فينيسيا – محمد هاشم عبد السلام

في “نازا”، الفائز بجائزة “لجنة التحكيم الخاصة” في “المسابقة الرئيسية” للدورة الـ83 (2 ـ 12 سبتمبر/أيلول 2026) لـ”مهرجان فينيسيا“، ينتقل الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحِل شور، اللذان تعاونا مع الفلسطينيَّين باسل عدرا وحمدان بلال في إنجاز “لا أرض أخرى” (2024)، الفائز بجائزة “أفضل فيلم وثائقي” في قسم “بانوراما” خلال فعاليات الدورة الـ74 (15 ـ 25 فبراير/شباط 2024) لـ”مهرجان برلين السينمائي“، و”جائزة الجمهور”، والحاصل على “أوسكار” أفضل وثائقي (النسخة الـ97، 2 مارس/آذار 2025)، من رصد العنف المباشر لمستوطنين في الضفة الغربية، للاستيلاء على أرض، أو لهدم بيت، أو لاقتلاع عائلة، إلى عنف مغاير أكثر فتكًا، وغير مرصود بصريًا، لكنّه يحضر بقوة وقسوة في شهادات موظّفين عسكريين بيروقراطيين، ينفّذون أوامر قتل واستهداف كل من يشتبه في صلته بـ”حماس”. وبينما اكتفى “لا أرض أخرى”بفضح الجرائم المرتكبة جهارًا على مستوى الأفراد، حاول “نازا” نقل وتفسير خفايا وآليات إنتاج هذه الجرائم الجماعية الممنهجة، في أعلى مستوياتها.

“نازا” (Naza، إنتاج الجارديان البريطانية وJW Films، عام 2026) توثيق لوجه من أوجه المنظومة التكنولوجية المتسبّبة بما يحدث في غزة. إنه عن التكنولوجيا حين تنفصل عن الأخلاق، والحرب حين تتحوّل إلى برنامج كمبيوتر وشاشة جهاز، واللغة حين تتواطأ مع الجريمة لمحو الجرم الأخلاقي والنفسي، كما أنه عن كيفية ارتكاب الإنسان فعلاً إباديًا كارثيًا بكبسة زر أمام الشاشة، ثم يمارس حياته اليومية المعتادة، وربما يستمتع بها بطريقة طبيعية.

Naza مصطلح تقني في منظومة الاستهداف العسكرية الإسرائيلية، مرتبط بما يسمّونه “الأضرار الجانبية” لعدد المدنيين المتوقع قتلهم في قصف هدف مرصود. يمضي المصطلح إلى مسافة أبعد، لغةً وإحالة وأخلاقًا وإنسانية، فيعتبر أن طفلاً أو أمًا أو أبًا أو عائلة مجرّد أرقام. عندها، تكون العملية رقمية حسابية بحتة. قتل 1 نازا، أو 2 نازا، أو 500 نازا، يعني قتل شخص أو شخصين أو 500. ولعل المقصود باستخدامه على هذا النحو جعله أيسر وأبسط، نفسيًا وأخلاقيًا، كأداة لوصف القتل.

يقارب “نازا” المذبحة الغزية والتطهير العرقي المستمرّين من زاوية مغايرة، تجعلنا نفهم، أو نحاول فهم كيف يتحوّل الإنسان إلى مجرد رقم، والموت إلى قرار تقني مرتبط بحسابات ورياضيات وخوارزميات وبرامج ذكية، أكثر من أي شيء آخر. لذا؛ لا يكرّر الفيلم – المنتمي إلى نوع الوثائقيات التي يطلق عليها الرؤوس المتكلمة أو الجالسة أمام الكاميرا، تحكي وتجيب عن أسئلة – الصُور المعتادة للتطهير العرقي في غزة، ولا يهتم برصد التبعات، بل بما يسبقها، وبآلية تنظيمها، وكيفية اتخاذ القرارات وتنفيذها، بدءًا من رصد الهدف وتتبعه، وتحليل البيانات، ثم اختراق الهواتف والشاشة، فاللغة، حتى لحظة الاصطياد.

في ظلام دامس تقريبًا، فوق أسطح بنايات متفرّقة في تل أبيب، يدير أبراهام وشور الحوارات مع 24 شخصًا من الاستخبارات والجيش الإسرائيليين، السابقين أو العاملين في منظومة الاستهداف، مع إخفاء ملامحهم، وتغيير أصواتهم. هؤلاء يشرحون بالتفصيل آلية مشاركتهم في تلك العمليات.

بين شهادة وأخرى، يُمعن المخرجان في رصد شوارع المدينة والبنايات وناطحات السحاب والشقق، ومن يعيشون فيها، رغم تمحور الحديث عن غزة، فتصبح تل أبيب المُقابل للحياة المُدمّرة والمباني المنسوفة على بُعد عشرات الكيلومترات في القطاع، وكلما أمعن الضيوف في شهاداتهم المخيفة، ووصفهم تدمير حيوات أخرى، نغرق في ليل مدينة وبشر لا يكترثون إلّا بحياتهم. ما يدفع إلى التساؤل: كيف يستطيع هذا المجتمع العيش، ومنظومة قتل ممنهجة تُدار بهذا الحجم والمستوى إلى جواره؟ ما هذا المجتمع الذي يجعل الموت إجراءً إداريًا، والضحايا أضرارًا جانبية، أو أرقامًا في دفاتره؟ هنا، تكمن أهمية اللقطات المكرّرة، ليس لأنها تُظهر التباين بين التدمير الممنهج للبنايات في غزة فحسب، والإعمار الممنهج لناطحات السحاب في تل أبيب، بل لجعل التباين، والاختلالين الاجتماعي والنفسي، جزءًا من السؤال الأخلاقي غير المؤرق لهذا المجتمع.

إجمالاً، شهادات الأفراد ليست جديدة كليًا. لكن ربطها معًا بشكل مكثّف يزيدها عمقًا ورعبًا، ويكشف عن أن المتحدثين ليسوا أبطالاً ولا مُنشقّين أو مُتطهّرين أو نادمين أخلاقيًا. بعضهم يتحدّث ببرود، والبعض بارتباك، وآخرون بوخز ضمير، والأغلب بلهجة أقرب إلى الاعتياد المهني، أو لأنه مجرد مُنفّذ أوامر. باختصار، إنّهم موظفون محترفون، يعرفون وظائفهم ويجيدون ممارستها، ولا يتردّدون لحظة عن تنفيذها، وهذه كارثة أخرى يرصدها “نازا”: كيف أن الجريمة الجماعية الحديثة في الحرب باتت عملاً روتينيًا، والفرد لم يعد مسؤولاً مسؤولية كاملة، فهو يضغط على زرّ لينفّذ أمرًا، وبعض الأوامر اسم أو كلمة عربية يشتبه بها الذكاء الاصطناعي، فيُصبح الأمر في النهاية، كما يصفه أحدهم، كالألعاب الإلكترونية المسلّية. المساءلة ضائعة كلّيًا، إن يكن هناك مساءلة ممكنة يومًا ما. فأي فرد يمكن إدانته: المُشغّل، أو المُحلّل، أو مُصدر الأمر، أو مصمّم الخوارزمية، أو البرنامج، أو الجهاز؟ أخيرًا: كيف أن نجاح العملية بات يُحسب بصفته نجاحًا تقنيًا، لا كارثة بشرية.

المرعب فيما يكشف عنه الفيلم يكمن في مدى الاختراق الذي نعيشه، وتغلغل الذكاء الاصطناعي، ومنظومات تحليل البيانات والاتصالات والهواتف، ومشاهدة الصُور الخاصة على الهواتف لتحديد المكان المستهدف؛ وفي أن الخوارزميات باتت تتخذ قرار الحياة والموت. والمثير للانتباه أكثر، أن القتل الحديث لم يعد بحاجة إلى جندي يقاتل ببسالة أو نذالة، بل سلسلة معلومات ومراقبة واختراق وتجسّس وتصنيف وخوارزميات، ثم هدف وأمر وقصف، فأرقام للضحايا. هذا توصيف للخِسّة في أجلى صُورها، بعيدًا عن أخلاقيات الحروب ونزاهة القتال. فالهدف لا يعرف أنه مُراقب، ومن يراقبه لا يعرفه، ومن يصدر الأمر لا يرى المكان، ومن يُشَغِّل النظام لا يرى الجثة، والبرنامج برُمَّته ليس بشريًا. هكذا تتوزع المسؤولية وتتوه. والأسوأ، أن الأمر يُعتاد عليه بصفته منهجية بيروقراطية آلية، تُنفَّذ بسهولة بالغة يوميًا.

سينمائيًا، “نازا” مُتقشّف، ومحدود الأدوات: مقابلات، أصوات، صمت، ليل، ظلام، مدينة مرصودة من بعيد، بنايات خرسانية تشيَّد، بضع لقطات أرشيفية نادرة، وأخرى حديثة، وخاتمة دموية مفزعة لمقتل عائلة في انهيار بناية مرصودة، والأب يبحث عن أفرادها تحت الأنقاض. خاتمة تلخّص بعمق متن الفيلم وتبعات المرصود فيه.​​​