محمد هاشم عبد السلام

دون مواربة، أثبت اللبناني الشاب كريم قاسم (مواليد 1990) أنه من المخرجين العرب، وليس اللبنانيين فحسب، أصحاب المشروع السينمائي الفني الجاد بمعنى الكلمة، والمتسم بالصدق والفنية والتطور، خلال العقد الأخير، على الأقل، والقائم على سمات عديدة لافتة، يصعب عدم ملاحظتها أو المرور عليها سريعًا، وتستحق التوقف عندها بالرصد والتحليل، والإعجاب أيضًا. مع الأخذ في الاعتبار أن وصف “المشروع السينمائي”، بالنسبة لأعمال أي مخرج، ليس بالأمر السهل، ولا يتعين إطلاقه عشوائيًا أو مجاملة البتة. ورغم أن مشروعه الطموح، الواعد والمختلف فعلًا، لا يزال في طور التشكل والتطوير، فإنه يمكن القول إن التجربة، إجمالًا، على قصرها وغزارتها، تشكل بالتأكيد اتجاهًا مهمًا وفريدًا في السينما العربية المعاصرة المستقلة.
المثير للدهشة، واللافت جدًا للانتباه في “حالة كريم قاسم الفنية” – فإلى جانب الكتابة السينمائية، يمارس التصوير السينمائي، والفوتوغرافي (بشكل رائع)، وله إعلانات وكليبات موسيقية لافتة أيضًا، تستحق المتابعة والتحليل، وبعضها متوفر على موقعه الخاص – أنه يصعب للغاية وضع أو تلخيص تجربته السينمائية تحت توصيف سينمائي واحد. ورغم أن التحدث عن تجربة أو مشوار مخرج يستلزم، عادة، سنوات وأفلامًا عديدة، فإن كريم قاسم المولد والمقيم في بيروت، بعد تجربة عيش وعمل في نيويورك لقرابة العقد، يكسر هذه القاعدة، نظرًا لغزارة وتنوع وتعدد وثراء إنتاجه، المتسم بفنيات وجماليات وعمق، وطابع ذاتي جد مغاير، يختلف فعلا عن المعاصرين له عربيًا، أو في لبنان. وفي هذا الصدد، لا تنحصر أعماله، مثلًا، في التمحور حول إعادة إنتاج المعهود عن الراهن اللبناني، والموضوعات المألوفة عن الحرب والذاكرة والخراب، والتحسر على أحوال شعب وبلد، بل الانطلاق إلى آفاق أرحب وأبعد، وذلك عبر مراحل تطور متدرجة، تؤكد على نضج تجربة، وتكرس وتؤكد كونه مخرجًا صاحب مشروع فعلًا.

مُحاولة للاقتراب من عالمه

أنجز كريم قاسم عدة أفلام قصيرة، منها، “نزوح بيروت” (2014)، و”صحوة” (2017)، و”ماجدة” (2017)، و”حقائب حزينة” (2018). مع الأسف، لم يتح لي مشاهدتها، حتى الآن، ولذا يصعب تخمين أو استنتاج مدى تأثيرها على أفلامه اللاحقة، أو الحكم على فنياتها، أو الجزم بكونها نواة لأفلام ورؤية مخرج سار على نفس النهج، أو حاد عنه وتمرد على بداياته. لكن، المثير أن إنجاز المخرج في الأفلام القصيرة ليس قليلا، بعكس المخرجين الذين ينتقلون سريعًا من القصير إلى الروائي. أما اللافت أكثر فأنه خلال فترة زمنية جد قصيرة، أنجز عدة أفلام طويلة، مهمة فعلًا، والأغرب أنها، في الأغلب، ذاتية التمويل، إلا من بعض الدعم مؤخرًا من مؤسسة الدوحة وميتافورا وآفاق وصندوق البحر الأحمر والجونة. وكان أولها “وحدها الريح” (2020)، و”أخطبوط” (2021)، و”الثااالث” (2023)، و”موندوف” (2024)، و”قساطل” (2026). مشاهدة الأفلام بالترتيب تكشف إلى أي مدى مشروعه السينمائي متطور ومتقدم وثوري، رغم طابعه الهادئ والرصين والخادع، ويتسم برؤية فكرية عميقة، وفلسفية باطنية، وجماليات متنوعة وثرية، وهواجس عديدة، صادقة وأصيلة، منطلقة من الذاتي إلى العام. أعمال تحاول، بفنيات متعددة، وعبر أنواع سينمائية مختلفة أو متداخلة معًا سرديًا، رصد كيفية عيش اللبناني، والعربي، والإنسان عامةً، في عالم غير متزن، ومحيط كوني فقد استقراره.

في ضوء ما تسنى لي مشاهدته من أفلام لبنانية على مدى ثلاثة عقود أو أكثر، وهي ليست بالقليلة أبدًا، يمكن التأكيد على أن سينماه جد مختلفة ضمن هذا السياق، ومقارنة بالمعاصرين أيضًا. مثلًا، سينماه ليست عن الكارثة، بل ما بعدها. أي، مهتمة بالزمن التالي للحدث، وليس التوقف أو التجمد عند رصد الراهن – ذكريات حرب، انقسامات طائفية واجتماعية وسياسية، انفجار المرفأ، سرقة المصارف، إلخ – رغم جذور سينماه الضاربة بامتياز في صميم العيش اللبناني الراهن. ربما هذه رؤية شخصية مقصودة وقراره المتخذ سلفًا، أو طبيعة جيل جديد بات يرى أن الخراب والدمار والفساد والتباكي وانقسام بشر وخراب بلد ليس جديدًا ولا استثنائيًا، بل قوام بنية غير منفصلة أبدًا عن خصال بلد. وربما لهذا، تظهر لبنان في أفلامه بشكل مغاير كثيرًا، ليس كبلد مأزوم، مهدد بالانفجار أو الانقسام في أي وقت، ولا صاحب خلفية سياسية طافحة ومنفرة ومربكة، كفضاء يحتوي كل هذا بالطبع، لكنه مجرد الخلفية، إذ يحتل الإنسان العادي البسيط المقدمة، بقدرته على الكفاح ومساعيه للإصلاح أو النجاة اليومية أو حتى مجرد مواصلة العيش، كيفما اتفق. من هنا، يكثر في مشروع المخرج التمحور الكبير والتركيز الشديد، اللاواعي ربما، حول ثيمة العطل أو العطب، والحاجة الماسة للإصلاح أو محاولة الإصلاح، قدر المستطاع.

المخرج الشاب كريم قاسم.

إلى جانب هذا، ثمة ثيمات كثيرة، ثابتة ومتكررة، تتسم بنضج بالغ في أكثر من فيلم. أولها الانجذاب إلى شخصيات ليست عادية، بل هامشية جدًا ومنعزلة، ورغم هذا فإنه يتشبث بها، ويكرّر ظهورها. أيضًا، الميل إلى الاقتصاد السردي شديد، فالتقشف، والحوارات الضرورية فقط، وشريط الموسيقى المميز للغاية، خاصة في الأفلام الأولى.

كذلك، التعامل مع الصورة كأداة للتفكير، وليس مجرد وسيلة للتوضيح والشرح. ولذا، فالكاميرا، بدورها، مجرد راصد، لا تنبري للتدخل أو التفسير أو جذب الانتباه بالمرة. وعليه، فالأسلوب، إجمالًا، لا أظنه يتمحور حول الكتابة أو ينطلق منها أساسًا، بقدر انطلاقه من البصري، ثم المكاني. بمعنى أن الصورة، ثم المكان، فالشخصيات، كلها تفرض الحبكة، وتقود السرد، وتنسج الحكاية. وبالتالي، لسنا بصدد متابعة موضوعات بقدر تتبع شخصية، ومصيرها، وتفاعلها مع المكان والمحيط. ومن ثم، من المنطقي تكرار الشخصيات أو الممثلين من فيلم لآخر، وذات الأماكن، والأطر العامة للسرد. يضاف إلى هذا العديد من اللقطات والمشاهد المتكررة. مثلًا، لا يخلو فيلم من سيارة، ولقطات لداخلها، أو ملتقطة من داخلها، أو لقطات عامة أو علوية أو من داخل السيارة للطريق المفضي إلى الجبل.
إصرار المخرج على هذه الثيمات، وتكرارها، أحيانًا بحذافيرها، ليس دلالة إفلاس، بل ثراء وغنى، وتأكيد على جماليات صادقة، تعيد للأذهان الكثير من المشاهد لعظماء الإخراج السينمائي. وإن كان تكرار نفس الممثلين، يستدعي، مثلًا، الشخصية الغامضة المتكرر ظهورها في أجزاء مسلسل “الديكالوج” أو “الوصايا العشر” (1989) للبولندي الراحل كشيشتوف كيشلوڤسكي، وإن بطريقة مختلفة. كما أن ثيمة العودة، سيما رجوع مخرج إلى بلده، تستدعي للأذهان عدة أفلام، أهمها وأبرزها شخصية البطل “أ” (هارفي كايتل)، المخرج العائد إلى بلده، بعد عقود من الغربة، في رائعة اليوناني الراحل ثيو أنجيلوبولوس “تحديقة عوليس” (1994).

العودة إلى وطن غريب

في الروائي الأول “وحدها الريح” (2020)، نتابع عودة مخرج من نيويورك إلى لبنان بحثًا عن مادة لفيلم. عودة ليست جغرافية فحسب، بل إلى الذات، التي تكتشف، للمفارقة، أن مكانها أو بلدها صار غريبًا، وفقد ألفته المعهودة. من هنا، تتقاطع أحداث “وحدها الريح” وحبكة فيلم “تحديقة عوليس”، حيث البون الشاسع بين أن تعود إلى مكان وأن تستعيد علاقتك به. وعليه، يجد المخرج نفسه، في خضم عملية البحث، إزاء جملة أسئلة تفوق بكثير الفيلم الذي كان يريد صنعه.

لقطة من فيلم “وحدها الريح”.

ومثل الحبكة الفرعية في “تحديقة عوليس”، حيث البحث عن بكرات الأفلام المفقودة، وبراءة التحديقة الأولى في الكاميرا، وللابتعاد بذكاء عن كوننا إزاء فيلم عن السينما، وفيلم شخصي أو ذاتي بحت، تتناول الحبكة الفرعية، المهمة دراميًا وفلسفيًا ونفسيًا، زيارة مؤسسة للمكفوفين. ومجددًا، نجدنا إزاء أسئلة مشابهة لما طرحه أنجيلوبولوس، حول “الرؤية”، وإمكانية تمتع الإنسان بالقدرة على النظر، وفي الوقت ذاته، العجز عن استيعاب ما يراه. ولذا، مثلًا، نعاين المدينة ونراها، لكنها مستعصية، ويكتنفها الغموض. الذاكرة حاضرة، لكنها غير صافية. الوطن حاضر، لكنه غير حاضن.
باختصار، المكان في الفيلم ليس ما نراه فحسب، بل ما لا نستطيع رؤيته. إنه النموذج للاغتراب داخل الوطن، وليس اغتراب المهاجر في الخارج فحسب. وهذا مما يحسب للمخرج، إذ عادة ما تناولت السينما اللبنانية الهجرة أو الرغبة المسعورة في الخروج من البلاد وفقط. الغريب هنا أن الكاميرا ترصد المكان كطبقة من الذاكرة، كأثر، كشيء غير ملموس. وربما من هنا كان العنوان الذكي، إذ بالنسبة لهؤلاء الصبية والصبايا المكفوفين، وحدها الريح التي ترى وتحس وتلمس مباشرة. المثير أن الأثر الملموس، عامةً، والذي في الغالب تفوق أهميته أهمية الحدث نفسه، سيصبح محورًا مركزيًا في سينما المخرج.

صدمة مرصودة بعيون أخطبوط

إن كان “وحدها الريح” فيلم العودة، فإن الوثائقي “أخطبوط” هو فيلم الصدمة. إذ بعد وصول المخرج إلى بيروت بيوم واحد وقع انفجار المرفأ في أغسطس/ آب 2020. سرعان ما تغلب كريم على الصدمة، وبات الحدث نقطة انطلاق لأحد أروع وأذكى وأصدق الأعمال المصنوعة عن أصداء الانفجار وتبعاته. ورغم وثائقية الفيلم، فإنه نجا من فخ التعامل مع الحدث كعمل تقليدي يرصد الخراب أو كتقرير ينقل حجم الدمار. إذ لم يكن هم كريم أسئلة مطروقة مثل كيف؟ ولماذا؟ ومن؟ بل تجاوز هذا، للرصد والتساؤل حول طبيعة العيش بعد ما وقع. ولذا، تحول الفيلم إلى نوع من البحث الفلسفي والتأملي والنفسي عن معنى النجاة. وكيف أنها قد تكون نجاة بالجسد، وليس النفس والروح. وبعد سؤال الرؤية في فيلمه السابق، بات السؤال هنا عن النجاة ومواصلة العيش؟ ولذا، ينقلب ما بعد الكارثة إلى سؤال وجودي، ينطلق جزئيًا من الشخصي إلى العام.في “أخطبوط” نُعاين بحسرة تلك الوجوه الخشبية الجامدة، المُعبرة والدالة، مع ذلك، عن معان لا حصر لها. نكتشف شوارع فارغة، وصخب عمليات الترميم والإعمار، وأناسًا يحاولون تخمين وتبين كيفية مواصلة العيش، أكثر من انشغالهم بحجم ومدى الدمار ومن خلفه. البراعة ملموسة في عدم تقديم الانهيار عبر صور الانفجارات أو اللقطات الأرشيفية أو المباني المدمرة، بل استمرار الحياة، وطزاجة مشاهد بشر في خضم اليومي، واستمرار حياة.

بعد ثلثي الفيلم تقريبًا، تركز الكاميرا على حي بيروتي بعينه، تظل ثابتة عليه لفترة زمنية طويلة، للكاميرا هنا حضورها الجلي، وإن كان غير مزعج ولا مقحم بالمرة، نظرًا للاكتفاء بالرصد والمراقبة الفاعلين، من خلال مجموعة لقطات مؤطرة بجمال لافت غير مفتعل.
في بداية الفيلم، الصامت، يقود رجل كث اللحية، لم يذكر اسمه، شاحنة مليئة بالأبواب إلى موقع على مشارف بيروت، حيث نرى رسم الأخطبوط وقد طبع على الأبواب. في نهاية الفيلم، تنقل الأبواب عبر بيروت، رغم أن الناقل لا يتلقى أي رد عندما يحاول تسليمها إلى شقق خاوية بالمدينة. لكن، ما هي أهمية هذا، وما أمر الأخطبوط نفسه، ودلالاته؟ إنها استعارة ذكية، كعنوان الفيلم السابق، لكائن متعدد الأذرع، ينتشر ويمتد ويتوغل في كل اتجاه، ليضرب بأطرافه اللاصقة ويحكمها حول مفاصل الحياة ومصائر بشر، وذاكرة وتاريخ مدينة، ومستقبل بلد.

إصلاح المُتعذر إصلاحه

في فيلم “الثااالث“، روائي طويل بالأبيض والأسود، نتعرف على قائد السيارة كثيف اللحية في فيلم “أخطبوط”، إنه المعلم فؤاد (فؤاد محولي)، صاحب ورشة لإصلاح السيارات وبطل الفيلم. الورشة والمكان يتسمان بغرابة مميزة، مهجورين تقريبًا في منطقة مخيفة بقرية على أطراف بيروت، يزيد من طبيعتها اللونان الأبيض والأسود. تدور الأحداث في ورشة إصلاح السيارات، لا نفارقها إلا قليلًا. هناك، نتعرف عن كثب على المعلم فؤاد الميكانيكي – وهذه مهنته فعلًا في الواقع – الهادئ الذي يجد نفسه إزاء أسئلة عن طبيعة الوجود الراهن في لبنان بعد الكارثة والانكسار.

لقطة من فيلم “الثااالث”.

الورشة هنا ربما الاستعارة الأوضح في أفلام كريم قاسم، إذ تحيل إلى لبنان، وتعيدنا إلى ما ذكرناه عن ثيمة الأعطال في مشروعه، ومحاولات إصلاح المعطل أو المعطوب. وإن كنا هنا، من خلال عم فؤاد بورشته البدائية، عاجزين أمام أعطال أكبر وأعمق، تفوق قدراته ومهاراته. إذ ظاهريًا يأتي إليه أصحاب السيارات لإصلاحها، لكن فعليًا الأعطاب بداخلهم. ولذا، نعاين شخصيات قلقة، وخائفة، وغاضبة، وعاجزة. فنجدنا وفؤاد عالقين بين عالمين، الأشياء، والبشر. بينما مظهره، وشخصيته وسلوكه وحياته – وحتى المشاهد الغامضة، حيث يضع فوق سيارته بعض الأبواب، ثم يحملها، ويمضي لبيت مهجور بلا أبواب، في تذكير بالأبواب التي لا تصل لأحد ودلالاتها في “أخطبوط” – تكرس للعجز الفاضح عن إصلاح أشخاص ومحيط، وبلد، وعالم. ومع هذا، لا بديل عن المواصلة، رغم الشعور الدائم بأن شيئًا جوهريًا قد انكسر.
بهذا يمكن الاتفاق مع المخرج، إلى حد كبير، فيما ذهب إليه من كون الأفلام الثلاثة تمثل ثلاثية في حد ذاتها، من حيث تقاطع الموضوعات، وإن اختلفت طرق السرد والتناول الفني والنوع السينمائي. حيث جاء الأول معبرًا عن أزمة الرؤية، وفيه الشخصية تعود وتعاين العالم وتحاول الرؤية والفهم. والثاني، يتناول معضلة النجاة، ومحاولة رصد معايشة وتعايش وتبعات كارثة، والسعي لاستيعابها وتجاوزها. أما فيلم “الثااالث”، والعنوان استعارة أيضًا، كالفيلمين السابقين، يؤكد أن هذا هو الثالث في الثلاثية، وحرف “i” يبرز هذا “Thiiird”، فأكَّدَ على أزمة الإصلاح، رغم محاولة الحرفي الماهر المستمرة لإصلاح المتعذر إصلاحه، وإعادة ترميم وترتيب فوضى وبؤس عالم. في النهاية، الأفلام الثلاثة، انطلقت من نفس النقطة تقريبًا، “الما بعد”، لترصده، وتؤكد على عبثية التباكي والندم والتفجع على ما صار، نظرًا لاستحالة العودة إلى ما كان.

مُفارقة الواقع انطلاقًا منه

ما من شك أبدًا في أن “موندوف” و”قساطل أو أنابيب” يتقاطعان، ويكمل أحدهما الآخر. وربما هما نواة لثلاثية ثانية، يختمر ثالثها في ذهن المخرج، وإن لم يكتب فصلها الجديد بعد. ما يهم في “موندوف”، ليس موضوعه فقط، بل موقعه داخل تطور لغة المخرج. فبعد ثلاثية ارتبطت، كما أوضحنا، بالعودة والكارثة والإصلاح، تشرع الثلاثية الجديدة – المفترضة – في نسج بناء روائي، شبه وثائقي، ينطلق من عوالم واقعية، لكنها تفارقها، صوب الفانتازيا والشعري والحلمي والملتبس. التحول جد مهم ومدهش وملهم. وبذا، يتخفف المخرج، قليلًا، من أسر الواقع والراهن اللبناني.

لقطة من فيلم “موندوف”.

التخفف هنا ليس معناه مفارقة المكان كلية، بل وضعه في الخلفية. وهو بهذا لا ينفي وجود الخراب، أو انتفاء العطب، أو فشل الإصلاح. الثيمات الأساسية موجودة كلها، لكن بفنيات وتقنيات وأدوات مغايرة. إجمالًا، يمكن القول إن الواقع الراهن ليس هو المُطبِق على الخيال، والمتحكم فيه، وفي الكاميرا، والسرد. بالعكس، للخيال، والفانتازيا أيضًا، دورهما في قيادة الواقع، وإبراز الثيمات، وإن بشكل غير مباشر. اللافت أن الفيلمين، وخيوطهما وسردهما، يفارقان إلى حد بعيد المعهود والمطروق، لبنانيًا، وعربيًا أيضًا. وفيهما، يؤكد المخرج على لمسته الغريبة، وبصمته الخاصة التجريبية، وفرادة تغريبه.
المكان الذي بدا على استحياء في “الثااالث” لا كخلفية عادية، بل كشخصية مستقلة، وذات أهمية وخصوصية بالغين، يُرَسِّخ كل هذا، بمعنى الكلمة، في فيلمي “موندوف” و”قساطل”. إذ لا نخرج في الفيلمين بعيدًا عن نطاق قرية “غريفة” بجبل لبنان. وما يفرضه المكان، وجغرافيته، القاسية والوعرة والمرتفعة، من تحديات وصعوبات حياتية حيوية على السكان، وبالأخص شبكة المياه وأعطالها، وما ينتج عن هذا من شح أو حتى انقطاع تام للمياه.
في “موندوف” تدور الأحداث حول سكان تلك القرية، من فلاحين، وعمال، وموظفين، من طبقات اجتماعية واقتصادية متباينة، ومعاناتهم من شح المياه. ما يهدد حياتهم وأعمالهم، تلك الحياة الجافة المعزولة الغريبة، شبه الواقعية. وهؤلاء، بخلاف شح المياه الرابط بينهم، ثمة شخصية رئيسية تسهم في تعريفنا عليهم، تدريجيًا، هي حَسَّان (غسان سعد)، عامل شركة المياه، والمسؤول عن الصيانة، وكل ما يمت للمياه بصلة في المنطقة. في أول ظهور له نراه في سيارته العتيقة، غير القابلة للإصلاح، فيما يبدو، رغم أنها لا تزال تسير، وإن بقوة خارقة، ربما تستمدها من صاحبها.
الواقع الاقتصادي البائس يخيم على الجميع تقريبًا. نراه عبر شخصية أبو عبده الذي أقعده المرض، والمتواجد دومًا في ورشة جاره، في محاولة لتضييع الوقت والاستئناس بأجواء الصحبة والعمل. في حين أن الورشة شبه راكدة من أي أعمال. أو في بستان الجار المجاور له، حيث يتحدثان عن نقص المياه وما أحدثه بالنباتات. أما ابنه، عبده، فيبحث عن فرصة للسفر، للهرب من الفقر، واضطراره لبيع الحمام العزيز عليه لتدبير المصاريف اليومية. تلك الشخصيات، مثل عاملة النسيج، وأيضًا الزوجان الثريان، سونا ونبيه، العائشان في فيللا غريبة شبه مهجورة بمفردهما، وفي ظل عوالم غرائبية – أهي حقيقة؟ أهما حقًا أحياء أو كل ما يدور بخصوصهما محض فانتازيا؟ – يضفرها المخرج في فيلمه بلمسة شبه وثائقية، كما تتواشج بمهارة، وبدون أدنى تنافر، والخيط الروائي العام.

شبكة أنابيب مَتَاهِيَّة

اللعبة نفسها، تقريبًا، وإن بلمسة روائية فانتازية حلمية، يمارسها المخرج في بنية فيلمه الأحدث “قساطل”، المعروض مؤخرًا في “المسابقة الرئيسية” لـ”مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي” في دورته الـ60 (3-11 يوليو/ تموز، 2026)، والفائز بطله، الممثل غير المحترف غسان سعد، المؤدي لشخصية حَسَّان، بجائزة “أحسن ممثل”. وذلك في فوز غير مسبوق، وسابقة ربما تثير دهشة البعض. إذ فنيًا، من الصعب التأكيد على أن غسان سعد يجيد التمثيل الاحترافي، أو حتى التمثيل بالمعنى المعهود، لكن اجتهاده في أداء نفسه/ الشخصية، كان غاية في الإقناع والعفوية. خاصة، بذقنه نصف الحليقة، ونفس الزي، والصوت الأجش، والتدخين الدائم، وصدق تجسيده للإنسان العادي البسيط، وهو المطلوب منه فعلًا. فشخصية حَسَّان، في الفيلمين، ليست بالشخصية السينمائية المعهودة التي تؤدي دورًا بعينه مرسومًا بعناية، بقدر ما هي حالة في حد ذاتها. وليس المطلوب سوى تقديم هذه الحالة، الخاصة والفريدة، وفقط. ولذا، فالجائزة في رأينا ليست لأداء شخصية حَسَّان، بقدر ما هي لغسان سعد نفسه، وطبيعته، وفطريته، وبساطته، وعاديته.

ملصق فيلم “قساطل” (أنابيب).

وعليه، نعود في “قساطل” (أنابيب) إلى شخصية حَسَّان مجددًا، وسيارته، وملابسه، وصوته، وهيئته، وكل ما عهدناه، فقط باستثناء أنه قد تقاعد. وإن كان لا يزال يرتدي نفس بدلة العمل الزرقاء، ومعه صندوق الأدوات، ويتحرك بالسيارة المتهالكة، المعطل بابها الأيسر. كالعادة، لا يكف الجميع عن الاستعانة به، والاتصال طلبًا لخدماته المجانية فيما يخص المياه. نراه في بداية الفيلم يُستدعى للبحث عن أنبوب مفقود يتسبب في أزمة تجعل القرية تعاني أزمة نقص في المياه. وذلك بالتزامن مع حزنه على وفاة صديقه البنجلاديشي المتوفي حديثًا. مجددًا تصبح المياه العنصر المحوري، الفاضح لهشاشة نظام وسلطة وبلد، ولعالم بسبيله للعطب، والتوقف عن العمل بصورة طبيعية، و”أنابيب” بسبيلها لقطع الموصول بين بيوت القرية.
كل هذا، تضاعفه الشكوك المضروبة حول ظروف وفاة صديقه البنجلاديشي رضا، العامل المخلص الطيب الذي كان يُقيم بينهم لسنوات طويلة، وذلك في ظروف غامضة، تأخذ في السيطرة التدريجية على عقل وعوالم وأحلام حَسَّان. لتتحول الأحداث من دراما مأساوية إلى ما يشبه قصة تحرٍّ، لكن ليس بالمعنى الحرفي. وعليه، يصبح الفيلم مثل شبكة قساطل أو أنابيب متداخلة، لكن على نحو متاهي. خاصة مع استعادة حَسَّان الذي يعاني الوحدة – منذ “موندوف” – لمراسم الاحتفال بزفاف ابنته – من هي، هل هي واقعية، وأين زوجته… إلخ؟ – والذكريات التي تخلط وتتداخل، وتمزج الحلم باليقظة، وقصة رضا بالمنزل، وبسكان القرية، وبالتخمين والاشتباه في جريمة. وذلك كله في مزج ذكي وبارع من مخرج يجيد الخلط والتلاعب والعزف على الخيوط الفاصلة بين عدة أنواع سينمائية، وتضفيرها معًا ببراعة.