محمد هاشم عبد السلام
يؤكّد “بعد ثلاثة أسابيع” فرادة العالم الخاص بالصربي ميروسلاف تيرزيتش، رغم تناوله ثيمة مكرّرة، تحضر بقوة في السينما المعاصرة، منذ سنوات: التنمّر المدرسي. كعادته، ينقل الحكاية إلى منطقة أعمق وأعقد، بربطها بالانتحار، فيبرز سؤالان حيويان وملحّان: من يتحمّل مسؤولية موت إنسان، عندما لا يكون هناك قاتل واحد؟ كيف يمكن لمن يقترف جريمة، وإن بشكل غير مباشر، مواصلة حياته بخفّة واستهتار وتواطؤ؟
في روائيه الثالث (يُنجز فيلماً كل سبع سنوات تقريباً)، يجعل الانتحار ذريعة للاقتراب أكثر من موضوع المواجهة المؤجّلة، والمسافة الزمنية الفاصلة بين وقوع الكارثة ولحظة اضطرار الجماعة إلى المواجهة. فالأسابيع الثلاثة تفصل بين انتحار أندريا والرحلة المدرسية التي يقوم بها زملاؤه ومدرّسوه. الرقم استعارة لزمن تلا الكارثة، ومسافة تفصل الجريمة عن الإقرار عنها، والضحية عن النسيان، والصمت عن الانفجار، وفضح استكانة الجميع ظنّاً منهم أن الحياة باتت طبيعية، بينما الموت شرع يطرح أسئلته.
فكرياً ودرامياً، لا يختلف الفيلم كثيراً عن سينما تيرزيتش، خاصة “الآلام المبرحة” (العربي الجديد، 17 إبريل/نيسان 2019)، الذي تناول جرحاً غائراً لأم ظَنَّت أن طفلها اختُطف بعد ولادته، وظلت تكافح سنوات لمعرفة الحقيقة. فيه، تحضر المواجهة المؤجّلة أيضاً، وكذلك المسافة الفاصلة بين الكارثة والمصارحة. كما يبرز عدم اهتمام المخرج بالحادثة بل بتبعاتها، وكيفية عيش الحقيقة مخفيّة في المجتمع، وتحوّل المأساة إلى صمت، وتعامل المؤسسات مع الألم بصفته مشكلة يتحتّم احتواؤها لا مواجهتها. لذا، يمكن توصيف أفلامه بأنها ما بعد الحدث. فالجريمة أو المأساة ليستا دائماً نقطة النهاية بل البداية، والزمن لا يشفي الجراح بالضرورة، بل يزيدها تعقيداً.
يبدأ “بعد ثلاثة أسابيع”، المعروض في مسابقة “الكرة البلورية” بالدورة الـ60 (3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) لـ”مهرجان كارلوفي فاري“، برحلة مدرسية: حافلة وطلاب ومدرّسون، ومزاح وعلاقات متوترة ومناوشات وغمز جانبي، وإحالات غير مفهومة تنتهي بمشاحنات، فعراك بالأيدي، قبل الذروة المأساوية. في هذه التقلبات، تُرصد تحولات السلوك البشري للمراهقين الباردين، خاصة زوتسا (يوفان جينيتش)، المُراهق المنعزل والمتألم بسبب انتحار صديقه أندريا قبل ثلاثة أسابيع. تدريجياً، تتكشف الأسباب لكن بصعوبة، بمعاينة تحرّش وعنف وتنمّر ضد زوتسا، الذي يرفض أن يكون الموت حادثاً مؤسفاً، أو أن يكون هو ضحية جديدة. هذا يؤكد فكرة أن الجماعة لا تخشى الضحية حين تكون صامتة ومستكينة، بل حين تتكلم وتنتفض.
لا يرصد تيرزيتش التنمر بصفته انفجاراً فردياً للعدوان والعنف، بل بكونه نظاماً اجتماعياً في حاجة متواصلة إلى ضحية للحفاظ على آلياته وتماسكه ووجوده. هذه إحدى أقوى نقاط الفيلم، فكرياً. ما من ضحية واحدة ولمرة واحدة فقط، ما دامت الجماعة تعيد إنتاج الجريمة إلى ما لا نهاية. تَجَسَّدَ هذا بخيار درامي متمثّل بحضور أندريا المنتحر وهيمنته على نظرات الطلاب، وصمت المدرّسين، وتفادي الموضوع.

الغموض الأخلاقي المتعمّد، والمسؤولية الموزّعة على الجميع، والصراع بين المسؤولية الفردية والذنب الجماعي، من أهم النقاط الأخلاقية المطروحة، والمتقاطعة مع سينما تيرزيتش، وأفلام بلقانية كثيرة تبرع في تحويل القصص الفردية إلى مرآة المجتمع. صحيح أن الماضي هنا لا يعود عبر ملفات وتحقيقات وذكرى حرب وصراعات عرقية وتمزّق، بل عبر مراهقين لم يتعلّموا بعد كيفية التعامل مع الشعور بالذنب. لكن، هناك انتقال واضح من الجرح التاريخي إلى الجرح الاجتماعي فالخاص والآنيّ، وإن ظلّ المنطق السينمائي واحداً: الفرد في مواجهة مؤسسة ـ جماعة أو نظام أكبر. لذا، تبدو أفلامه، وأفلام مخرجين بلقانيين آخرين ـ شديدة الصلة بالواقعية الأخلاقية البلقانية، وخير تجسيد لها ـ لا تكتفي بتصوير الواقع، بل تبرع أيضاً في وضع الشخصيات والمشاهدين أمام المسؤولية.
تميّز الاشتغال الدرامي بجعل الرحلة المدرسية بُنية كلاسيكية لرصد الشقاق، وبداية التكشّف، والانقلاب. كذلك تضمين الغموض، وعدم الاعتماد على العنف المباشر وحده لخلق التوتر. كما لعب الانتظار دوراً كبيراً: انتظار أن يبوح أحدهم بالحقيقة. انتظار اعتراف شخص ما. انتظار تكرار الجريمة. انتظار تحوّل الضحية إلى منتقم. هذا يثير سؤالين عويصين: هل منطقي وطبيعي أن تتحوّل الضحية إلى منتقم؟ أيكون الانتقام شكلاً وحيداً متاحاً لاستعادة الكرامة؟ المثير للانتباه، فنياً وفلسفياً، أن الانتقام لم يُقدَّم بوصفه حلّاً، بل تأكيداً على استمرارية المرض نفسه.
بصرياً، الفيلم أنضج، ويفاجِئ باهتمام مخرجه بجماليات فنية، خاصة الصورة، والتكوينات اللونية، وتموضع الكاميرا. مواقع التصوير لافتة للانتباه، تجلّت بمشاهد هروب زوتسا إلى الغابة، ثم إلى أعماق الكهف المظلم، وأيضاً بمشهد ممارسة التنمّر عليه، المُصوّر فجراً بلقطة طويلة وبعيدة، في ملعب كرة قدم تابع لفندق ضخم وغريب ومنعزل، في قلب غابات نائية، لا يُقيم فيه أحدٌ غيرهم.
بعيداً عن براعةِ فنّيات درامية معهودة لديه، وجدّة اشتغال بصري لافتة للانتباه، يُحسب لتيرزيتش ارتباط فيلمه بالبيئة الصربية، رغم عدم حصره فيها. فالتنمر المدرسي، وعنف المراهقين، وفشل المؤسسات التعليمية في الحل، وصمت المسؤولين وعجزهم عن التدخل، قضايا أوروبية وعالمية بامتياز. لكن براعته ظاهرة في رصد هذا كلّه وتقديمه في سياق مجتمعات البلقان تحديداً، وأوروبا عامة، فضاءً يحمل إرثاً من الصمت الاجتماعي، والعنف الخفي، وفشل الجماعة في حماية الفرد، الأكثر هشاشة، وإبراز أن العنف لا ينتهي بسقوط نظام، أو توقّف حرب، أو تغيّر جيل، بل يستمر في اليومي والأُسري، وفي علاقات الأفراد.