فيينا – محمد هاشم عبد السلام

لا يهتمّ مهرجان فيينا السينمائي (فييناله)، المنعقدة دورته الـ64 بين 22 أكتوبر/تشرين الأول و3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بتنظيم مسابقات رسمية، وتشكيل لجان تحكيم، ومنح جوائز شرفية أو تكريمية، واستقطاب أفلام عروض أولى، مع أبرز النجوم والنجمات، وأكبر المخرجين والمخرجات. ولا يعبأ بالتغطية الإعلامية المعهودة، والانتشار والرواج، ومنافسة مهرجانات أخرى، والاهتمام بسوق الإنتاج والتوزيع، والسجاد الأحمر.

يُكرّس المهرجان برمجته الأساسية لعرض أبرز إنتاجات العام في مختلف الأنواع، خاصة الأفلام النمساوية والألمانية، أمام جمهور من أعمار مختلفة، وما يقدّمه من أفلام فنية راقية لا تشبه تلك المعروضة تجارياً في صالات المدينة، وهذا يمنحه قدرة أوسع وحرية أكبر على اختيارات تتجاوز أسماء كبيرة، وشركات إنتاج وتوزيع ضخمة، وتوسيع خريطة برمجة، تتخطّى المراكز التقليدية للإنتاج والتوزيع. لذا، تحضر سينما أوروبا الشرقية والوسطى، وآسيا وأفريقيا، ودول عربية، وتجارب جديدة ومستقلّة وتجريبية، مع أهمّ الأفلام، في رصدٍ فريد للموسم السينمائي خلال العام.

تتيح اختيارات البرامج الاستعادية، أحد أبرز البرامج وأهمّها جذباً وإقبالاً، فرصة رصد أفلام وتجارب مهمّشة، وإبرازها في سياق سينمائي دولي. إضافة إلى ندوات ودروس سينمائية لحرفيين ومخرجين ومخرجات، ما يجعل البرنامج لا يقتصر على أحدث الإنتاجات العالمية والعروض الكلاسيكية، بل أن يكون رؤية تتجاوز التصنيفات المعتادة، وتجمع التجارب الوثائقية والروائية والتجريبية، والأسماء المعروفة والأقل حضوراً.

لا ينعقد المهرجان في موسم سياحي، أو في صيف وفترة أعياد، وطقس لا يُحتمل، بل في وقت تتحوّل فيه فيينا إلى فضاء ثقافي، يتيح انشغالاً أكبر بالسينما والفنون. ومع امتداد العروض من الصباح إلى المساء، تتشكّل حياة يومية موازية في الصالات وحولها، في علاقة حيوية تربط قلب المدينة وجغرافيتها بالمهرجان. فالعروض موزّعة على صالات تاريخية عريقة، تتيح مشاهدة نادرة واستثنائية داخل مبان سينمائية فعلية، في قلب النسيج الحضري للمدينة، لا في مجمّع تجاري، أو فندق مهرجاني معزول.

ما يمنح تجربة المشاهدة طابعاً مختلفاً أيضاً التنقّل اليومي، مرات عديدة، بين القاعات، سيراً على الأقدام، أو بالترام والمترو، إذ تتطلّب المسافة عادة بين 20 و30 دقيقة. يلامس المرء يومياً نبض الميادين والشوارع والمقاهي، ويتنشّق روائح الأطعمة، ويعيش تقلّبات الطقس، ويُصادف ما تيسّر من سائحين ومظاهرات طلبة وجامعيين، أو احتفالاً بالعيد الوطني أو غيره، أو تعطيلاً، وتحويلات خطوط المواصلات، والازدحام، أو خلوّ الشوارع بسبب هذا كلّه، فتصير المدينة، بإيقاعاتها الحيوية المبهجة أو المزعجة والجنونية جزءاً من الطقس اليومي للمهرجان.

أغلب جمهور المهرجان يشاهد أفلاماً لم يُشاهدها في الصالات التجارية. هناك من يتتبّع مخرجين وتجارب سينمائية بصفتها مساحة اكتشاف ومغامرة. لذا، لا يُثير نفاد تذاكر غالبية العروض، وامتلاء الصالات، أي استغراب. الغريب نفادُ تذاكر الأفلام الكلاسيكية. ورغم نجاحي النسبي في مشاهدة عروض استعادية صامتة، مع عزف حيّ، في الدورة الماضية، استحال تكرار الأمر في الدورة هذه، وإن لفيلم واحد، خاصة في برنامجي أفلام الأميركي روبرت ألدريتش، ووثائقيات اللبنانية جوسلين صعب. هذا يُؤشّر إلى أن الجمهور لم يفقد اهتمامه بتاريخ السينما.

أمر آخر يلفت الانتباه: تُلاحَظ الطبيعة الخاصة لعلاقة جمهور فيينا وسلوكياته بالصالات تحديداً، لا بالمهرجان وفعالياته فقط. فالعلاقة قائمة على الاهتمام والتقدير والاحترام قبل كل شيء، وعلى محاولة الفهم والاستمتاع قدر المستطاع. والأهم الذي يُلاحَظ عبر سلوكيات الحضور الجماعي، الحرص على استمرار الرغبة في مشاهدة السينما بصفتها تجربة جماعية، لا مجرّد محتوى يمكن استهلاكه فردياً في أي وقت، وأي مكان.

إنها المرة الأولى التي ألاحظ فيها ندرة مغادرة غالبية جمهور فيينا الصالة أثناء العرض، أو فور ختامه. إذ ينتظر انتهاء الجنريك وإضاءة الأنوار ليتحرك، مغادرة أو انتقالاً إلى مقاعد أمامية، لحوار جاد مع المخرج وأفراد فريقه. ورغم أن الفييناله يُعتبر أحد المهرجانات القليلة التي لا تُحذّر ولا تحثّ الجمهور على عدم التقاط صُور، أو على غلق الهواتف، لا أحد يختلس صورة، أو يعبث بهاتف، أو يردّ على مكالمة. لم أسمع رنين هاتف، أو أحاديث جانبية مزعجة، وإن بدا الفيلم مملاً، أو مخالفاً للذائقة. رغم أني أشفق أحياناً على الجمهور في عرض فيلمٍ صعب، أو يتطلّب صبراً وتركيزاً، أو يحاول تفكيك تجريبيته. رغم هذا، لا أحد يغادر القاعة أو يتململ. الأغرب أنه، بعيداً عن الإعجاب بفيلم أو لا، يُعتبر التصفيق بعد انتهاء العرض أحد آداب الذوق. هذه سلوكيات غير معتادة في عروض الصحافة بالمهرجانات الكبرى.

في مهرجان فيينا، يصعب ألا يُستفزّ الحاضر بسبب تخمة المطبوعات، والمبالغة في طباعتها وتنوّعها إلى درجة التبذير. اللافت فعلياً الحضور الدائم للمديرة الفنية إيفا سانجيورجي لتقديم أغلب الأفلام، واستقبالها مخرجين وضيوفاً على مداخل الصالات، أو انتظارها في الشارع وصول سياراتهم. الأجمل نجاحها منذ عام 2018، مع أنها ليست نمساوية بل إيطالية الأصل، ولاتينية النشأة والإقامة والعمل، وتتحدّث الإنكليزية، وتعرف كلمات ترحيب بسيطة بالألمانية.

ما يؤكد أكثر أن المهرجان لا يعبأ بالجنسية أو اللغة، إسناد رئاسته، بعد نهاية دورة العام الماضي، إلى المخرج المعروف كريستيان بتزولد، ألماني الولادة والإقامة. إضافة إلى أن أغلب الأفلام تعرض من دون ترجمة ألمانية، بل فقط مع ترجمة إنكليزية. والإنكليزية لغةُ التحدث قبل العروض وبعدها، إلى جانب الألمانية، لأن الإنكليزية لغة أم لدى جمهور فيينا.