فينيسيا – محمد هاشم عبد السلام

بعد عرضه الدولي الأول بالدورة الـ73 (31 أغسطس/آب ـ 10 سبتمبر/أيلول 2016) لمهرجان فينيسيا، يُحتَفل بـ”لا لا لاند” (2016) لداميان شازيل في إطار La La Land In Concert، بالدورة الـ83 (2 ـ 12 سبتمبر/أيلول 2026) للمهرجان نفسه، مع أداء حي لموسيقاه، تُقدّمه أوركسترا فينيسيا الفيلهارمونية، بقيادة مؤلّفها جاستن هورويتز، الفائز بأوسكار أفضل موسيقى أصلية عنها، بالنسخة الـ89 (26 فبراير/شباط 2017).

يُقام الحفل في برنامج نادي كارتييه السينمائي (5 سبتمبر/أيلول 2026)، بمناسبة مرور 10 أعوام على إنجاز فيلمٍ، حقق نجاحاً كبيراً، نقدياً وجماهيرياً (523 مليوناً و88 ألفاً و208 دولارات أميركية، مقابل ميزانية إنتاج تبلغ 30 مليون دولار أميركي)، ونال ست جوائز أوسكار (منها أفضل إخراج وأفضل ممثلة لإيما ستون) من 14 ترشيحاً. يستضيف مسرح لا فينيسيا التاريخي (الذي يجمع بين الموسيقى الحيّة والشاشة) الاحتفال بحضور المخرج.

أسباب التراجع

مرور الزمن أكّد أن “لا لا لاند” لا يزال الأبرز والأبقى في الذاكرة، بين الأفلام الموسيقية في السنوات الأخيرة. ولعلّ قلة الأفلام الموسيقية الاستعراضية أسهمت في ترسيخ مكانته بصفته أحد أهم الأفلام التي أحيت حبّ هذا النوع السينمائي في جمهور العصر الحديث. لكن أهميته، وإعادة عرضه، ليستا فقط مجرد تذكير به وبالعصر الذهبي للسينما الموسيقية الاستعراضية، بل إضاءة على الإمكانات السينمائية الهائلة الكامنة فيه. رغم هذا كلّه، لم يعد الفيلم الغنائي الموسيقي الراقص يحتل المكانة التي له في العصر الذهبي، ما يدفع إلى التساؤل عن أسباب التراجع.

هناك مفارقة لافتة للانتباه في السينما المعاصرة: في وقت باتت الصورة المتحركة أقدر، من أي وقت مضى، على تسجيل الحركة والموسيقى والرقص، لأن التكنولوجيا الرقمية أتاحت إمكانات هائلة لتصميم الاستعراضات والمشاهد الجماعية وتوفير الكلفة، تراجَعَ هذا النوع الذي كان من أكثر أشكال السينما شعبية وانتشاراً وتأثيراً. وإذ نشأ الفيلم الموسيقي في هوليوود، وارتبطت أمجاده بأسماء كفْرِد أستير وجينجر روجرز وجين كيلي وفنسنت مينيلي، فإن حضوره الحديث باهتٌ جداً، وأقرب إلى الاستثناء، أو العارض الطارئ، منه إلى الرسوخ.

هنا، تبرز مجدداً أهمية “لا لا لاند” واستعادته، إذ لم يكن عند عرضه السابق نوستالجيا إلى هوليوود القديمة، بل محاولة لإعادة الفيلم الموسيقي إلى السينما المعاصرة. افتتاحه الدورة الـ73 حدث دال، إذ قُدِّم بصفته فيلماً ترفيهياً جماهيرياً، وعملاً سينمائياً أصيلاً، يخاطب جمهور المهرجانات والنقاد. لذا، استُقبل بحفاوة كبيرة، لقدرته على الجمع بين الاستعراض الغنائي والرقص واللغة السينمائية الحديثة. كما تُذكَر افتتاحيته ذات اللقطة الطويلة، الراصدة ازدحام الطريق، وتحول الحدث إلى مشهد جماعي راقص. الأهم أنه، رغم كونه غنائياً استعراضياً، لم يحاول إعادة إنتاج النوع بحذافيره أو انتحاله، بل أعاد التذكير به، وقدّم صياغة معاصرة، نوعاً ما، لذاك التقليد، عبر دراما تجمع ممثلة شابة بعازف جاز، يحاولان إيجاد طريقهما وتحقيق أحلامهما. وفيه مزجٌ خلاب بين الرومانسية والحنين والتأمل في معنى الفن والطموح.

ارتبط نجاحه بشدة بالثنائي إيما ستون وراين جوسلينج، الذي ظلّ أحد أكثر الثنائيات السينمائية الموسيقية حضوراً في العقد الأخير. مسارهما اللاحق على العرض الأول يكشف شيئاً عن طبيعة التحول الذي طرأ على الفيلم الموسيقي المعاصر. عاد جوسلينج إلى المهرجان، بعد “لا لا لاند”، رفقة شازيل نفسه، مع “الرجل الأول” (2018). بينما واصلت ستون حضورها في المسابقة بأفلام مستقلة، كـ”المفضلة” (2018) و”كائنات مسكينة” (2023) و”بوغونيا” (2025)، وكلّها ليورجوس لانتيموس.

أسئلة

أسئلة تُطرح: لماذا لم يصبح نجاح “لا لا لاند” بداية عصر جديد للسينما الموسيقية؟ لماذا لم يقدّم الثنائي تجربة أخرى؟ لماذا أحجم شازيل عن تكرار التجربة؟ الإجابة السريعة والبسيطة تكمن في تحوّل ذائقة الجمهور، خاصة جمهور السينما التجارية، إذ صار المتفرّج أكثر اعتياداً على الإيقاع السريع، والانتقال المتكرّر بين الأنواع، والموسيقى التي تأتي من خارج الفيلم، أي الأغاني المنفردة التي تُسوَّق عبر المنصات الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي. الفيلم الموسيقي الكلاسيكي يتطلّب منه قبول اتفاق جمالي خاص: توقّف الحوار فجأة كي تغني الشخصية؛ تحوّل المكان الواقعي إلى فضاء للرقص؛ تقبّل تعبير الشخصيات عن مشاعرها بالأداء الموسيقي؛ الانغماس في استعراضات وديكورات مبهرة؛ إلخ. هذا الاتفاق، الطبيعي تقريباً في العصر الذهبي، يحتاج اليوم إلى تبرير فني حِرفي أكبر وأصدق. أما السبب الأعمق، فاقتصادي بحت، ببساطة: الفيلم الموسيقي الكبير مُكلف بطبيعته، رغم تطوّر التكنولوجيا.

فنياً، هذا النوع بحاجة ماسة إلى ممثلين لديهم القدرة على الغناء والرقص، والانخراط في تدريبات طويلة شاقة، وإلى مصمّمي رقصات، وفرق موسيقية احترافية، واستديوهات تسجيل مكلفة، وديكورات مبهرة، واستعراضات مبتكرة، وحِرفيين كثيرين. الفيلم الموسيقي القديم احتاج إلى نجوم، لهم حضور جسدي ومهارات أدائية شاملة: غناء ورقص وتمثيل وقبول ووسامة. في السينما الحديثة، تغيّرت هذه الوظائف، أو انفصلت/استقلت عن بعضها البعض. فالمغني صار نجماً مستقلاً، ولم تعد السينما تضيف إليه. والممثل بات نجماً مستقلاً أيضاً، ولم يعد مُضطرّاً إلى الغناء. والراقص أصبح محترفاً مستقلاً بدوره. لذا، لم يعد العثور على نجم، يجمع هذه العناصر كلّها في شخصية واحدة، أمراً شائعاً.

المثير للانتباه أكثر، أنّه إذا توفّر هذا كلّه، فلن يوجد في المقابل أي ضمان للنجاح الجماهيري. لذا، باتت الاستديوهات أكثر حذراً، واتجهت إلى مشروعات مضمونة أكثر، كأفلام الأبطال الخارقين، والسلاسل الناجحة، أو إلى إعادة إنتاج أفلام مقتبسة، لا سيما عن مسرحيات.

لذا، يمكن فهم لماذا أفلام كـ”قصة الحي الغربي” (2021)، الذي اشتغل عليه ستيفن سبيلبيرغ بعد 50 عاماً على النسخة الأصلية لروبرت وايز وجيروم روبنز، أو “ويكد” (Wicked، إنتاج 2024) لجون أم. تشو، مقتبساً إياه عن الكوميديا الموسيقية بالعنوان نفسه لستيفن شوارتز وويني هولزمان (2003، برودواي)، وغيرهما من الاقتباسات المسرحية، أكثر حضوراً من الأفلام الموسيقية الأصلية. فالاستديو، حين يموّل عملاً مقتبساً عن مسرحية معروفة، لا يبدأ من الصفر، لأن لهذا العمل جمهوراً سابقاً، وموسيقى معروفة، وهوية تسويقية جاهزة. “لا لا لاند” مغامرة كبرى، وأجرأ: فيلم موسيقي أصلي، لا يعتمد على شخصية خارقة، أو سلسلة سينمائية، أو مسرحية ناجحة سابقاً، ولا ممثلين محترفين في هذا النوع. كما أنه لمخرج مؤلّف، ويتناول السينما بحدّ ذاتها.

مع هذا، لم يخل العقد الأخير من محاولات مهمة: “مولد نجمة” (2018) لبرادلي كوبر، المعروض أولاً خارج مسابقة الدورة الـ75 (29 أغسطس/آب ـ 8 سبتمبر/أيلول 2018) لمهرجان فينيسيا أيضاً، يؤكد أن الفيلم الموسيقي لا يزال قادراً على بلوغ جمهور واسع. كما أنه جمع بين السينما التجارية والاعتراف النقدي. صحيح أنه فيلم موسيقي عن صناعة الموسيقى، أكثر منه فيلماً موسيقياً راقصاً كلاسيكياً، لكن الأغنية فيه لا تنفصل عن حياة الشخصيات، المهنية والنفسية، وليست انقطاعاً استعراضياً عن الواقع. بهذا، يشبه بعض الشيء “الجوكر: على حافة الجنون” (2024) لتود فيليبس مثلاً، المعروض أيضاً في المهرجان نفسه، لكن في مسابقة الدورة الـ81 (28 أغسطس/آب ـ 7 سبتمبر/أيلول 2024).

أفلام لا موجة سينمائية

“أنييت” (2021) لليو كاراكس أكثر الأفلام الموسيقية طموحاً وتجريباً في السنوات الأخيرة. الغناء فيه ليس عنصراً في الحبكة فحسب، بل الحبكة نفسها أقرب إلى أداء موسيقي متواصل. استخدم كاراكس الموسيقى والاستعراض ليس لإعادة إنتاج تقاليد هوليوود أو التذكير بها، بل لتفكيكها بصدق وفنية. لذا، يمكن النظر إلى فيلمه بصفته نقيضاً جمالياً، بعض الشيء، لـ”لا لا لاند”.

يُذكر هنا أن عروض هذه الأفلام في فينيسيا، تؤكد أن المهرجان، في العقد الأخير، يُعدّ من أهم المهرجانات الحاضنة لهذا النوع. فإليها، عُرضت أفلام أخرى مرتبطة بالموسيقى، أو عن موسيقيين.

لعلّ “الموجة” (2025) لسيباستيان ليليو، و”قصة الحي الغربي”، الأقرب إلى روح الفيلم الموسيقي الكلاسيكي الكبير. لكنهما كشفا، مع ذلك، جانباً آخر للمشكلة، يُبرز معضلة عويصة، تتمثل في أنه، حتى الفيلم المبهر والمخلص والمتقن فنياً، لم يستطع أن يعيد النوع إلى مكانته السابقة. المشكلة لم تعد في قدرة صناع السينما على إنتاج فيلم موسيقي جيد، بل أصلاً في تغيّر موقع هذا النوع العريق في الثقافة السينمائية نفسها.

فهل فَقَد الفيلم الغنائي ثقله الثقافي، وسطوته الفنية، وقدرته على الدهشة؟ في العصر الذهبي، الفيلم الغنائي حدثٌ جماهيري كبير، والأغنية تنتقل إلى الإذاعة، والرقصة تصبح ظاهرة اجتماعية، تُبثّ منفردة مراراً في القنوات، والنجوم يتحولون إلى أيقونات. اليوم، يحدث العكس: تنتقل الأغنية المشهورة إلى الفيلم، فالأغنية موجودة مسبقاً أصلاً خارجه، يستمع الجمهور إليها ويشاهدها ويشاركها مع آخرين، قبل مشاهدة الفيلم نفسه، أو من دون الحاجة إلى المشاهدة أحياناً. هكذا، انتقلت الموسيقى/الاستعراض من الفيلم/السينما إلى منظومة/وسائط إعلامية خارجية أوسع. مع هذا، القول إن الفيلم الموسيقي الاستعراضي مات، أو في سبيله إلى الموت، مبالغة قاسية. الأدقّ أن شكله تَغَيَّر، أو انتقل إلى هامش الصناعة، من نوع سائد إلى تجربة استثنائية أو هامشية محفوفة بالمخاطر، وليس وصفة ناجحة دائماً.

الصناعة تغيرت كما الجمهور، وطرق مشاهدة الأفلام، ومفهوم النجم، وانتقلت الموسيقى إلى وسائط/منصات أخرى. هذا صحيح. لكن الحاجة إلى الغناء والرقص لم تختف، بل اختفت الأجواء، والموهبة التي تسمح بصُنع لغة سينمائية جماهيرية جاذبة. فهل بات الأصح الآن التساؤل ليس لماذا لم يعد الفيلم الموسيقي منتشراً كالسابق، بل هل يستطيع الفيلم الموسيقي الاستعراضي إيجاد لغة جديدة تتجاوز النوع، وما ارتبط به من حنين إلى العصر الذهبي، واشتغال تقليدي، فنياً وبصرياً واستعراضياً وغنائياً؟

يكمن مستقبل هذا النوع في اختراع جديد، يمزج الغناء والرقص بضرورة درامية وجمالية، لا مجرد زينة أو استعراض أو اجترار لماض. إيجاد نوع موسيقي جديد، لا مجرد تحية إلى جين كيلي أو جاك ديمي، ولا اقتباس محض من برودواي، بل إنجاز فيلم يعبّر عن زمنه، كما عبّر “غناء تحت المطر” (1952) لستانلي دونن وكيلي، و”قصة الحي الغربي” (1961)، و”مظلات شربور” (1964) لديمي، وغيرها، عن أزمنتها. عندئذ فقط، يمكن التحدّث عن نهضة حقيقية للفيلم الغنائي الموسيقي الراقص، لا مجرد إحياء نوستالجي لنوع سينمائي، كان ذات يوم في قلب الثقافة السينمائية الشعبية والفنية، أو لأفلام يندر أن تخلو من رقص وغناء دراميين، غير مُقحمين.