فينيسيا – محمد هاشم عبد السلام
أغلب المعروض في مسابقة الدورة الـ83 (2 ـ 12 سبتمبر/أيلول 2026) من “مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي“، إلى الآن، يؤكد أن موضوعاته غير منفصل بعضها عن بعض، رغم اختلاف العناوين والمخرجين. الموضوعات تلك أقل انشغالاً بالراهن مباشرة، وأكثر اهتماماً بالإعلام والفرجة، والذاكرة والماضي، والسلطة والمؤسسة، والحب والسيطرة: أي العلاقات الإنسانية، عندما تصبح أسيرة قيود أكبر منها، لذا يمكن قراءة أفلام عدة، تتناول الإنسان المحاصر في أنظمة وسلطات من صنعه. الأكثر إثارة للأسى، عجزه البَيِّن عن الانفصال عن العيش فيها.
يصعب حصر مفهوم السلطة في السياسة، لتمدّده في الدولة والشركات والإعلام والمال والتكنولوجيا، إلى العلاقات العاطفية والأسرة، وسلطة الذاكرة. هناك تفكيك ومساءلة، بمعان عدّة وعميقة، لمفهوم السلطة وتنوعاتها، وكيف أنها لم تعد شيئاً فوقياً مفروضاً بعنف فحسب، بل يمكنها أن تكون في علاقة حب، أو مؤسسة علاجية، أو وسيلة إعلامية.
“حبر” لداني بويل يبدأ من صناعة الأخبار، وهيكلتها وتثويرها، لكن الموضوع الحقيقي ينتهي بالتساؤل عن كيف تتحول الحقيقة إلى منتج له سطوته وسحره على الجمهور. في “وقت الذروة”، للانس أوبنهايم، يصبح التلفزيون نفسه مختبراً للأخلاق، عبر شخصية مُقدّم برنامج حقيقي شهير، يُدعى كريس هانسن (روبرت باتنسن)، يدخل عالم اصطياد المتحرّشين جنسياً بالأطفال، فيتحوّل الواقع إلى عرض تلفزيوني في برنامجه، ويبرز الألم والجريمة بصفتهما مادة للعرض. الفيلمان يدعوان إلى التساؤل: من يصنع الأخبار؟ من يصنع الفرجة؟ رغم الفكرة الواعدة، لم يرتقِ “وقت الذروة”، إخراجاً ونصاً وأداء، إلى مستوى “حبر”، وغيره من معظم أفلام المسابقة، التي تناولت هذا النوع السينمائي.
تحضر الذاكرة والذكريات في أفلام مسابقة مهرجان فينيسيا السينمائي، ليس بمعنى الحنين، بل بصفتها ماضياً غير منقطع، لا يكفّ عن المطاردة والإزعاج. تجلى هذا في “امرأة مجهولة،” لمي الطوخي. كاد الماضي يقوّض حياة جديدة، على وشك البدء، للخادمة ماري (ماتيلدا أرسل)، لولا أنها تصرّفت بوضاعة ونذالة للتغطية على ماضيها. أداء الممثلة، والإخراج البصري، والدراما الرفيعة، المشغولة بحرفية من الطوخي، أمور جعلته من أبرز المعروض في سياق أفلام الماضي والذاكرة. في “يا سيد نيلسون، هل قتلت أبرياء؟”، لشينيا تسوكاموتو، معاينة الماضي الحربي غير المنتهي بانتهاء حرب فيتنام، إذْ رافق المحارب الأميركي الأسود ألن نيلسون (رودني هيكس) إلى قبره، رغم سنوات أمضاها في محاولة الشفاء من جراحه، والتكفير عن ذنوبه. أحداث حقيقية في حبكة تقترب أكثر من سينما صدمات الحرب، لا البطولات. يبتعد نيلسون عن سؤال ما الحرب، للتعمق أكثر، ولمعرفة ما يبقى منها في الإنسان بعد أن تنتهي. رغم نصفه الأول الجيد، أصاب الترهّلُ الفيلمَ، وتحولت خاتمته قليلاً إلى ميلودراما.
هل هذان الفيلمان عن الماضي، أم عن عدم قدرة الحاضر على التخلص منه؟ الإجابة الأدقّ في التساؤل الثاني.
علاقات الحب عند لي تشانغ دونغ ليست كالمعتاد أبداً، إذ يسرد دائماً حبكته بخلفية اجتماعية، لا تبتعد كثيراً عن السلطة. في “حب ممكن”، تحضر الدولة والمؤسسة والعلاقات العاطفية وسائل لقراءة حقائق قاسية بالمجتمع الكوري: الزواج والرغبة والطبقية والوحدة والعمر والأنانية، إلى مقاييس النجاح والفشل. عمل ساحر، يحتاج إلى نفَسٍ طويل وتركيز، لأن دونغ يبني عوالمه على مهل كالعادة، عبر شخصيات وأحداث محدودة، وحوارات شبه عادية.
في “حجرة الصدى”، لأندريا بالاورو، رصدٌ للعلاقة العاطفية بصفتها سجناً نفسياً. هناك تكرار لسؤال السلطة، لكن داخل الحب. العاشق ليس حرّاً بالضرورة، والرعاية تصبح سيطرة، وإمكانية تحوّل الحب إلى امتلاك، وكيفية انقلاب الحماية واستحالة نسيان الآخر إلى نظام للسيطرة. هذا يظهر أيضاً في “سيحدث الليلة”، لناني موريتي، وإن بين حبيبين متزوّجين، ولكل منهما عائلة، لسنوات بعيدة، وليسا حبيبين شابين. الفيلمان الإيطاليان من الأفلام اللطيفة في المسابقة، لكنهما لا يتركان أثراً طويلاً، أو دعوة إلى إعادة المُشاهدة والتأمل.
“الحصان البري رقم 9″، لمارتن ماكدونا، يقدم مساراً مختلفاً لتجليات السلطة: الاستخبارات المركزية الأميركية(CIA)، انقلاب تشيلي، وعلاقة صداقة. هذا عبر شخصيات عبثية، في كوميديا سوداء تثبت أنه، أحياناً، يكون العبث الطريقة الأدق لتجسيد عالم سياسي عقيم. في هذا، دور وأداء جون مالكوفيتش، عندما يُصبح العنف والكوميديا والغباء الإنساني شيئاً واحداً، الأبرز إلى الآن، والأكثر ترشيحاً وحظّاً لجائزة التمثيل، وحتى في أوسكار 2027. بعيداً عن الجوائز، إنه الدور الأهم في سيرته المهنية.
على خُطا مشابهة لمواطنه نيكولا فيليبير، في الوثائقي “أدامان” (2023)، يدخل سيدرك كان، في “15/18” أو “مكان للشفاء”، إلى قلب مؤسسة طبية نفسية، جاعلاً إياها فضاء سينمائياً يتيح له الاقتراب من مراهقين فيها. الاختلاف ليس في وثائقيّة “أدامان” والعجائز، بينما “15/18” روائي عن مراهقين، بل في تباين أدوار المؤسسة. في فيلم سيدرك يُفترض بالمؤسسة أن تكون مكاناً للشفاء، لكنها تعجز غالباً عن هذا، فيطرح سؤال: هل يُمكن للمؤسسة الراغبة في علاج إنسان أن تفهمه فعلاً؟ حبكة أتاحت للمخرج نسج علاقات بين شخصيات، متنوعة وثرية وصادقة، شكّلت قوام الحبكة وعمقها، وأنقذت الفيلم من الثرثرة وتواصل الصراخ والعصبية والتوتر.
إجمالاً، لم تُبرمج مسابقة مهرجان فينيسيا السينمائي استناداً إلى موضوع واحد، كالحرب والحبر والحب، بل أزمات أعمق: علاقة الإنسان بماضيه، وبالمؤسسات والسلطة. يمكن قراءة المعروض بصفته أسئلة عمن يصنع الحقيقة ويتحكم بها، وعن دور الإعلام (“حبر” و”وقت الذروة”). ماذا تفعل المؤسسة بالإنسان، وتأثيرها عليه (“15/18″ و”الحصان البري رقم 9”). ماذا تفعل به الحرب والماضي (“السيد نيلسون” و”امرأة مجهولة”). ماذا يفعل الحب والفوارق بالإنسان (“حجرة الصدى” و”حب ممكن”).