وارسو – محمد هاشم عبد السلام
اختتمت مساء الأحد 18 أكتوبر/ تشرين الأول فعاليات الدورة الـ42 لـ”مهرجان وارسو السينمائي الدولي“، التي انطلقت يوم 9 أكتوبر، بحفل بسيط وموجز، اقتصر على توزيع جوائز المهرجان، وإعلان لجان التحكيم حيثيات منح الجوائز.
بهذا، يُسدل الستار على دورة جيدة تميزت بتنوع العروض، والتنظيم الجيد، والإقبال الجماهيري، وثراء البرمجة التي وضعت في الاعتبار تضمين مجموعة أفلام تجمع بين الفني الخالص والجماهيري والأفلام الفائزة في المهرجانات الكبرى. أُقيم بعضها في فضاءات غير تقليدية، مثل قسم “سينما في السحاب”، المقامة عروضه في الطابق الـ46، ضمن “برج وارسو” الأطول حاليًا في أوروبا. وشملت أيضًا أقسام “سينما عطلة الأسبوع العائلية”، و”الأفلام القصيرة للأطفال”، و”العروض المجانية لكبار السن”، و”السينما في الهواء الطلق”، لتتحول فكرة المهرجان إلى نشاط عائلي أيضًا، وليس تجمعًا قاصرًا على المحترفين والمتخصصين في الصناعة. وإن تمحور بالأساس حول الأعمال غير المكتشفة، أو الأفلام الأولى والثانية الباحثة عن صوتها ومستقبل لها في صناعة معقدة ومركبة وصعبة، أو أعمال بولندية تستعيد تاريخ بلدها وحاضره، أو تجارب مستقلة تحاول كسر القواعد. تشكيلة سينمائية ثرية اجتمعت في مدينة واحدة على مدى عشرة أيام متقلبة الطقس.
وارسو بين القديم والحديث
عادةً، يُقام حفل ختام “مهرجان وارسو السينمائي” في البهو الفسيح لمبنى “متحف الفن الحديث”، في وسط العاصمة، بجوار “قصر الثقافة والعلوم” العريق، حيث يقع مقر انعقاد أغلب فعاليات وعروض المهرجان. المثير للانتباه أن “متحف الفن الحديث”، بتصميمه المعاصر جدًا، ورؤيته المعمارية المتميزة، وفراغاته الشاسعة، والألوان البيضاء المهيمنة على جدرانه، ينقلنا بأجوائه العصرية إلى حاضر راهن. وذلك على عكس صالات المهرجان التي تُعرف باسم “كينوتيكا”، “Kinoteka”، وهي سبع صالات متفاوتة في قلب صرح وارسو العتيق “قصر الثقافة والعلوم”، الذي يُعد جزءًا لا ينفصل من ذاكرة المدينة السياسية والثقافية.

“متحف الفن الحديث”، بتصميمه العصري المتناقض للتصميم الكلاسيكي لـ”قصر الثقافة والعلوم”، أثار الكثير من الجدل خلال فترة البناء، التي استمرت عشرين عامًا حتى اكتملت في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2024. إذ لم يحظَ المبنى، حتى اللحظة، برضى سكان وارسو، لغرابة تصميمه ولونه الأبيض الشاهق وموقعه، ما يعيد إلى الأذهان السخط القديم تجاه “قصر الثقافة والعلوم”، أحد أكثر مباني وارسو إثارة للجدل، الذي اكتمل عام 1955، في ذروة الحقبة الستالينية، والمكوّن من 46 طابقًا فوق الأرض، وعدة طوابق تحت الأرض. وكان لعقود الأكبر والأطول في أوروبا، ويضم 3288 حجرة، إضافة إلى مسارح وقاعات ومتاحف وسينما ومرافق ثقافية متعددة، وهو نموذج لنمط العمارة الاشتراكية الواقعية. وكان قد قُدِّم آنذاك هديةً من الاتحاد السوفياتي إلى الشعب البولندي، وأُطلق عليه في البداية “قصر جوزيف ستالين للثقافة والعلوم”. ولذا، ظل المبنى يحمل معنى مزدوجًا في الذاكرة البولندية: فمن ناحية، لكونه مؤسسة ثقافية ضخمة تضم مساحات حيوية وهامة جدًا للفنون والعروض والمؤتمرات، ومن ناحية أخرى، لارتباطه بمرحلة تاريخية من الهيمنة السوفياتية والأيديولوجيا الشيوعية. ولذا، تعالت الأصوات واتُّخذت قرارات بهدم المبنى، لكن ساد التراجع عنها لعدة أسباب، أهمها التكلفة المادية الهائلة لعملية الهدم، وتأثيرها أيضًا على الفعاليات في قلب المدينة، وما سينجم عنها من تلوث وازدحام.
اليوم، من قلب هذين المبنيين، القديم والمعاصر، نعاين التجسيد الحي لما تعيشه وارسو، كعاصمة تحاول الجمع بين الماضي والحاضر ومحاولة الدمج بينهما، بانسجام لا يخلق النفور، استشرافًا لمستقبل أكثر انفتاحًا وتسامحًا وتوازنًا. يتجلى هذا من خلال مبنيين يرجعان لزمنين مختلفين، أحدهما وُلد من ثقافة سياسية مغلقة، والآخر ابن العصرية والانفتاح والحداثة، وقد تحولا إلى موقعين يستقبلان أكثر من عشرين مهرجانًا ثقافيًا سنويًا، إلى جانب العروض الخاصة، والكلاسيكيات السينمائية، والمعارض التشكيلية الدائمة والمتغيرة، وبالطبع “مهرجان وارسو السينمائي الدولي”، الأكثر انفتاحًا على العالم بين المهرجانات البولندية. إذ رغم أن “وارسو السينمائي” هو بالفعل الأهم والأكبر في بولندا، إلا أن أهميته وشهرته لا تجعلانه الأقدم. فالأقدم في بولندا هو “مهرجان كراكوف السينمائي”، الذي تعود جذوره إلى عام 1961، وعُرف باسم “المهرجان البولندي للأفلام القصيرة”، ويُعد من أقدم مهرجانات العالم المتخصصة في الوثائقيات والأفلام القصيرة. أما “مهرجان الفيلم البولندي في جدينيا” وهو الأبرز في مشهد السينما الروائية البولندية المحلية، فتعود بدايته إلى عام 1974 في مدينة جدانسك، قبل انتقاله إلى مدينة جدينيا عام 1987. والمهرجان عبارة عن منصة وطنية مكرسة أساسًا للسينما البولندية وإنتاجاتها الجديدة، وملتقى لصناعة السينما الوطنية، حيث تتنافس الأفلام الطويلة البولندية على الأسود الذهبية والفضية.

“مهرجان وارسو السينمائي” هو المهرجان الدولي الشامل، بعد مسيرة تاريخية تحول خلالها من مجرد أسبوع سينمائي إلى الصفة الدولية. إذ حمل المهرجان سابقًا، خلال الثمانينيات، اسم “أسبوع سينما وارسو”، قبل أن يتغير اسمه إلى “مهرجان وارسو السينمائي” عام 1991، ثم أصبحت “مؤسسة وارسو السينمائية” الجهة المنظمة له في عام 1995. ومع اتساع البرنامج والأنشطة والجمهور، تحول تدريجيًا من تظاهرة محلية إلى مهرجان دولي تنافسي، مع برنامج مهني موازٍ بفعاليات متعددة، أهمها في مجال الصناعة “أيام وارسو السينمائية”. وبعد مسيرة طويلة امتدت لعقود، حصل المهرجان على اعتماد “الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام” (FIAPF)، الذي أدرجه عام 2009 ضمن فئة المهرجانات الدولية التنافسية التي تُعرف تاريخيًا بفئة “A”، التي تضم 17 مهرجانًا مصنفًا في أعلى مستوى، والمستندة إلى معايير تشمل المشاركة الدولية، والأنشطة الصناعية، والحضور الصحافي، والجماهيري. وإلى جانب هذا، يحتفظ المهرجان بدوره التاريخي كنافذة مهمة على السينما البولندية، وسينمات أوروبا الوسطى والشرقية، بالتوازي مع انفتاح متزايد على بقية العالم، وأفلام جديدة لم تكتمل شهرتها بعد، وصناعة تبحث عن مشاريعها المقبلة.
صافرات الإنذار بين الواقع والخيال
تنافست في أقسام المهرجان الرئيسية الثلاثة: “المسابقة الدولية”، و”1-2″، و”الأفلام الوثائقية”، 15 فيلمًا في كل قسم، جمع بينها، رغم تنوعها الجغرافي، تمحورها الواضح حول الإنسان المعاصر وعالمه الراهن، العصيّ فعلًا على السيطرة أو الاحتمال. ومن أبرز السمات اللافتة، بين عدة أفلام، حضور الذاكرة والعزلة والذنب. لكن ثمة ثيمة مسيطرة تبرز في الخوف البالغ من الحرب، تقليديةً كانت أم نووية، ومن مستقبل يتهدّد مصير الإنسان؛ بما يكشف عن استشعار المخرجين والمخرجات كارثة تحدق بالبشرية. أما المذهل حقًا، فذلك التطابق المرعب بين الواقع والخيال، ما يدفع إلى التأمل والتفكير العميق في أيهما يسبق الآخر فعلًا. ففي أكثر من فيلم، مثل البلغاري “صدى” ليوردان بيتكوف، و”فريدا” للألماني فيلكس هاسنفراتس، واللاتفي “المستنقع” لرينيس كالفينش، حضرت الأصوات المدوية لصفارات الإنذار. برز الأمر أكثر في فيلم “صدى”، حيث تُرَكَّب صفارات إنذار فوق سطح مركز الشرطة، مقر عمل بطل الفيلم، لكن الجهاز يتعطل مرارًا، وتنطلق الصفارات بطريق الخطأ، مثيرةً ذعر السكان. الأغرب، والمثير للدهشة والتساؤلات على نحو مخيف، تزامن الأمر مع انطلاق صفارات إنذار فعلية في العاصمة وارسو على مدى خمسة أيام، خلال فترات النهار. ونظرًا لقلق ضيوف المهرجان، وما أثارته الصفارات من تساؤلات ومخاوف، أرسلت الإدارة رسالة إلى الضيوف لبثّ الطمأنينة، أوضحت فيها أن الأمر لا يعدو كونه تدريبًا واستعدادًا واختبارًا روتينيًا، وأنه لا داعي للذعر، داعيةً الجميع إلى ممارسة الحياة بصورة طبيعية. وإن كانت أصوات الإنذار المسموعة من الشاشة أو الفضاء الخارجي، ولحظات الخلط والالتباس بينهما، لم تترك في النهاية فسحة كبيرة لحياة طبيعية.

جوائز المهرجان
لم يكن فوز الفيلم البولندي “ما يخص الآخرين” لجچيجوچ ديمبوڤسكي مجاملةً لمخرجه بسبب جنسيته، إذ كان الفيلم من أقوى الأعمال المنافسة فعلًا. ونظرًا لاكتمال عناصره، فقد استحق الفوز بجائزة “وارسو الكبرى” (30 ألف دولار أميركي تقريبًا)، مقدمة من عمدة المدينة. يقدم الفيلم صورة معقدة، بلا أحكام مسبقة، لامرأة أربعينية تمارس السرقة المنزلية بدافع الحاجة، وتحت ضغط رفيقها وإجباره لها، لكنها تتعرض ذات يوم لحادث صادم في أثناء سرقة شقة، ما يُدخلها في تحوّل جذري، ويدفعها إلى تقمّص هوية مغايرة، والاستيلاء على حياة وعلاقات لا صلة لها بها.
أما جائزة “أفضل مخرج” (2500 دولار تقريبًا)، فذهبت إلى الفيلم الصيني “رباعية سوتشو” لكاي تشنغچيه. ويستعرض أربع حكايات متزامنة لأربعة أشخاص في الوقت نفسه، بشكل طولي متزامن. إذ قُسِّمَت الشاشة إلى أربع شرائح تعرض القصص بالتزامن، لتتكشف معًا في آن واحد. صحيح أن الفيلم تميز بتصوير سينمائي لافت، وتجريب جريء في البنية السردية، وخروج عن الشكل السينمائي المعهود، وقدم تأملًا بصريًا لافتًا، متعدد الطبقات، حول الحياة والموت، لكن، نظرًا إلى أن مدته تجاوزت ساعتين ونصف الساعة، فإنه يحتاج إلى قدر كبير من التركيز والصبر أيضًا: أولًا، لكون الأحداث تتكشف ببطء، وتدور أغلبها ليلًا. ثانيًا، لصعوبة التركيز ومتابعة أربع قصص وأحداث ومقاطع وقراءة الترجمة المتنقلة في أربعة أقسام من الشاشة.
ذهبت جائزة “لجنة التحكيم الخاصة” إلى الممثلة البولندية ماريا ديبسكا عن دورها في فيلم “عبر الجدار” لماتشي سوبيشتشانسكي. يستعيد الفيلم قصة حب حقيقية بين سجينين سياسيين بولنديين في أثناء الحقبة الستالينية، تواصلا عبر الجدار بشيفرة مورس، من دون أن يعرف أحدهما الآخر. قدمت ماريا أداءً اتسم برهافة لافتة وحساسية عالية، وبدون مبالغة في نقل الصدق العاطفي العميق للشخصية المركبة.
كما منحت اللجنة شهادة “تنويه خاص” لفيلم “رجال دمويون”، للسويدي ينس شوجرين، المتناول بواقعية لافتة الفوضى الناجمة عن العنف المنزلي، والتحديات التي يواجهها الأطفال الذين ينشأون مع أم متعددة العلاقات مع رجال سيئين. وضمن هذا الإطار، تناول الفيلم مشاكل المراهقة وبلوغ سن الرشد واكتشاف الهوية الجنسية ومحاولة التأقلم مع واقع مضطرب يضطر فيه الأطفال إلى تحمل عواقب خيارات الكبار.

في مسابقة الأفلام الروائية الأولى والثانية، “1-2″، فاز “أجيا” للألبانية لورين تيريزي بـ”الجائزة الرئيسية” (2500 دولار تقريبًا). الفيلم على قدر كبير من التمكن والاحترافية، رغم أنه الفيلم الروائي الأول لمخرجته. وتدور أحداثه في قرية جبلية حدودية، ويستعرض قصة رقيقة وقاسية عن شابة تتمرد على التقاليد والأعراف الأبوية، وعالم يُقدَّس فيه شرف العائلة أكثر من الحياة ذاتها. وضمن هذا، تسعى أجيا للعيش وفق شروطها الخاصة، واتخاذ قراراتها بنفسها.
كما فاز فيلم “كل ما هو خطأ فيك” للسلوفينية أورشا مينارت بـ”تنويه خاص”. قدمت المخرجة قصة مؤثرة عن شابة تجاهد للعثور على تواصل إنساني صادق في عالم يفتقر إلى الانفتاح العاطفي، ويسوده الكذب والخيانة، إلى أن تلتقي مصادفةً بصديقة تغيّر مفاهيمها إلى حد كبير.
أما جائزة “أفضل فيلم” في “مسابقة الأفلام الوثائقية”، فذهبت إلى “في تلك الأثناء في ناميبيا” للألماني يوناس سبريسترس باخ. يتناول الفيلم، باشتغال بصري لافت وصور تكشف ببطء، التناقضات الأخلاقية المقلقة والعبثية في السلوك البشري، وفترة الاحتلال الألماني لناميبيا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ورفض ألمانيا دفع تعويضات عما ارتكبته من مذابح وتطهير للسكان الأصليين. بدلًا من هذا، تقدم برامج تعاون تنموية ليست إلا استعمارًا جديدًا مخزيًا ومقززًا، في اقتناع من جانبها بأنه تضامن وتكفير عن الماضي.
فيلم الختام
اختتم المهرجان بفيلم “رائحة التفاح” للجنوب أفريقي جون ترينجوف. وهو دراما مقتبسة من رواية صدرت عام 1993 للكاتب مارك بهر، وتدور الأحداث عام 1974 في جنوب أفريقيا، إبان الفصل العنصري (الأبارتهايد). في اشتغال جدي وذكي ولافت للغاية، ينقل صورة غير معتادة عن تلك الفترة. إذ لا نشاهد في الفيلم الكثير مما كان يجري، بل نظل طوال الفيلم داخل أحد منازل جنرالات الجيش. يقدم الفيلم، من خلال منظور طفل أبيض، قراءة نقدية للمجتمع الأبيض المستفيد من نظام الفصل العنصري، وكيف تتخفى القسوة والاعتداءات خلف واجهة الاستقرار والمكانة والاحترام الاجتماعي.

تدور الأحداث حول مارنوس، طفل يبلغ من العمر 11 عامًا، يعيش حياة مرفّهة مع أسرته، ويُعد والده أحد كبار جنرالات الجيش. لكن خوفه من عقاب والده يدفعه لاتهام حفيد الخادمة السوداء بسرقة صنارة صيد جده، ما يفتح أمامه أبوابًا لم يكن يتخيل وجودها خلف الصورة التي رسمها لأسرته المثالية. ومع تتابع الأحداث الممتدة لخمسة أيام، يفطن إلى التناقضات والنفاق والعنف المستتر خلف حياة عائلته الميسورة، وتتزعزع نظرته إلى والده الذي كان يُمثِّل له نموذجًا للقوة والبطولة.
تكمن قوة الفيلم في المفارقة بين براءة الطفولة وعالم الكبار المشبع بالعنصرية والعنف والنفاق، وهي مفارقة تكشف حقيقة منظومة تتغذى على التراتبية والإقصاء. من خلال هذا التناقض، يتجاوز العمل الإدانة المعهودة للفصل العنصري بوصفه نظامًا سياسيًا، ليفضح آليات تطبيع العنف داخل الأسرة والمجتمع، وكيف تتواطأ البراءة المزعومة وسلوكيات مجتمع أدمن إنكار تناقضاته.