محمد هاشم عبد السلام
رغم اختلاف البلد والسياق والحبكة، والتناقض الظاهري للأحداث، يطرح الفيلمان القصيران “بماذا تحلم طيور المقنين؟” للجزائرية سارة ريما، و”لا شيء يحدث بعد غيابك” للسوداني إبراهيم عمر، المعروضَين بالدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان “كانّ”، سؤالاً واحداً، ينبع من طبيعة المكان الذي يُسبّب المغادرة أو العودة. بين المغادرة في فيلم ريما “أسبوع النقاد”، والعودة في فيلم عمر “نصف شهر المخرجين”، هناك وطن لا يُغادَر، وآخر تَشُقُّ العودة إليه.
من جهة الإبداع، بصرياً وتمثيلياً وحواراً وأحداثاً، لا شيء يجمع بينهما. الأول يتابع شابين في الجزائر العاصمة وهما يستعدان للهروب إلى فرنسا، والثاني يرصد مخرجاً طموحاً يعود إلى قريته السودانية، وفي ذهنه مشاريع لأهلها، قبل اندلاع حرب تهدّد البقاء نفسه. فيلمان طموحان، عن وطن يصعب الغياب عنه حتى قبل مغادرته، وعن السينما كونها محاولة كاشفة لضياع ما أوشك على الاختفاء كلياً.
في فيلم سارة ريما، يبدأ الغياب قبل الرحيل: لا يزال قاسم (سليمان سليمي) ومالك (أيمن تيغيورات) في الجزائر، يجهّزان نفسيهما، ويجمعان المال اللازم للسفر، لكن بيع قاسم طيوره العزيزة عليه يؤجّج الشوق والحنين والذكريات، حتى قبل أن تصبح ماضياً لا يستطيع تحمّله، فيتصرف على النحو الذي انتهى إليه في الخاتمة. في الثاني، الرحيل حدث فعلاً، وهناك عودة، لكنها تكشف استحالة استعادة الماضي، لأن القرية لم تعد تلك التي يحملها المخرج إبراهيم (إبراهيم عمر) في ذكرياته. يطمح إلى عرض أفلام لإيليا سليمان وعبد الرحمن سيساكو وعثمان سامبين وعباس كياروستمي، وإقامة معهد سينما، ليس لإنتاج صُور وعرضها، بل لخلق فضاء لاجتماع الصُّور والناس. منع الحرب هذا كلّه لا يدمّر الطموح فقط، بل أشكال الحياة نفسها.
يتخيّل الأول الغياب قبل حدوثه، ويعيشه الثاني بعد حدوثه، لذا فالغياب ثيمة لفهم الفيلمين، لأنهما ليسا عن الهجرة بصفتها حركة جغرافية، ولا عن الحرب بصفتها حدثاً سياسياً وعسكرياً، بل عن الأثر النفسي للانفصال عن المكان. لا يهتم الأول كثيراً بتفسير الأسباب الاقتصادية أو السياسية التي تدفع المراهقين إلى الرحيل، ما عدا أحلام الشابين، والرغبة في إطلاقهما ألبوماً غنائياً. في الثاني، لا يظهر دمار الحرب مباشرة، وما تسبّبه من غياب لأشخاص يغادرون، ولتجنيد إجباري، ولأماكن تفقد أهلها، ولثقافة مُعطّلة.
الأول يجعل الحاضر ماضياً مقبلاً، والثاني يجعل الماضي حاضراً لا يستعاد. في الحالتين، ينهار الفاصل بين الهجرة والعودة. لا يعود الوطن موقعاً جغرافياً، بل ذاكرة شخصية لا يمكن الاحتفاظ بها، ولعلّ أكثر ما يربط الفيلمين أحدهما بالآخر عدم ظهور المدينة أو القرية بصفتيهما خلفية للأحداث، بل شخصيتين غائبتين وحاضرتين معاً.

أما المشترك الأكبر بينهما فيكمن في أن الفن لُبّهما، إذ يحضر في الأول الغناء المعاصر للتعبير عما لا يمكن قوله، حتى زقزقة الطيور في الأقفاص. وفي الثاني، محاولة لجعل السينما لسان حال عالمٍ، بات يصعب فيه الاجتماع أمام شاشة لمشاهدة الأفلام إلا بتصريح أمني.
الاستعارة حاضرة أيضاً. فالطيور في الأقفاص، أو المقنين (طائر الحسون بالجزائرية) المعروف بصوته الجميل وألوانه الزاهية، وارتباطه ككل الطيور بالطيران والحرية، يغني مع أنه مسجون. تظهر الاستعارة بصورة مختلفة في الفيلم الثاني، عبر البيروقراطية، والتصريح الأمني، والشروط اللازمة للعرض السينمائي: مكان آمن، وشاشة وكهرباء، وقبل هذا جلب الأفلام أصلاً.
الاستعارة في الأول مادية ورمزية، وفي الثاني سياسية ومؤسسيّة. هذا يطرح سؤال الحرية: هل الخروج من القفص يعني حرية بالضرورة، أم أنه يقود إلى قفص آخر؟ لذا لا يكون الخيار بين البقاء والرحيل واضحاً ومحسوماً لدى أحد الصديقين. كما يمكن أن تكون العودة قفصاً، باكتشاف أن المكان لم يعد كما كان. الفيلم الأول يثير سؤال الحنين والفَقد المتخيّلين، والثاني يتساءل أهذا هو المكان الذي أفتقده؟ في الحالتين، تنتفي عن الحنين إلى الوطن أو المكان رومانسيته، ويستيقظ إدراك مؤلم بتغير المكان، بمجرّد اصطدام التخيّلات بالواقع.
المثير للانتباه في الحالتين هو عدم الوصول إلى المبتغى، بطريقة أو أخرى. فالفيلمان لا ينتهيان إلى استقرار، بقدر ما يقودان إلى اغتراب أكثر. خاصة الفيلم السوداني، الذي رغم بعض اشتغال فني بسيط فيه، وحتى بدائي شبه مفتعل أحياناً، يتّكئ على سخرية مريرة، وخفّة دم تميّز الأفلام السودانية عامة، وتخفّف من وطأة المرصود. بينما يمعن الفيلم الجزائري، المنفَّذ باحترافية وحيوية أكثر، بواقعيته الجدية، النابعة من نوعه وموضوعه، ما يضفي عليه مصداقية وجِدّة.
المثير للانتباه أكثر انطلاق المخرِجَين من الشخصي، والابتعاد عن تقديم صورة الوطن باعتباره شعاراً سياسياً أو رمزاً قومياً، والنظر إليه بصفته علاقة شخصية متغيّرة، وقابلة لأن تكون سجناً وقفصاً، أو مكاناً يُراد مغادرته، ويُخشى فقدانه أو العودة إليه والإقامة فيه.
باختصار وتكثيف بليغَين، أوصل الفيلمان مغزاهما: حبكة الأول عن الهجرة والمهاجرين غير سطحية، والحرب وتبعاتها في الثاني ليست تقريراً عن بلد منكوب. أجاد الاثنان تحويل النفسي والسياسي إلى شخصي، لكن تبقى أسئلة مُعلّقة: أيمكن للإنسان مغادرة المكان من دون أن يغادره المكان؟ هل المقنين بمغادرته القفص يمكن أن ينساه؟ أيمكن أن يكون فعل العودة فعلاً للغياب، والإمعان فيه رغم العودة؟
ما يؤكدّه الفيلمان، وينبّهان إليه بذكاء ومهارة وفنية، هو ألا يكون الغياب، في الحالتين، باباً للنسيان.