فينيسيا – محمد هاشم عبد السلام
اختارت إدارة المهرجان الممثلة والمخرجة الإيطالية جريتا سكارانو، والممثل الفرنسي الإيطالي نيكولا موباس، لتقديم حفل الافتتاح – والختام أيضًا – في خطوة تعكس توجه المهرجان نحو تسليط الضوء على وجوه شابة أثبتت حضورها في السينما الإيطالية خلال السنوات الأخيرة. وبعد كلمة لرئيسة لجنة التحكيم، المخرجة والممثلة الأميركية ماجي جيلينهال، وتكريم النجم جورج كلوني بجائزة إنجاز الحياة، وكلمة الممثلة الأميركية لورا ديرن التي سلمته الجائزة، جرى عرض الفيلم البريطاني “حبر” للمخرج داني بويل.
التكريمات
مُنح الممثل الأميركي جورج كلوني “الأسد الذهبي لإنجاز الحياة” خلال حفل الافتتاح، تقديرًا لمسيرته بوصفه ممثلًا ومخرجًا ومنتجًا. يأتي التكريم في دورة تخلو من أعمال لكلوني، صاحب العلاقة العريقة مع المهرجان، وقد كان حاضرًا في دورة العام الماضي كبطل لفيلم “جاي كيلي” للمخرج نواه بومباخ. لا تبدو الجائزة مكافأة متأخرة لنجم هوليوودي محبوب بقدر الاعتراف بمسيرته الحافلة أمام الكاميرا وخلفها. فكلوني بنى نجوميته داخل النظام الهوليوودي، لكنه لم يكتف بموقع النجم، بل حاول تحويل رأس ماله الجماهيري إلى سلطة إبداعية، منتقلًا إلى الإخراج والإنتاج والكتابة. اختيار كلوني يسلط الضوء على صورة النجم الذي يحمل الفيلم، والذي يريد في الوقت نفسه أن يكون مؤلفًا له. وهي صورة أخذت تتراجع تدريجيًا أمام نموذج اختلف وبات نادرًا، ولزمن كانت فيه النجومية مدخلًا إلى صناعة الأفلام، لا مجرد وظيفة داخل آلة الترويج لها.
كما سيمنح المهرجان نفس الجائزة للممثلة الأميركية إيلين بورستين، وهي من أبرز ممثلات السينما الأميركية. تكريم إيلين بورستين، إلى جانب كلوني، يخلق توازنًا أكثر عمقًا. فإن كان كلوني يُمثل سلطة النجم، فإن بورستين تمثل سلطة الممثلة. إذ لم تُبنَ مسيرتها الطويلة على صورة واحدة أو شخصية جماهيرية ثابتة، بل اعتمادًا على قدرتها على جعل الشخصية السينمائية، عبر عشرات الأفلام، مجالًا للتناقض والهشاشة والقوة معًا. ومن ثم فإن تكريمها يستعيد قيمة الأداء بوصفه فنًا قائمًا بذاته. الجميل أن بورستين لا تعود إلى المهرجان باعتبارها أثرًا من الماضي، بل من خلال عمل جديد قصير إخراج الممثلة ورئيسة لجنة التحكيم ماجي جيلينهال بعنوان “تأثير الجسد”، يرتبط بمارلين مونرو، وبإعادة النظر في صورة النجمة التي صنعتها هوليوود.
من ناحية أخرى، سيتم تكريم الممثلة الإيطالية سيرينا رُوسِّي بجائزة “كامباري”، وتُمنح الجائزة تقديرًا لإسهامات الشخصية الفائزة في مجال الصناعة عامة. وسيقام حفل تكريمها يوم 10 أيلول/سبتمبر، قبل عرض فيلم “الخدعة” للمخرج ماريو مارتوني، وتشارك روسي في بطولته. تبدو الجائزة “كامباري” مختلفة في كونها لا تنظر إلى الفنان أو الفنانة باعتبارها صاحب مسيرة انتهت إلى نقطة التتويج. ومن هنا فإن اختيار روسّي يفتح بابًا على مفهوم آخر للنجومية، أقل ارتباطًا بفكرة المؤلف أو الأسطورة، وأكثر اتصالًا بفكرة الفنان متعدد الحضور، الذي يتحرك بين السينما والتلفزيون والموسيقى.
كما سيُكَرَّم المخرج الإيطالي لوكا جوادانينو بجائزة “كارتييه”، تقديرًا لإسهاماته البارزة في تطوير لغة السينما المعاصرة. وذلك بالتزامن مع العرض العالمي الأول لفيلمه الوثائقي الجديد “بهجة الحياة”، ويتناول، خلال أكثر من سبع ساعات، سيرة المخرج الإيطالي الراحل برناردو برتولوتشي. تكريم جوادانينو يبدو أقل ارتباطًا بفكرة الإنجاز بالمعنى التقليدي، وأكثر اتصالًا بفكرة الاستمرارية والتجريب. فهو من المخرجين الذين استطاعوا جعل السينما المعاصرة فضاء مفتوحًا على الأنواع والأساليب والتناقضات، من الميلودراما إلى الرعب، ومن السينما الحسية إلى الأدب، ومن الأفلام الروائية إلى الوثائقية. ولذا، فإن الجائزة تبدو اعترافًا بمخرج لم يحاول أن يكرّر نفسه ويسعى لتقديم الجديد دائمًا.
اختيار جورج كلوني وإيلين بورستين، إلى جانب تكريم لوكا جوادانينو وسيرينا روسّي، يكشف عن رغبة المهرجان في الجمع بين تقاليد سينمائية مختلفة، نجومية هوليوود، وفن التمثيل، وسينما المؤلف، والطاقة الإبداعية المتجاوزة للحدود التقليدية للمهنة. كلوني يأتي من قلب هوليوود، وبورستين من تقاليد التمثيل الأميركي، وجوادانينو من سينما المؤلف الأوروبية المعاصرة، وروسّي من فضاء النجومية الإيطالية متعددة الوسائط. أربعة أشكال مختلفة من الحضور، يجمعها أن قيمة الفنان لا تُقاس بعدد الأفلام التي صنعها فحسب، بل أيضًا بقدرته على ترك أثر يتجاوز الفيلم الواحد.
داني بويل يكتب بـ”حبر” الصورة تحوّل الصحافة الحديثة
في عرضه العالمي الأول، كفيلم افتتاح وكمنافس في “المسابقة الرئيسية”، راهن المهرجان من خلال اختيار فيلم “حِبر”، جديد البريطاني داني بويل، على اسم مخرج مخضرم له جمهوره ونجاحاته و”أوسكاره”، وجوائز عديدة في رصيده، لتسليط الضوء، وربما دق جرس إنذار، لإعلام لم يعد همِّه الأول رصد الواقع أو نقله، أو البحث عن الحقيقة أساسًا، بل إعادة صياغة الواقع، على نحو صادم ومرعب، وصولًا إلى تحريف الحقيقة.
الحبر هنا ليس إشارة إلى مادة الكتابة فحسب، بل أيضًا إلى السلطة الرابعة التي اكتسبتها الصحافة المطبوعة في القرن العشرين، قبل الانقلاب في العصر التلفزيوني/المرئي، ثم التدهور مع دخول الإنترنت، ووسائل التواصل. وإن كان بويل يربط الفيلم بعام 1969، فإنه يشير إلى حدث غاية في الأهمية، إذ من خلال تحوّل في العقلية والممارسة والأساليب، تحقق “إنجازًا” فتح أبواب المستقبل، بدون توقع، عبر صحيفة، شبه ميتة، أخذت تتشكل وتنطلق على نحو مغاير في بريطانيا، لتؤسس للكثير من الآليات الحاكمة للإعلام الجماهيري الراهن. حدث هذا بعد استحواذ روبرت مردوخ على صحيفة الـ”صن” عام 1969، وإسناده رئاسة تحريرها إلى لاري لامب، لإقالتها من عثرتها، وتحويلها إلى صحيفة شعبية منافسة لكبريات الصحف العالمية. باختصار، لحظة إعادة تدشين الصحافة البريطانية والعالمية الحديثة، حيث لم تعد الأخبار محض معلومات تُنقل، وإنما سلعة جذابة، ومثيرة، وسريعة، وقابلة للبيع، وقبل هذا، مادة تُعطي الجمهور ما يريده، وصولًا إلى تشكيله، وحتى تغييره.

وعليه، تكمن المفارقة في أن الفيلم أكثر من مجرد سيرة رجل أعمال أو صحافي أو صحيفة، بل ولادة منظومة أو مدرسة إعلامية. فقد رأى مردوخ – عبر آلية للتمرد على القديم وتحويله إلى نموذج جديد للسلطة من خلال لاري لامب – في الصحافة البريطانية مؤسسة نخبوية يمكن اختراقها، وفي الطبقة العاملة والجمهور سوقًا وثروة لم يستثمرا بما يكفي. المخرج في هذا يبتعد عن أية تقييمات أو إدانات أخلاقية أو غيرها، ويكتفي برصد لحظة تاريخية تبدو ملتبسة أخلاقيًا ومهنيًا معًا، بدون موعظة مباشرة عن أخلاقيات الصحافة أو الأخلاق عامة. لهذا شخصية لاري لامب (جاك أوكونيل) أكثر أهمية دراميًا بكثير من مردوخ (جاي بيرس). وإن كان مردوخ يُمثل رأس المال الذي أدرك إمكانات الإعلام الاستثنائية، فإن لامب يُمثل الصحافي الذي عرف كيف يحوّل هذه الإمكانيات الواعدة إلى منتج يومي.
وهكذا، لم يسقط المخرج في السخرية السهلة من مردوخ، بل حاول عبر سحر الصورة أن يُقَدِّمُه في سياقه التاريخي، كرجل أعمال استرالي يرى نفسه خارج المؤسسة البريطانية، شغوفًا بالصحافة، ولديه مشروعه الهادف للإثارة الشعبية، وتقويض الحدود المهنية والأخلاقية بين الخبر والترفيه. ولم يكن معنى هذا تحويل مردوخ إلى شخصية جذابة أو تقديمه كنموذج أو عقد محاكمة تاريخية سطحية له. وعليه، لسنا بصدد حياة مردوخ، ولا تاريخ إمبراطوريته الإعلامية، بل لحظة تكوين وتحول صحيفة مغمورة، على يد الذكي والجسور لاري لامب، إلى نموذج جديد كلية، دَشَّنَ فعلًا صناعة الأخبار والإعلام عالميًا.
أخيرًا، يعتبر الفيلم أحد أكثر أفلام افتتاح “مهرجان فينيسيا” إثارة للاهتمام في السنوات الأخيرة، ليس لأنه يحكي قصة ما فعله لاري لامب وروبرت مردوخ فحسب، بل كذلك لمحاولته إعادتنا إلى تلك اللحظة الانقلابية أو ربما الثورية، بالمعنى السلبي، لبداية تشكل الإعلام الحديث، والانحدار الذوقي والمهني، والتوعية من خطورة الانزلاق أكثر في التبعات الراهنة لهذا الانحدار.
المشاركة العربية
تحضر السينما العربية هذا العام بخمسة أفلام من أنواع مختلفة، موزعة بين “المسابقة الرئيسية” والفعاليات الأخرى الجانبية، بدون المشاركة في منافسات ثاني أهم أقسام المهرجان، قسم “آفاق”. تتصدر المشاركات العربية، القليلة جدًا هذا العام، المخرجة الدانماركية المصرية مي الطوخي، إذ تنافس في “المسابقة الرئيسية” بالروائي الثالث لها وهو بعنوان “امرأة مجهولة”. وتدور أحداثه في الدنمارك بعد الحرب العالمية الثانية، ويروي قصة خادمة تستعد للزواج من رب عملها الثري، بينما تخفي علاقة سابقة مع جندي ألماني.

وقد اختير الفيلم التونسي “هلع أو الرجل المقدس” للمخرج كمال العريضي ضمن “المسابقة الرئيسية” لتظاهرة “الأسبوع الدولي للنقاد” في دورته الـ41. ينتمي الفيلم إلى نوعية الخيال العلمي. وتدور الأحداث في تونس عام 2059، حيث تتحكم شريحة إلكترونية مزروعة بالدماغ في ذاكرة البشر، فتُعيد تنظيمها، وتأخذ الأحداث في التطوّر كاشفة عن حقائق غريبة صادمة. وتحضر السينما اللبنانية المغربية بمشاركة المخرجة شادن صفي الدين تازي بفيلمها الوثائقي القصير “لحظات سعادة قليلة”، المنافس في مسابقة “آفاق للأفلام القصيرة”، ويتابع تجربة مخرجة لبنانية شابة تعيش في باريس، وتراقب دمار بلدها عبر شاشة هاتفها.
كما يشارك الفيلم الروائي الطويل “لا جنة إن قتلتك امرأة” للعراقي الكردي هلكوت مصطفى، المعروض “خارج المسابقة”، ويروي عن قصص حقيقية لنساء كرديات قاتلن تنظيم “داعش”، رحلة قناصة كردية تعود إلى الموصل بحثًا عن شقيقتها المفقودة، في عمل يمزج بين الدراما الإنسانية وأفلام الحروب.
وتحضر السينما الفلسطينية بفيلمين، الوثائقي “المواطن أسامة” للمخرج أحمد حسونة، ويعرض في قسم “خارج المسابقة”، ويرصد رحلة مصور سابق يتحوّل إلى موثق للحرب في شمال غزة، في محاولة منه لنقل آثار الدمار الكارثي المحيط بأهله وناسه. والثاني هو الروائي الطويل “حوار مع البحر” لمؤيد عليان، ويشارك في قسم “تحت أضواء فينيسيا”، عن قصة لفلسطيني مقدسي يبحث عن حقيقة اختفاء ابنه قبل عقود. وبعد تعقيدات تتكشف أسئلة متعلقة بالذاكرة والفقد. وفي نفس القسم، يشارك اللبناني رامي قديح بالروائي “غضب”. وتدور أحداثه خلال الأزمة المصرفية اللبنانية وتداعياتها المستمرة، ومحاولة أم عزباء وشقيقتها تنفيذ عملية سطو ليلي لاستعادة أموالهما ومدخراتهما لتمويل عملية جراحية مصيرية.

أما آخر المشاركات العربية، فهو “البَرَّانية” للمصرية الهولندية أشجان الحمص، وهو أول فيلم روائي طويل لها، وينافس في تظاهرة “أيام المؤلفين” في دورتها الـ23. يتناول الفيلم أسرة تعيش حياة هادئة في قرية البرانية، قبل أن تتعقد حياتها إثر تلقيها لعرض خيالي لبيع أرضها. تتطور الأحداث، ويحتدم الصراع نسبيًا، خاصة مع صعوبة الحياة، والضغوط الدافعة لاتخاذ قرارات مصيرية.
يذكر أنه اختير الفيلم اللبناني “غضب” لرامي قديح، والتونسي “رجل مقدس” لكمال العريضي، للمشاركة ضمن الأفلام المتنافسة على جائزة “لويجي دي لورنتس – أسد المستقبل” التي تمنح للأعمال الأولى للمخرجين والمخرجات الشباب. وقد فازت بها سابقًا السورية سؤدد كعدان عن فيلمها “يوم أضعت ظلي” (2018)، والمخرج السوداني أمجد أبو العلاء عن فيلمه “ستموت في العشرين” (2019).