص والمراقبة، على غرار كاميرات الفيلا ـ المنتجع قرب البحر، التي يملكها الزوج الثري، والتي يذهبون إليها جميعاً، تأكيداً على أن الحياة باتت فعل تلصّص ومراقبة، لأسباب فنية أو أمنية أو إنسانية.
بهذا، يُمعن دونج في سَبرٍ أعمق، وطرح أعقد، لينتقد تلك النظرة/الممارسة، والنظام الاجتماعي الذي ينتجها، إذ شغلت الطبقية وعوالمها، والغموض الذي يكتنفها، عوالمه: العجز عن فهم عالم الأثرياء، أو اختراقه. في “حب ممكن“، تتسع الدائرة لتضمّ شريحة اجتماعية، لا رصداً لفرد. مُجدداً، يحضر الفقر والبطالة والتهميش وتعذر الحب، لا بصفتها خلفية، بل قوى تعيد تشكيل الشخصيات، وتؤثّر في علاقاتها بنفسها وجسدها، وبمن حولها، وبكرامتها ومستقبلها.
من بين الأقوى والأنضج، أن لا شخصيات مثالية، ولا ضحايا أوغاد من الأغنياء الأشرار. فالفقير يحسد ويؤذي ويشتهي ويخطئ. والغني يمكنه أن يحب ويتعاطف، ويكون أنانياً وكريماً وطمّاعاً. أما أقوى الثيمات الحاضرة بجلاء، وأكثرها جِدّة، فتلك التي تخص الرغبة. الافتتاح يُشير إلى الوصية العاشرة، “لا تَشتَهِ”، كمفتاح لمقاربة الفيلم. الرغبة ليست جنسية فحسب، بل ستكون ببساطة اشتهاء حياة الآخر. الفقير يتمثّل فقره ببساطة في الافتقار إلى الأمان الذي لدى الغني. والغني يشتهي حياةً أبسط وأصدق، أو علاقة أكثر حميمية. اشتهاء كل أسرة لما لدى الأخرى، ومحاولة الحصول عليه، يبدوان مستَحِلين. يظهر ما يحدث عندما تحاول الطبقات الاقتراب من بعضها البعض. النتيجة؟ جِدّ مريرة، والقرب يكشف التشابه بين البشر، ومقدار ما لا يستطيعون مشاركته.
في خضم هذا، يصبح الحب نفسه منطقة صراع واشتهاء، ما يطرح أسئلة، ليس عما إذا كان الحب موجوداً أم لا، بل بأي شروط يمكن أن يكون ممكناً: هل باستطاعته العيش عندما لا يملك الطرفان مقومات الحياة نفسها؟ هل نستطيع أن نرى ونحب شخصاً آخر من دون اختزاله بفقره أو طبقته أو مأساته؟ هل نستطيع الاقتراب منه، من دون تحويله إلى صورة لأنفسنا؟ ما الذي نشتهيه ونرغبه أكثر: ماله؟ صحته؟ حياته؟ جسده؟ حريته؟ أمانه؟ أم كل شيء وأي شيء يبدو أن الآخرين يمتلكونه، ولا نحتكم إليه؟ لي تشانغ دونغ يسحب هذا من الرغبتين العاطفية والجنسية، ويضعه في سياق اشتهاء القوة الاجتماعية، فيتمّ تجاوز إطار الآخر وجسده إلى الحياة التي يمثلها. هذا بدوره يطرح سؤالاً: هل نحب الإنسان لذاته، أم لما نراه فيه من حياة لا نملكها، أو عالم يعزّ علينا الانتماء إليه، ويستعصي دخوله؟
أجمل ما في السبق، تأكيد “حب ممكن” أن الطبقة ليست مسألة دخل أو ثراء، بل أيضاً امتلاك امتيازات: الحرية وهدوء البال، وانتفاء لعنة القدر الموروث، وجرأة الانسحاب وتحمل التبعات، وتخيل المستقبل من دون التفكير في عناء اليومي. امتيازات ربطها دونغ بالطبقة، بمفهومها العريض وضمنه، مذكّراً أكثر من مرة أن البشر لا يملكون العالم بالتساوي، فالحب ممكن، لذا يتركه في التأرجح والاحتمال، إما أن ينجح أو يفشل حتى في ظلّ التفاوت. لكن المساواة ليست كذلك بالضرورة. هذا يؤكده دونغ، بجعل مي ـ أوك تترك ابنها مع البستاني يلهو بخرطوم المياه، ولم تسلك السلوك نفسه لوالدتها معها في صغرها. استوعبت واستسلمت لكون مصيره سيكون مصيرها نفسه، كما أدركت أن الاستمتاع بالحرية، وإن بملكية خاصة وشاطئ خال، غير ممكن، بعد أن زاحمها سانغ ـ وو مصارعاً إياها، من دون تلامس، وهما عريانان، وسط المياه، في مشهد يُعتبر تحفة فنية صادمة ومؤلمة ومؤثرة.
جعلنا دونغ نرى ونعيش هذا كله وأكثر، بأحداث وشخصيات وحوارات بسيطة وعميقة وصادقة. لذا، للبطء حضور محوري، وللمراكمة المتمهلة للأحداث والذكريات دور. ولعلّ لهذا تتحوّل العلاقات وتتبدّل الأحوال من دون درامية صارخة. حتى حضور السياسي لا ينقلب إلى بيان مباشر أو خطاب أو شعارات. فلي تشانغ دونغ أوجز ببراعة أننا نعيش في ظل اقتصاد بشع، ينهش البشر بلا رحمة، وبقرار إداري يمكن محو سنوات من تعب إنسان وحياته ومستقبله. كما يمكن أن تنهشه الطبقة الأعلى ببساطة، أو يقضم الفقر والبؤس ولعنة المصير آماله وتطلّعاته حتى القبر.