فيينا – محمد هاشم عبد السلام
لا تقتصر برامج الاستعادة التي يتميز بها “مهرجان فيينا السينمائي الدولي” (فييناله) على إعادة عرض مجموعة أفلام من مراحل سابقة في تاريخ السينما فحسب، إذ يهدف البرنامج القوي عادة إلى إعادة النظر في معنى الصورة، وعلاقة المخرج بالصناعة، ودور السينما في حفظ الذاكرة الفردية والجماعية.
تتوزع البرامج الاستعادية ضمن فعاليات الدورة الـ64، المنطلقة في الفترة من 22 أكتوبر/تشرين الأول، والممتدة إلى ما بعد انتهاء المهرجان حتى 30 نوفمبر/تشرين الثاني في “متحف السينما”، بين تجارب هوليوودية كلاسيكية، وسينما توثّق الحروب والتحولات السياسية، وأعمال تجريبية تعيد تعريف المادة الفيلمية، إضافة إلى استكشاف محطات من تاريخ السينما النمساوية وغيرها. ما يتيح زاوية نقدية وتأملية تعيد فتح الماضي على أسئلة الحاضر، وتمنح الأفلام فرصة جديدة للحوار مع جمهور معاصر.
روبرت ألدريتش: إعادة اكتشاف المؤلف داخل الصناعة
يحتل القسم المخصص لاستعادة أفلام المخرج الأميركي روبرت ألدريتش (1918 – 1983) موقعًا بارزًا ضمن هذا التصور، إذ يتيح إعادة النظر في تجربة سينمائية ظلت أعمالها، في الغالب، أكثر شهرة من اسم صاحبها. والأمر لا يتعلق باستعادة مخرج من كلاسيكيات هوليوود فحسب، بل إعادة اكتشاف صوت سينمائي شخصي استطاع أن يشق طريقه داخل واحدة من أقوى الصناعات السينمائية وأكثرها خضوعًا للمنطق التجاري. يعرض ضمن القسم نحو 30 فيلمًا روائيًا طويلا شكلت مسيرة ألدريتش الإخراجية.
من “قبلني حتى الموت” (1955) و”ماذا حدث لبيبي جين” (1962) و”الاثنا عشر الأوغاد” (1967) و”غارة أولزانا” (1972)، وغيرها بالأبيض والأسود وبالألوان، تتجاوز أفلام ألدريتش حدود الأنواع السينمائية التي تنتمي إليها، لتكشف عن عودة متكررة إلى مفاهيم مثل السلطة والعنف والشيخوخة والانهيار، وكذلك الصراع بين الفرد والمؤسسة. فالأفلام البوليسية وأفلام الحرب والدراما النفسية والغرب أو الويسترن بمثابة مساحات لاختبار التوترات الاجتماعية والنفسية والسياسية.
من هنا، تكتسب الاستعادة أهميتها فيما يتعلق بالواقع الراهن، وبالسؤال الذي تطرحه حول مفهوم المؤلف السينمائي. كيف يستطيع المخرج أن يفرض رؤيته الخاصة داخل صناعة لا تقوم بالضرورة على استقلالية الرؤية الفردية؟ ومن خلال العودة إلى أفلام ألدريتش، لا يستعيد المهرجان مرحلة من تاريخ هوليوود فحسب، بل يتيح قراءة جديدة للتناقض بين السينما بوصفها صناعة والسينما كتعبير شخصي. ومن ثم لا يعود الماضي المستعاد مجرد مجموعة أعمال كلاسيكية، بل مجالا لإعادة التفكير في واقع راهن من ناحية، وشروط الإبداع السينمائي وحدوده من ناحية أخرى.
جوسلين صعب: الصورة في مواجهة النسيان
على النقيض من عالم ألدريتش الهوليوودي الإنتاج، ينقلنا البرنامج المخصص لاستعادة أعمال المخرجة والصحفية اللبنانية الراحلة جوسلين صعب إلى الاهتمام بالسينما كشاهد على التاريخ ومقاومة محو الذاكرة. فمن خلال ستة أفلام موزعة على مجموعتين، الأولى بعنوان “ثلاثية بيروت” والثانية بعنوان “لا ماض بلا حاضر”، يستعيد البرنامج مسارها السينمائي الخاص، المرتبط بالصحافة الميدانية والحرب والتحولات السياسية، والذي امتد من لبنان إلى إيران ومصر، وكيف برزت قدرات المخرجة على تجاوز التسجيل المباشر للأحداث إلى تقصي تبعاتها على الأفراد والأمكنة. وتتجلى هذه المقاربة بوضوح في ثلاثيتها البيروتية: “بيروت، أبدًا من جديد” (1976)، و”رسالة من بيروت” (1978)، و”بيروت، مدينتي” (1982)، إذ لا تُقَدَّم بيروت كمسرح خارجي للحرب، بل كمدينة تنظر إلى تاريخها وجراحها من داخل التجربة اليومية لسكانها. كما لا يمثل الخراب المحيط مجرد خلفية بصرية، فالأمكنة تحمل آثار الحياة والبشر، ما يجعل المدينة أرشيفًا مفتوحًا لرصد التحولات السياسية والاجتماعية وتبعاتها.

كما يضم البرنامج ثلاثة أفلام أخرى تتناول التحولات السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط. وهي “أطفال الحرب” (1976) و”مصر: مدينة الموتى” (1977)، و”إيران: اليوتوبيا في طور التشكل” (1980). ومن هنا، تتجاوز استعادة أعمال المخرجة في الفييناله هذا العام حدود التعريف بفيلموجرافيا مخرجة وثائقية شرق أوسطية مهمة، لتعيد طرح سؤال جوهري عن وظيفة الصورة السينمائية في مواجهة النسيان، وكيف يمكن للكاميرا حفظ ما يهدده العنف من اختفاء، ومنح الذاكرة الفردية مكانًا داخل التاريخ الجماعي.
فيل سولومون: الصورة بوصفها مادة
في برنامج “مراسلات سولومون”، تتخذ الاستعادة مسارًا مختلفًا، ينتقل من التاريخ السياسي والاجتماعي إلى التجريب في طبيعة الصورة السينمائية نفسها. فالفنان والمخرج الأميركي فيل سولومون لم يتعامل مع الفيلم باعتباره نافذة شفافة على الواقع، بل كمادة قابلة للتغيير والتشويه وإعادة التشكيل، تستطيع أن تنتج أشكالا من المعنى تتجاوز السرد التقليدي.
في تجربته، شبه التجريبية، يبرز الاشتغال أكثر على المادة الفيلمية، من خلال التلاعب بالملمس البصري والزمن والإيقاع، وتراجع الحكاية كعنصر مركزي، لصالح تجربة حسية تتأرجح بين التجريد والحلم والذاكرة المشوشة. وهكذا، يفتح سولومون المجال أمام فهم آخر للصورة، لا يقوم على وظيفتها التمثيلية وحدها، بل على قدرتها على إنتاج عوالم بصرية مستقلة. وعليه، فإن الاستعادة لا تكتفي بإحياء أعمال سابقة، بل تدعو إلى إعادة اكتشاف الإمكانات الكامنة في الوسيط السينمائي نفسه. ويعرض البرنامج أكثر من 15 فيلمًا لسولومون تمتد من عام 1980 وحتى 2008.
السينما النمساوية في التسعينيات: مجتمع في طور التحول
يهتم البرنامج بالتجارب الفردية والذاكرة الاجتماعية، مستعيدًا مرحلة شهدت تحولات عميقة في أوروبا عقب نهاية الحرب الباردة وانفتاح الحدود وإعادة تشكيل العلاقات بين الشرق والغرب. وتكتسب هذه الاستعادة أهميتها لقدرتها على قراءة التغيرات التاريخية عبر الحياة اليومية، وبعيدًا عن التمحور حول الأحداث الكبرى أو الخطابات السياسية المباشرة فقط. وتظهر التحولات في هذه الأفلام عبر ثيمات مثل الهجرة، وأسئلة الهوية، والنوادي الليلية، ومراكز التسوق، ومحطات القطارات، والعلاقات بين الريف والمدينة، وانتشار ثقافة البوب. وتكشف، بعد عقود، عن الكيفية التي أعاد بها المجتمع النمساوي تعريف نفسه والتعرف عليها، والتغيرات التي طالت أنماط الحياة والاستهلاك والحركة والانتماء، من أماكن وملابس وموسيقى ومفردات يومية تحولت مع الزمن إلى شواهد على مرحلة اجتماعية بعينها. وعليه، لا يستعيد فييناله أفلام التسعينيات كوثائق عن ماض نمساوي قريب فحسب، بل كأداة لفهم الحاضر النمساوي والأوروبي، ورصد تبعات تحولات تلك المرحلة. ومن بين المعروض، وأغلبها عناوين لمخرجين غير معروفين في العالم العربي، “نصف العالم” (1993)، لفلوريان فليكر، و”تيمبو” (1996)، لشتيفان روزوفيتسكي، و”يوجوفيلم” (1997)، لجوران ريبيتش، و”سلادين: كل شيء ملوّن ورائع” (1998) لمجموعة من المخرجين.
فاسكو بريجلي: ما كاد يختفي من التاريخ السينمائي
البرنامج المخصص لأفلام المخرج السلوفيني اليوجوسلافي، والفنان الشامل، فاسكو بريجلي، يتجه إلى منطقة أقل حضورًا في الذاكرة السينمائية، حيث تصبح الاستعادة بحثًا عن تجارب وأعمال تجريبية، في أغلبها، لم تحظ باهتمام كاف، أو ظلت بعيدة عن مسارات التأريخ السينمائي الرسمي. إذ اعتبرت أفلامه مفقودة لمدة 25 عامًا، قبل إعادة اكتشافها وإتاحتها. بهذا، يسهم البرنامج في عرض أفلام نجت، وإعادة تسليط الضوء عليها ومنحها فرصة للظهور خارج حدودها، وأقبية الأرشيفات.
بخلاف مجموعة أفلام أخرى متنوعة، في أنواع سينمائية مختلفة، لعدة مخرجين، تكشف البرمجة، من خلال تنوع واختلاف وجهات النظر، عن أن مفهوم الاستعادة يتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي أو الاحتفاء بالأعمال الكلاسيكية. فمن سينما روبرت ألدريتش التي تختبر علاقة المؤلف بالصناعة، إلى أفلام جوسلين صعب التي تجعل الصورة شاهدًا على الحرب والذاكرة، وتجارب فيل سولومون التي تعيد تعريف المادة الفيلمية، وصولا إلى السينما النمساوية في التسعينيات وتجارب فاسكو بريجلي وغيرها، تتعدد أشكال العودة إلى الماضي، كفعل اكتشاف وإعادة تقييم، ودرس في التأمل الجمالي والفكري والاجتماعي، يعيد الأفلام إلى سياقات جديدة، ويتيح النظر إليها من خلال أسئلة مختلفة أو مشابهة أو متقاطعة مع الفترات الزمنية التي شهدت عروضها الأولى.